تمر هذه الأيام الذكرى الثانية لرحيل الكاتب الصحفي والمؤرخ الكبير صلاح عيسى ، صاحب التجربة المميزة في الكتابة الصحفية والتاريخية وصاحب المواقف المضيئة في الثقافة المصرية . تميزت كتابات ” عيسى ” بدقة التصوير وتنوع الأحداث وكثافة المعرفة فقدم نموذجا للمؤرخ المثقف الباحث عن التفاصيل التي تؤدي إلى إبراز المواقف الوطنية للشخصيات التي يكتب عنها ، ومن أهم كتبه ” الثورة العرابية ” و” مثقفون وعسكر ” و” هوامش المقريزي ” و” دستور في صندوق القمامة ” و” رجال مرج دابق” و” هوامش على دفتر الوطن ” وغيرها من المؤلفات التي أثرت المكتبة العربية . وتميزت كتابات ” عيسى ” التاريخية بعدة سمات منها الدقة في رصد التواريخ والاعتماد على الوثائق ومقارنتها بأكثر من مصدر ، والتحليل الدقيق للأحداث ، وربطها بعصرها ، وتحليل الأبعاد النفسية والسياسية والاجتماعية التي أدت إليها.
صلاح عيسى
خروج عن النص
كان خالي رياض، هو أقرب أخوالي الخمسة إلى قلوبنا ونحن أطفال، فقد كان ـ بعكس الكبار الآخرين في أسرتنا ـ قليل الأوامر، نادر النواهي، متسامحا مع كل أخطائنا، وكانت ـ غالبا ـ جسيمة !
كان قد غادر المدارس إلى غير رجعة، قبل أن يحصل على شهادة الكفاءة، بعد واقعة من أهم أحداث الجانب الفكاهي في تاريخ عائلتنا، فقد حفظ مفردات اللغة الإنجليزية كما تلقنها بالضبط، تعلقت عيناه بالسبورة قرأ ما عليها من كلمات عربية وما يناظرها من معان بالإنجليزية، سمعت أذناه تلاوة المدرس لكل كلمتين مما هز جسده على الطريقة الأزهرية القديمة في الحفظ، ردد وزملاؤه كل كلمتين معا:
ـ تماما just منحدر Slow وهكذا حفظ خالي النص ـ كما رأه وسمعه وردده ـ كل كلمتين معاً، وحين جاء أوان التسميع سأله المدرس : تماما يعني إيه يارياض ؟ فقال خالي بألية : تماما جست، منحدر سلو
وأراد المدرس أن ينبهه لما ظنه سهوا، فعاد يسأله : أمال منحدر يعني إيه ؟ فعاد خالي يردد بآلية منحدر سلو، ويئس المدرس ـ فيما تلاه ذلك من أسابيع ـ من إقناعه بأن النص الذي يردده بآلية يضم كلمتين مختلفتين، لكل منهما معنى منفصل، فأهمل شأنه، ولم يعد يسمع له .
ولأن خالي رياض، كان أطول تلاميذ الفصل، وأضخمهم، فقد كان أول من تقع عليه عين الناظر والمفتش، وكل من يدخل الفصل من الغرباء، فيختارونه، دون كل التلاميذ، ليختبروا معلوماته في الإنجليزية، ويقيسوا بها مدى اتقان المدرس لعمله .. فيسألونه : تماما يعني إيه يا رياض ؟ فيجيب بنصه الخالد تماما جست، منحدر سلو .
ويقلبون السؤال، فلا تنقلت الإجابة، لأن خالي كان مصراً على ألا يخرج عن النص الذي حفظه بثلاث من حواسه، والنتيجة نظرة سخط يلقيها المفتش على المدرس، يغادر بعدها الفصل، لتتحول نظرته إلى عصى تنهال على كفي خالي رياض، يتلقاها بصبر، فلا يتوجع ولا يحتج، ولا يسحب كفيه من مرمى العصا، حتى تكل يد المدرس، فيعود خالي إلى مكانه في الفصل، شامخ الراس ككل صاحب رسالة يتحمل تكاليف الاصرار على مبادئه، والصمود في الدفاع عنها ..
