مأمون المليجى.. رحيل قبل اكتمال الحلم.. فنان غرد خارج السرب.. وغنى للحرية والشعب

321

بلا شهرة ولا نجومية ولا ضجيج، رحل عن عالمنا فى هدوء المطرب والملحن مأمون المليجى، صاحب الرحلة الفنية الخاصة جدا والمميزة فى آن، مخلفا وراءه العديد من الأعمال الفنيه الجيدة، والتى ربما لم يسمعها معظم قارئى هذه السطور، عبرت فى مجملها عن أوجاع وهموم مصر وبالأخص البسطاء الذين حرص على أن يكون لسانهم.

رحلة مع الموسيقىولد الفنان مأمون عام 1960 بالإسكندرية من أبوين مصريين، أمضى طفولته فى ربوع لبنان حيث كان والده يعمل هناك و حصل على الجنسية اللبنانية التى منحها له الرئيس كميل شمعون، وفى عام 1970عاد مأمون مع أسرته إلى مصر ليلتحق بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية، وعمل مهندسا معماريا لعدة سنوات، ثم قام بإنشاء أتيليه فنى لعمل مستلزمات الديكور من تابلوهات وتماثيل ووحدات إضاءه.
موهبة التلحين
بدأ شغفه بالموسيقى، وهو فى سن الخامسة عشر، حيث تعلم الجيتار وظهرت عليه بوادر موهبة التلحين فى سن مبكرة، و قام بتلحين أول أعماله وكانت من كلمات أخيه على المليجى، فيما كان أول كليباته “فى الشوارع” وهى أيضا من كلمات الشاعر أحمد قدرى ومن ألحانه، وتعكس حالة الأحباط التي أصبحت مسيطرة على السواد الأعظم من الشعب المصرى بسبب حالة الفقر المتفشى، وانتشار البطالة بشكل مرتفع. وكأنه بدأ رحلة التحريض والكفاح السياسى من خلال أغنياته وموسيقاه، وعززها بظهوره فى حفلات عديدة خاصة بساقية الصاوى، والتى يمكن القول بأنها كانت المتنفس الوحيد له لإخراج أعماله الى الجمهور، بعدما أغلقت مسارح الدولة ومجمل المنافذ وفى مقدمتها التلفزيون أبوابها أمامه.
تقول كلمات أغنية “فى الشوارع”
“فى الشوارع شيء غريب بينادينى
شيء بيفرض جوه منى حزن عينى
شيء ياخدنى يشدنى يرمى حزنى ع الشوارع
أترسم كل الوشوش تنقسم بنا المواجع
أبقى واحد منهم جرحى هو جرحهم والحقيقه متوهانى
فى الشوارع حلم عاشق للنهار شوفته فى عيون طيبين
حلم مطحون بالمرار يطرح غناوى المحرومين
فى الشوارع حلم عاشق للنهار شوفته فى عيون طيبين
حلم مطحون بالمرار يطرح غناوى المجروحين
والامتحان عيش فى انتظار وعلينا بتمر السنين
أترسم كل الوشوش تنقسم بنا المواجع
أبقى واحد منهم جرحى هو جرحهم والحقيقه متوهانى
فى الشوارع ليه بنسأل مية سؤال
والطريق نمشيه وتانى نرجعه
كل حاجه فوق حدود الإحتمال
كل واحد فينا جرحه بيوجعه
أترسم كل الوشوش تنقسم بنا المواجع
أبقى واحد منهم جرحى هو جرحهم والحقيقه متوهانى”
قالوا عنه
الموسيقار راجح داود، أكد عدم معرفته بالراحل مأمون للأسف، مشيرا لأن الأضواء لم تسلط عليه خلال مسيرته الفنية، فى إشاره إلى انه لم يسع وراء الدعاية أبدا.
