شكشكة
الشخصية المصرية لماذا تغيرت .. “1 “
*بقلم إقبال بركة
يكاد يجمع المصريون على اختلاف ثقافاتهم وطبقتهم الاجتماعية على أن ثمة تحولات جوهرية حدثت فى الشخصية المصرية، أو لنقل صورة المصرى فى عيون المصريين و الآخرين.
ولن أغوص عميقا فى أسئلة بيزنطية مثل هل يمكن أن تجتمع لشعب ما سمات أو مقومات عامة توجد فى كل من ينتمى الى هذا الشعب. ولكنى سأذكر بصورتنا فى مرآة الفنون الدرامية كما تقبلناها وأحببناها فى أفلام سينمائية ومسرحيات تعتبر اليوم من كلاسيكيات تلك الفنون. على سبيل المثال وليس الحصر الريف المصرى والخير الوفير فيه الذى تهفو اليه نفوس سكان المدينة و الفلاح البسيط الراضى بعيشته القانع بما أعطاه الله من نعم لدرجة أن يحسده الآخرون و يتغنى بها أكبر مطرب و ملحن مصرى ؛ممحمد عبد الوهاب في أغنية ” محلاها عيشة الفلاح “.
وزوجة الفلاح صاحبة المصانع البيتية التى تنتج الخبز و الحلوى والمخللات والفطائر وتربى الطيور بأنواعها.. الفتاة الوديعة خفيفة الظل المقبلة على الحياة القادرة على مواجهة عوامل التخلف والرافضة للتخلى عن حقوقها كما جسدتها راقية ابراهيم فى فيلم ” زينب”.
الأسرة المترابطة وأفرادها المتحابون الذين ينسون خلافاتهم ويتحدون فى وجه الصعاب والعقبات المادية..والشاب الطموح الذى يسعى للتفوق فى الدراسة وفى العمل ويحلم بمستقبل أفضل” مثلما شاهدنا فى فيلم رد قلبى 1957″
الجيران ومشاعر المودة بينهم بصرف النظر عن العقيدة الدينية التى قد تختلف ولكن السمات واحدة والعادات والتقاليد متطابقة كما رأيناهم فى فيلم ” أحمر شفايف” لنجيب الريحانى ..
المدرسة والجامعة وجو المرح والتفاؤل والتطلع للغد بثقة وإصرار كما عشناها مع أبطال فيلم “أبى فوق الشجرة 1969”. و أمثلة كثيرة لاحصر لها فى الأفلام المصرية منذ بداية تاريخ السينما حتى عقود قليلة مضت .
هذه الصورة التى جسدها لنا نجوم السينما و التليفزيون فى كل مراحل الحياة صعودا وهبوطا، مع الحظ أو بدونه، فقراء وأغنياء ، شباب و مسنين.. وارتبطت فى أذهاننا بتلك الشخصيات التى رأيناها طبق الأصل لا تختلف عن الحقيقة الا فيما يتطلبه الفن من بعض المبالغات أو التناقضات أحيانا..
أين ذهب هؤلاء جميعا..؟
نتلفت حولنا فنرى أشباحا تتحرك وتروح و تجىء ولكننا لا نتعرف فى أى منها على ما يسمى أو يعرف بالشخصية المصرية..
الشخصية الوسطية فى كل شىء، فلا تزمت ولا انحلال، ولا تعصب ولا انفلات. التسامح الدينى وقبول التعددية والترحيب بالآخر سواء كان أجنبيا سائحا أو مقيما، مسلمين ومسيحيين ويهودا من كل طائفة..
هذه الشخصية اختفت أوكادت، وحلت محلها شخصية أخرى متعصبة الى أبعد مدى، رافضة للآخر حتى لو كان من نفس الأسرة ولكنه يحمل أفكارا مختلفة..
اختفى شباب مصر وحلت وجوها متجهمة كئيبة لا تردد غير عبارات التكفير ولا يصدر عنها سوى التهديد والوعيد !
وانحسرت موجات الفن التى كانت تنعش نفوسنا وترطب قلوبنا.. الضحكات من القلب فى مسرحيات ساعة لقلبك والثلاثى والمهندس وشويكار ومن قبلهم نجيب الريحانى وعادل خيرى واسماعيل يس.
عندما تراجعت مقومات الشخصية الأصيلة، حدث جذر للفن الجميل..و مع التكفير ورفض الفن جاء الدمامة و القبح و انحط الأداء وغلب على ممثلى الكوميديا الإسفاف فى اللفظ والسلوك وغابت المعانى تماما..
متى بدأت تلك التحولات ولماذا وهل ستثبت وتصبح واقعا لافكاك منه أم ستمر مثل سحابة صيف شديد الحرارة، وما تلبث نسمات الخريف المصرى الرائع تهب علينا ويقبل الشتاء بدفئه وشمسه الحانية..؟ وإلى الأسبوع القادم باذن الله لنبحث معا عن جذور المشكلة.

التعليقات متوقفه