ولأن المدرسة كانت أهلية تعيش على معونات من وزارة المعارف تنقطع إذا ما ساءت تقارير المفتشين عنها، فسرعان ما جاء اليوم الذي نفد فيه صبر الجميع، دخل الناظر الفصل ومعه جوقة من المفتشين واختار أحدهم ـ كالعادة ـ أطول التلاميذ قامة، وسأله عن أسمه، ثم قال بأبوة مصطنعة : تماما يعني إيه يا رياض ؟ فكرر ـ بالطبع ـ نصه الخالد، وماكاد الجمع يغادر الفصل، وقد أصبح مؤكدا أن المدرسة لن تحصل على الإعانة، حتى انهال المدرس والناظر على خالي رياض ضربا، وطاشت ضرباتهما بالغيظ فطالت كل مكان من جسده، فإذا بصبره الطويل ينفد، وإذ به يرد على العدوان بمثله، بل بما هو أقسى منه، وأنجلى غبار المعركة بنقل المدرس إلى المستشفى وجلاء الخال العتيد عن المدرسة إلى الأبد !
وحين وصلت إلى السن الذي أستطيع فيه أن أفهم ما بدى، أدركت أن خالي رياض كان على حق وحكمت بأن المدرس يستحق ما ناله من عقاب، وربما أقصى منه، فهو الذي وضع النص كل كلمتين معاً، وهو الذي كتبه على السبورة كل كلمتين معاً، وهو الذي تلاه على خالي وزملائه كل كلمتين وطالبهم أن يرددوه خلفه بهذه الطريقة، وفجأة ودون سابق إنذار وأمام الناظر والمفتش، خرج عن النص، وابتدع نصا جديدا، وغير من طرف واحد قواعد اللعبة، فاستحق العقاب الذي أوقعه به خالي، الذي أصر على أن يلعب اللعبة طبقا للأصول التي اتفق عليها الجميع، وتمسك بالنص وتحمل في سبيل ذلك، عدوان الخارجين عنه، وحين نفد صبرهم أدبهم الأدب الذي يليق بالخارجين عن النص ! . سبت أرضك ليه ؟
وفيما بعد، شهدت معركة أخرى من معارك الخال رياض، تطلبت زمنا، لكي أستوعب معانيها وأفهم دلالاتها .
كنا يومها نلعب في فناء البيت حين وقف بالباب غريب يطلب صدقة، ومع أن صورته كانت تختلف تماما عن هيئة متسول قريتنا والقرى المجاورة، فقد القينا نظرة عابرة عليه، دون أن يعني أحدنا بان يدخل إلى المنزل لكي يأتيه برغيف من ” مشنة الشحاتين ” التي تقبع في إحدى قاعات المنزل الداخلية كان طاعنا في السن جدا : كل شيء فيه قديم ومكرمش .. ملامحه ونظراته وقامته المنحنية الضئيلة رغم زحام الأسمال التي يرتديها … صديري وجلبات وجاكته وبالطو ومركوب، وكان أبرز ما فيها شملة مبرقشة يغطي بها رأسه الصغير وتلتف حول عنقه، لم يقل ـ كعادة المتسولين في قريتنا : حسنة قليلة تمنع بلاوي كثيرة، لم يقل: إلهي يجعل بيوت المحسنين عمار، تمتم بكلمات لم نفهمها إلا بعد وقت: كسرة خبز الله يربحك !.
وعبرت أمي الفناء، فلفتت هيئة الرجل الغريبة نظرها، فسألته أنت منين ياعم ؟، أمرتني بحسم أن أترك ما بيدي لأعود برغيف من مشنة الصدقة، وعدت مسرعاً لأجد خالي رياض واقفا مع الرجل أمام البوابة، وقد تحلق الكل حولهما، تبادر إلى أذهاننا جميعا ان الرجل ريس طبل، يصحب غوازي من سنباط، واننا سنشاهد رقصا، وسنسمع الغازية تغني كالعادة : يارياض أفندي يا أبهة .. ياكايد الناس كلها ..
أخفيت الرغيف وراء ظهري، وأقسمت ألا أعطيه للرجل إلا إذا غنت الغازية ياصلاح أفندي يا أبهة … ياكايد الناس كلها ـ لكن الرجل كان ريساً بلا طبل شحاتا دون غازية وكان خالي غاضبا بصورة لم أره عليها من قبل، غطي صوته الجهوري الغاضب على ردود الرجل، فلم أفهم منها إلا أنه من بلد اسمها فلسطين، وأنه غادر بلده ليسيح في بلاد الله وعلى أبواب خلقه، هربا أمام اليهود الذين قتلوا أهله، فلم يبق سواه .
ولا أدري لماذا أغضبت كلمات الرجل خالي، فعاد يصرخ في وجهه بكلمات لم أفهمها لتدافعها، لكنه ختمها، بأن جال ببصره في الفناء، والتقط أول ما صادفه، وكان سيرا من الصاج الذي تحزم به البراميل، وانهال به على الرجل العجوز بضربه بقسوة وغضب وهو يصيح : سبت أرضك ليه يا ابن الكلب ؟!
وتوالت الضربات، تدهور الرجل .. انفرطت مخلاته ففرشت محتوياتها الطريق : كسر من الخبز وحزم من الفجل وفحل بصل وقطعة جبن قديمة ومسامير وقطع كاوتشوك وشراب ممزق وشملة متسخة، وكل ما يمكن أن يجمعه سائح بين بلاد الله، يقف على أبواب خلقه، وأغلق خالي البوابة وواصل الصياح فينا مهدداً بأن قطع رقبة كل من يعطي الرجل ـ أو أمثاله ـ شيئا حتى لو كان شربة ماء .. ثم اندفع ـ رداً على احتجاج والدتي ـ يتحدث عن مبررات ما فعل، حديثا لم أفهم منه شيئا فقد تعكر كل شيء: باخ حماسنا للعب، ولم يعد يهمني أن ألقب بالأفندي أو الأبهة، وكان خالي يواصل دفاعه عما فعل، حين تسللت إلى مشنة الصدقة، فأخذت رغيفين آخرين، وتسحبت من باب المنزل الخلفي حتى لا يراني، وأدركت الرجل في نهاية الشارع، وكان يسير ببطء مستندا إلى عكاز عجوز مثله، فأعطيته الأرغفة، فوضعها بيده المرتعشة المكرمشة، في مخلاته، وعاد يتحسس بكفه مكان الضربات على ظهره، وقال بصوته الواهن .. الله يربحك ! خطوط على القلب
في خريف تلك السنة 1948، غادرت قريتي إلى القاهرة، فأكلت ـ لأول مرة ـ الحلاوة الطحينية بالعيش الفينو، و”سندويتشات” الطعمية، وشاهدت فريد الأطرش ولوريل وهاردي على شاشة السينما، وسمعت ـ لأول مرة أيضا ـ زمارات الإنذار وأصوات المدافع المضادة للطائرات التي كانت تتساقط على سطح عمارتنا، وكنت أقلب الشظايا بين كفي، وأسأل نفسي أحيانا .
ـ هل واحدة منها هي التي قتلت زوج حمدية ؟! .
ولم يكن زوج حمدية طيارا، بل نجارا، وكنت أعتبرها أيامها أجمل نساء العالم، فقد كانت أول من رأيت عن قرب من ” نسوان ” مصر، حين قدمت في الصيف لالتحق بالمدرسة الإبتدائية، ولأنها كانت صغرى بنات السيدة التي تعمل في منزلنا، فقد شهدت ليلة زفافها : رأيت وجهها في النور الساطع، وكان فرحا ومتلالئا ببهجة كالنشوة، وحين عدت في الخريف، كان النجار الذي تزوجته قد أصبح جنديا، وكان الجندي قد أصبح شهيدا، وكانت حمدية حاملا في شهر الرابع .. وكانت ترتدي السواد، وقالت أمها وهي تبكي : قتلوه اليهود في فلسطين ! .
ومضت السنوات تحفر كل يوم على القلب خطاً من هم، وتقطيبة، حزن، لكنها لم تخل من الضحكات أزدحمت المكتبة بكتب عن فلسطين وصور من حياة اللاجئين، ويوم شغفت بأن أتخيل كيف يعيشون بالضبط، فظللت أسأل وأقول حتى بنيت في رأسي ماكيت شبه حقيقي لمعسكر اللاجئين . وأزدهم العمر بفلسطينيين من كل لون وعمر، قابلتهم في المقاهي وبيوت الأصدقاء والندوات في القاهرة وفي بغداد وفي دمشق وفي الجزائر، وبيروت، وفي معتقل طره .