كما استنكر راجح داود، أن يكون السبب وراء عرقلة أو حجب أعماله من البث التليفزيونى يعود إلى النقد الذى تتضمنه أغانيه والتى يعتبرها البعض تحريضا سياسيا، مشيرا إلى ظاهرة الثنائى أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام بوصفهما أكثر من إنتقد النظام ومع ذلك كانا أشهر من نار على علم.
فيما أكدت الكاتبه الصحفية سحر الجعار، أن المليجى يعد بمثابة ظاهرة فنية لم تلق الدعم أو الإهتمام الذى يليق بها، خاصة انه إنحاز للحرية، وحارب الرقابة فى كثير من أغانيه ومنها على سبيل المثال غنوة “الحلوة دى قامت تعجن مالقتش دقيق”، كما منعت أعماله من البث التليفزيونى مثل كليب “الشوارع” وأغنية “بحر الخوف” التى تنعى ضحايا العبارة.
وأوضحت الجعار أن «مأمون المليجى» صوت ذو قضية، وهو الامتداد الطبيعى لمدرسة فنان الشعب «سيد درويش»، من حيث الانتماء للوطن والشعب، وتراه الجعارفى بعض ملامحه أقرب ما يكون للثائر «مارسيل خليفة» الذى يعد علامة بارزة فى تاريخ “المقاومة بالغناء”.
ومن أشهر أغنياتة التي أثارت زوابع هى: “اصرخ بصوتك – يا شعب عمره ما ثار – الرجال لابسين طرح – الحلوة دى ما لقتش دقيق – يا بلدنا ازاى الصحة – موافقون منافقون – افتى يا مفتى”.
عشاق النهار
صدر للفنان مأمون المليجي، ألبوم واحد فقط هو “غير حروف الغنا”، وقد شارك فى كتابته مجموعة متنوعة من الشعراء هم أحمد قدرى، أسامة عبد الصبور، محمد الكومى وزينات القليوبى، كما أقام مأمون المليجي العديد من الحفلات فى شتى أنحاء الجمهورية برفقة فرقته (عشاق النهار) وحصد العديد من الجوائز فى المهرجانات الدولية والمحلية.
كما كثف نشاطه الفنى بعد الثورة، بإصداره أكثر من أغنية وفيديو كليب منها الأغانى الوطنية والاجتماعية والدينية، وتعاون مع مطربين فى الساحة الفنية منهم المطرب مدحت صالح وكانت آخر أعماله مع الفنانة مروة ناجى “الحب أحيانى” و هى من ألحانه.
“خد قرارك”
أغنية “خد قرارك” هي واحدة من أهم أعماله الإبداعية، قدمها الفنان الراحل على طريقة الفيديو كليب، وهى من كلمات أسامة عبد الصبور، وتوزيع ياسر فاروق، الحان وغناء مأمون تقول:
“غصب عنك باختيارك خد قرارك وافتح الشباك يدور النور فى دارك
أطلق الحلم السجين والسنين المشتاقين
ياوطن مستنى مين يزرع الشمس فى نهارك
ياللى عايش بين همومك والحذر
إعدل الصورة وركز بالنظر
هاتلاقيك أنت الإمام المنتظر
وتلاقيك أنت اللى واقف فى إنتظارك
إطلق الحلم السجين والسنين المشتاقين
ياوطن مستنى مين يزرع الشمس فى نهارك”؟
خارج السرب
من جانبها نعت الفنانة عزة بلبع، الفنان الراحل عبر صفحتها الشخصية على موقع فيس بوك قائلة: “رحل صديقى الحبيب، رحل رفيق النغم والدرب، رحل الفنان الموهوب، والمبدع الوطنى، مأمون المليجى، ملحن أجمل أغنياتى، وأخو زوجي، على المليجي، وأضافت بلبع: “ولأنك غردت خارج السرب، وسرت عكس التيار، وشاركت بألحانك وأغانيك الناس والوطن، فى الهم والمعاناة، لم تنل المكانة التى تستحقها موهبتك الكبيرة، لكنك باق فى قلوب عشاقك “.
