ضد التيار: وداعًا محمد فهمى
كعادته، لايأبه الموت بمشاعر اللوعة والألم، والفراق ولا يعتنى باعطاء فرصة لالتقاط الأنفاس، هكذا هو الموت لا يجامل أحدًا ،ويتفنن فى مفاجآته ومآسيه ،ويصر على الانتقاء . فبعد يوم واحد من وفاة رفعت السعيد المفاجئة والغادرة، رحل الكاتب الصحفى والصديق “محمد فهمى” بعد رحلة عبثية مع المرض، لتغدو المصادفة المؤسفة وحدها أن يجمع الموت بينهما فى يوم واحد للعزاء ويفرقهما سرادق العزاء فى مكانين مختلفين.
تعرفت على “محمد فهمى” قبل سنوات من خلال رسائله المميزة لصحيفة أخبار اليوم ، الذى ظل مراسلا لها لأكثر من عشرين عاما من بون الألمانية ولأن موضوعات السياسة الخارجية لا تحظى عادة بالاهتمام الكافى من القراء إلا فيما ندر ، فقد تميزت رسائل محمد فهمى الخارجية بطعم مغاير يجذب الانتباه من الأسطر الأولى، ويدفعك دفعا لقراءتها، لموهبته الفذة التى امتلكت القدرة على تقديم خلطة سحرية تجمع بين الثقافة والسياسة وخفة الظل وتنوع معارفه الفنية والأدبية والعلمية . وحفلت رسائله وتغطياته الصحفية ومقابلاته بدلالات سياسية ووطنية وأخلاقية غير مألوفة، فضلا عن اتسامها بشجاعة الرأى ونزاهة الموقف وقوة البصيرة التى تقدم اضاءات على الواقع الألمانى، تساعد من فى يده القرار داخل مصر على المقاربة والمقارنة والخروج بحلول لمشاكل الواقع المصرى، تم تجريبها فى بلاد غيرها ، أى أن الشعور بالمسئولية تجاه احتياجات الوطن كان هو البُصلة التى يستند إليها فى كتاباته، لاسيما بعد عودته إلى أرض الوطن واستقراره فى القاهرة ،حيث عكف على دراسة وتأمل الظواهر الاجتماعية المخيفة التى استجدت على بلاده ، فاستطاع بروحه المرحة الساخرة، ونقده اللاذع أن يقلب تربة هذا الواقع ، وأن يكشف بتهكمه الذى يفجر الضحكات من أعماق القلب قبحه وابتذاله ، والقوانين الظالمة التى باتت تتحكم فيه ، وشبكات المصالح والولاءات التى تفرض تشوهه!
بعد أن توقف محمد فهمى عن كتابة مقاله الأسبوعى فى”الأهالى” توقف معه تليفونه عن الرد على أحد ، إلا فيما ندر . وقبل نحو شهرين اتصل بى ليقول أنه يتنقل بين المستشفى والبيت ، وأنه يعالج من مرض تافه على حد وصفه ، وأنه بخير ، والدليل الذى يسوقه هو اتصاله ليطمئن علىّ وعلى شقيقتى فريدة النقاش ، الذى كثيرا ما ردد بفرح اسمها لأن ابنته فريدة سميتها ، بعد أن كنا قد فقدنا على التوالى شقيقنا الثانى فكرى النقاش خلال نحوستة أشهر .كان محمد يتكلم بشكل متواصل ويكرر بتلقائية ومودة كلمة ” معلهش”لما سمعه من حزن فى نبرة صوتى ، ولعله لم يكن ينصت لما كنت أقوله وأسعى من خلاله لتشجيعه على مقاومة “التفاهة” التى طالما تصدى لها فى الكتابة وفى الحياة ، فمكرت الحياة به وتحايلت لكى تلاعبه بتفاهتها فى المرض أيضا.لم يكن محمد يسمعنى وأنا أحثه للرد على مكالماتى، وأطلب عنوان المستشفى لكى أقوم بزيارته، وأدعوه أن يملى مقاله بدلا من كتابته بنفسه . كان ربما يحدث الأفق ، أو يكتب فى سجلات الواجب أنه لم يقصر فى السؤال ، أوأنه وهو يكابد الألم كان لايريد ان يقطع الصلة بينه وبين الحياة، أو لعله كان يدرك أن الغياب يقترب ، وأن رحيله دون أن يودع الأحبة والأصدقاء لا يليق بمن هو مثله.
قبل رحيله بأيام نشر محمد فهمي “المقال الأخير” الذي أملاه على شقيقه المرافق له في المستشفى ، ليودع فيه قراءه ، ويعبر عن لوعته لافتقاده دفء قلم الحبر الأسود الذي اعتاد أن يكتب به ، ويسخر فيه كعادته من ثقافة الاستهلاك التي حولت الطب من مهنة ذات رسالة إنسانية تتسم بالوقار والسمو، إلى سلعة تهوى الفشخرة الاجتماعية على حساب الكفاءة والاتقان، تلك الفشخرة التي كلفته حياته . وبعد أن وصِّف له طبيب من هؤلاء مرضه بأنه حزام ناري، وبأنه مرض بسيط يحتاج إلى راحة وصبر وتناول ما حدده له من علاج ، انتهى به الحال بعد شهر من تناوله إلى غرفة العناية المركزة ، ليكتشف أطباء مستشفى الجلاء العسكري ، بأنه مصاب بالتهاب رئوي حاد ، تأخر علاجه شهرا بسبب التشخيص الخاطئ له .
وبرحيل “محمد فهمي” تخسر الصحافة المصرية واحداً من المع كتابها وأكثرهم إلماما بمقتضيات الكتابة الساخرة ، وأخسر أنا على المستوى الشخصي صديقا حميما طيب القلب، مفعم بمحبة الحياة والبشر، والتقاط كل ما هو جميل بالكون المحيط بنا ، كما أخسر ـ ويخسر تاريخ الصحافة ـ وعداً قطعه لي بأنه يعكف على كتابة مذكراته في بلاط صاحبة الجلالة .

التعليقات متوقفه