وحين قابلت ” مازن أبو غزالة ” في شقة عبد الرحمن الأبنودي في نهاية عام 1967، أمضينا الليل نعبث في جرح النكسة، وكان طريدا ولا يزال، وتأملت شبابه الفتي بإعجاب مشوب بالحسرة، تداخلت ملامحه الوسيمة بمشاهد من وجه حمدية ليلة زفافها، وفكرت : هل يطعن في السن يوما فتقترب ملامحه من ملامح ذلك الرجل الذي وقف يوما على بوابة منزلنا في القرية يطلب كسرة خبر ؟. وأين ذهبت حمدية في زحام الدنيا ؟ وهل خلعت السواد، وماذا يفعل ابنها اليتيم الذي حملته بين ذراعي وهو رضيع وهتسكته . وفحصت وجهه باحثا عن الفرق بين ملامح اليتيم وملامح غيره من الناس، وكان الليل قد تقدم، وكنا قد أشبعنا النص الفلسطيني، الذي يسكننا تشريحا وتفسيرا وتحليلا، ولم يكن الفجر قد أشرق بعد، حين استأذن مازن أبو غزالة لينصرف، أغلق الباب خلفه، وأرهفت سمعى مرتعبا، خشيت أن يعود، فيطرق الباب ليقول : ـ كسرة خبز الله يربحك ؟
لكنه لم يعد، بعد شهور، سمعت أخر أنبائه في أخر نشرات الأخبار التي نقلها عن الإذاعة المصرية ـ ذات ليلة من ربيع العام 1968 ـ ميكروفون عنبر 4 سجن ملحق مزرعة طره ـ في نابلس، تحزم مازن أبو غزالة بالديناميت، لفه على وسطه، وضع المفجر بين أصابعه تقدم تجاه قول من ” آليات ” العدو ضغط بأصابعه على المفجر، لم يتدعور على الأرض، لم تنفرط مخلاته، طارت في السماء أشلاؤه، لم يقل خالي رياض : سبت أرضك ليه ؟ كان مازن قد دفن نفسه في أرضه عنوة ! هوامش على النص
أضفت قصة مازن أبو غزالة إلى النص الفلسطيني أمضيت وجيلي نصف أعمارنا نحفظه، وكان نصا مطولا يزدحم ببشر وخرائط ووبخطب وكتب وذكريات، نحن حفظنا النص ورددناه، في العام 1949 اصدرت الجامعة العربية توصية بألا تصف أجهزة الاعلام العربية إسرائيل إلا بعبارة إسرائيل المزعومة ففعلنا، نحن صفقنا حتى فط الدم من أكفنا لزعماء خطبوا فأقسموا ألا يستريح لهم مضاجع إلا وقد تحررت الأرض السليبة نحن غنينا مع المغنين ” يامجاهد في سبيل الله .. دا اليوم اللي بتتمناه ” و” دع سمائي فسمائي محرقة .. وأترك الأرض فأرضي مغرقة ” نحن أنشدنا ” راجعين بقوة السلاح .. راجعين نحرر الحمي .. راجعين كما رجع الصباح .. من بعد ليلة مظلمة ” نحن عشنا نتحدث بصوت خفيض كالهمس، ومع ذلك طرت شواربنا في المعتقلات والمنافي، لأن أصواتنا الخفيضة علت على صوت المعركة، اعترفنا بالذنب، تلونا قول الله عز وجل، ” أن أنكر الأصوات لصوت الحمير” لأنها على صوت المعركة تعلو، نحن من جيل التهمت الكتب والمقالات التي صدرت عن فلسطين في حياته 90% من أحبار المطابع والمستورد من الورق، فالتهمت بالتالي كل قدرتنا على الإبصار وطاقتنا على الحفظ، وسئمت جماجم الذين ماتوا في سبيلها جبالا أعلى من المقطم والجولان وطوروس، ذلك كله أضيف للنص المغمور بالدم والإشلاء، والأناشيد والأشعار وقليل من الضحكات، لذلك لم يعد جيلنا بشرا، خلت أجسادنا من الأعضاء وحتى الجلد بالنص الفلسطيني ! الخروج من طرف واحد
ومرت في النهر مياه كثيرة، غمرت النص لكنها لم تغرقه، وحين خرجت ذات صباح من منزلي دون أن أغسل وجهي جابهتني سيارات حشدوها بالبشر لتستقبل السادات العائد من القدس المحتلة، كانوا قد وضعوا في أيديهم أغصان الزيتون، تذكرت حزمة الفجل التي انفرطت ذات يوم من مخلاة اللاجئ الفلسطيني، .. ودهشت لأن قانونا كان قد صدر في اليوم نفسه بتغليظ العقوبة على الممثلين الذين يخرجون عن النص .. وقال لي محام صديق : إن القانون لا يطبق عادة على كبار الممثلين بل على الكومبارس .