وقد جاءت جميع أغانيه عاكسة للوضع القائم فى المجتمع، خاصة وأن مأمون المليجى فى العديد من لقاءاته التلفزيونية كان يعتبر نفسه امتدادا لمدرسة سيد درويش، لكونهما كانا لسان حال الفقراء والمعبرين عن همومهم كما فى أغنية “بحر الخوف” والتي تجسد مأساة عبارة السلام، حيث يقوم الشباب بالقاء أنفسهم فى بحور الغربة والأغتراب، من أجل حلم بسيط وهوتحسين أوضاعهم المعيشية، وهناك أيضا أغنية “أحمد يا سبع الليل” والتى تصف بمنتهى الدقة وضع صغار رجال الشرطة الذين لا حول لهم ولا قوه.
“غير حروف الغناء”
أما أغنية “غير حروف الغنا” فهى واحدة من أشهر أغانى الفنان الراحل، وهى الأغنية الرئيسية لألبومه الوحيد الذى يحمل نفس الاسم، من كلمات محمد الكومى، وألحان مأمون المليجى، وتوزيع ياسر فاروق.
“غير حروف الغنا
لا الناس ماهيش فاهمين
صابرة و متشعلقة
ف حبال لكن دايبين
الهم زاد والكرب
مدد يا أحباب مدد
لموا كفوف البلد
و اترجوا رب رحيم
يعدل وطن إنكفى
يرقينا رقوة شفا
تلقى البشر نفسها
و تشوف وصلنا لفين
إنزل حوارى البلد
هتلاقى ناس تانيين
عايزين يربوا الولد
و يستروا البنتين
إقرا وشوش البشر
لقمة وهدمة وسفر
غربا فى وطن مختصر
على صورة فى الميادين
غير حروف الغنا
لا الناس ماهيش فاهمين
صابرة ومتشعلقة
ف حبال لكن دايبين”
القيمة الفنية
الشاعر أحمد قدرى يقول: “مأمون كان مناضلا ثورىا، رحل وترك إرثا فنيا سوف يذكره التاريخ، كان دائما حريص على أن يوجه رساله من القلب للأغلبيه الصامته المكلومة، و قبل أن يكون فنانا كان إنسان محب للجمال، وكان مهندسا فى اختياره للأغانى التى انتقاها”.
يواصل: كان بيننا لغه خاصه مختلفه، كنا أصدقاء عملنا معا، حقا كان فنان له وزنه فى الساحه الفنية والثقافية، على الرغم من أن جمهوره ليس عريضا، لكن كان له جمهوره الواعى المثقف العاشق لمصر، وكان دوما متعاطف مع قضايا مجتمعه”.
يواصل الشاعر قدرى متحدثا عن تجربته مع المليجى، قائلا: أول لقاء جمع بيننا كان فى أغنية “فى الشوارع” التى كانت بمثابة شهادة ميلاد لكلانا، وقد اشتركنا فى مهرجان الفيديو كلب الدولى وفوجئنا بفوز الأغنية بدرع المهرجان، وتم تكريم مأمون بجانب العظماء والرموز الفنية الكبيرة، ثم عملنا ثانى فيديو كلب عن الوحدة الوطنية، بأغنية “نحلم سوا” وكان لهذا الكلب بصمة مهمة أسوة بأغنية الشوارع، وحصل على أوسكار الفيديو كليب الدولى فى مهرجان شرم الشيخ.
كان إنسان لا يحب الظهور ولايسعى للأضواء بقدر حرصه على القيمة الفنية، وكان يختار كلماته بدقة، وقد حقق المليجى الكثير من النجاحات فى كل المسارح الجيزويت، المكتبه الفرنسية، ساقية الصاوى، الميدان، وكان من أبطال الثورة، وستظل أعماله باقيه.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy