لقطات: حوار مجتمعي حول الإصلاح الاقتصادي بدون الأحزاب
فاجأتنا صحف الجمعة الماضى (10/8/2017) بخبر احتل صدر صفحاتها الأولى: “الحكومة تطلق حوارا مجتمعيا حول الإصلاح الاقتصادى الأسبوع المقبل.” و جاء فى التفاصيل أن رئيس مجلس الوزراء، كشف عن أن الحكومة ستطلق الأسبوع المقبل حوارا مجتمعيا لمناقشة القضايا التي تشغل الرأي العام، وعلي رأسها الإصلاح الاقتصادي ومنظومة الدعم وتحسين الأحوال المعيشية. و ذكرت جريدة الأهرام أن رئيس الوزراء صرح بأنه سيتم عقد سلسلة من اللقاءات مع رؤساء النقابات المهنية ورموز المجتمع المدني والكتاب والصحفيين. وأضاف شريف إسماعيل أن “الحكومة حريصة علي الاستماع لآراء واقتراحات أكبر عدد ممكن من ممثلي فئات المجتمع، وإطلاعهم علي سياسات الحكومة اقتصاديا واجتماعيا، والتي تهدف إلي حماية محدودي الداخل وتشجيع النمو الاقتصادي والصادرات وتحقيق الاستقرار المجتمعي ومواجهة الإرهاب”.
ذكرنى الخبر بالمثل القائل: “بعد الهنا بسنة”. فقد قدمت الحكومة برنامجها إلى مجلس النواب فى مارس 2016 دون حوار مجتمعى حقيقى، بل و حتى دون مناقشة جادة فى مجلس النواب. كما عقدت الحكومة إتفاقا مع صندوق النقد الدولى فى 11 أغسطس 2016 من وراء ظهر البرلمان فى مخالفة صارخة للدستور. و قام البنك المركزى بتعويم الجنيه فى 3 نوفمبر 2016. و تم رفع أسعار الطاقة بما يتراوح بين 30% و 50% للتمهيد لموافقة صندوق النقد رسميا فى 11 نوفمبر 2016 على قرض بمبلغ 12 مليار دولار لدعم برنامج الإصلاح الحكومى. ولم يعلم أحد سوى عدد محدود من أعضاء الحكومة بتفاصيل كل ذلك. ثم اتخذت الحكومة عدة إجراءات مضادة لمبدأ العدالة الإجتماعية الذى أكده دستور البلاد الصادر عام 2014. و كان أخر هذه الإجراءات رفع أسعار المنتجات البترولية و الكهرباء و المياه كجزء من موازنة 2017/18. محصلة “الإصلاح الإقتصادى” على طريقة حكومتنا السنية تعبر عنها مقولة السيد المسيح عليه السلام: “من كان عنده يُعطَى و يُزاد، و من ليس عنده يُؤخَذ منه”! باختصار هى تأخذ من الفقير لتعطى الغنى. فقد خفضت الحكومة سعر ضريبة الدخل على الأغنياء من 22.5% إلى 20%، و جمدت العمل بالضريبة على صافى أرباح معاملات البورصة. و أغدقت فى الحوافز للمستثمرين بما يهدد الأمن القومى. و أطلقت العنان للتجار لرفع الأسعار. و تجاوزت كل حدود الأمان فى الاقتراض من الداخل و الخارج بما يهدد مستقبل الأجيال القادمة. و النتيجة: الغلاء تجاوز معدل 35% طبقا لآخر تقديرات البنك المركزى، و انهارت دخول الطبقات الوسطى و الفقيرة و أصحاب المعاشات، و لم تعد ترسانة ما يسمى الحماية الاجتماعية كافية لحماية تلك الفئات. و رغم كل ذلك، تكرر الحكومة أن “الإصلاح ” بهذه الطريقة كان حتميا! بصراحة، لست أدرى كيف.
قد يصر رئيس الوزراء على أن الحوار المجتمعى ضرورى حتى و إن جاء متأخرا فيفكرنا بالمثل القائل “كل تأخيرة وفيها خِيرَة”! و نحن نرحب بفتح حوار حول الإصلاح بشرط أن يكون حوارا مجتمعيا فعلا لا قولا. و اللافت للنظر أنه قصر ضيوف الحوار على رؤساء النقابات المهنية ورموز المجتمع المدني والكتاب والصحفيين. لكن مع احترامنا لهؤلاء، إلا أنهم لا يمثلون المجتمع بكل فئاته. فمن الذى يمثل العمال والفلاحين وأصحاب المعاشات والصناع والتجار؟ و أين الأحزاب على مائدة الحوار؟ هل سقط ذكر الأحزاب سهوا، أم أنه تعبير عن تجاهل الحكومة للأحزاب و إنكار دورها فى الحياة العامة؟ معلوم أن الأحزاب جميعا تمر بظروف صعبة، لكن استمرار تجاهلها يعنى تكريس حالة الفراغ السياسى التى يعانى منها مجتمعنا والتى فتحت الباب لجماعات التطرف والعنف. فإذا كانت الحكومة جادة فى حوار مجتمعى، فلا بد من مشاركة الأحزاب أيضا فى هذا الحوار. فما رأى السيد رئيس الوزراء؟ و ما موقف السيد رئيس للجمهورية؟
عزاء ونصيحة وتذكرة: عزائى فى أهالينا ضحايا حادث دهس قطار القاهرة المنطلق لقطار بور سعيد المنتظر قرب محطة خورشيد فى الإسكندرية. و نصيحتى للمسئولين أن يتخلصوا من وَهْم أن الحل هو تقليل الاعتماد على العنصر البشرى بتحديث التكنواوجيا. و أُذكِّرهم بنموذج الجندى عبد العاطى صائد الدبابات الإسرائيلية الحديثة فى حرب أكتوبر 1973.

التعليقات متوقفه