وفي الأسبوع الأخير من يناير 1981، كنت واحدا من صف طويل ينتمي بعضه لجيلنا، وينتمي أخرون لجيل الآباء ولجيل الأبناء، وقفوا جميعا أمام الجناح الصهيوني في معرض القاهرة الدولي الثالث عشر للكتاب، يوزعون بيانا يدعو لمقاطعته ويلفون أعناقهم بتلك الشملة المرقشة، التي عرفت فيما بعد أنها لباس الرأس الفلسطيني، ويعلقون على صدورهم علم فلسطين .
وفي اليوم التالي كنت وحلمي شعراوي في نيابة أمن الدولة، وقعنا في يد الصائدين، وانتشر الأخرون في بقية أنحاء المعرض يوزعون البيان، وحين دخلت إلى مكتب الأستاذ عاصم عبد الحميد رئيس النيابة، كنت أظن أن أقصى ما يمكن أن يوجهه لي من تهم هي التهمة التقليدية : الإثارة والبلبلة والتشكيك والتحريض، وبعد أن شربت القهوة، خطر لي فجأة أن أسأله عن التوصيف القانوني للتهمة التي سيوجهها إلى .. فقال بحرج : المادة 102 من قانون العقوبات :؟! ظلت نظرتي المستفهمة معلقة . وأخرجت محاميتي أميرة بهي الدين، قانون العقوبات من حقيبتها، وقرأت بصوت عالٍ : ـ يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة كل من يقوم بعمل عدائي ضد دولة أجنبية، يكون من شأنه قطع العلاقات الدبلوماسية معها ” ..
لم تعد إسرائيل مزعومة، ولم يعد العمل العدائي ضدها شرفا، لذلك يستحق زوج حمدية الموت، ويستحق مازن أبو غزالة، لقب الخارج على القانون، ويستحق كل الشهداء، ما حاق بهم، فتلك هي العقوبة الوارد ة في قانون العقوبات، والعدل ـ كما قال نجيب سرور ـ يلبس طرابيش أو يلبس طاقية الحاخامية، ولأنني لم أكن شجاعا كخالي رياض، ولأن عاصم عبد الحميد بدا لي ضحية مثلي، لمن خرجوا عن النص، فقد انفجرت غاضبا في الهواء، واندفعت أغادر الحجرة وأنا العن وأسب وخلفي أميرة بهي الدين، تذكرني بصوت كظيم .. إنني متهم ومقبوض علي .
فمتى يعاقب الذين خرجوا عن النص ؟! .
صلاح عيسى
صلاح عيسى .. بهجة الأمل في الزنازين
أحمد الخميسي
يعرف الجميع صلاح عيسى الكاتب الصحفي البارز، يعرفونه مؤرخًا نادر المثال استطاع أن يحول أحداث التاريخ إلى قصص قريبة للقلب والعقل، وقادرًا على تقديم التاريخ في دراسات عميقة لا تتكرر، يعرفونه يساريًا عنيدًا منفتحًا على كل التيارات، يعرفونه عاشقًا لمصر وترابها وبواباتها وحقولها، أما أنا فقد عرفت صلاح إلى جانب كل ذلك داخل معتقل طرة عام 1968 شخصية صلبة منَّاحة أمل تحطم جدران الزنزانة بالخيال والفن والحب.
تعود علاقتي بصلاح إلى عام 1961 حين كان ينهي دراسته في معهد الخدمة الاجتماعية مع ابن عمي، ولما كان منزلنا في شارع نوبار أقرب مكان إلى المعهد فقد اعتاد صلاح ومعه طلاب آخرون أن يستريحوا في منزلنا قبل أو بعد انتهاء المحاضرات. في تلك السنوات لفت صلاح نظري، والأدق أن أقول إنه لفت شعوري إلى شخصه بضحكاته المجلجلة والطيبة التي تشبعت بها حروف كلماته الممطوطة التي لازمته من قريته بشلا بميت غمر. في تلك السنوات كنت أحاول الكتابة، ومعي أخي جمال الغيطاني، فكنا نتردد على منزل صلاح القريب في السيدة زينب. هناك للمرة الأولى رأيت صورا لمصطفى النحاس، وسعد زغلول، وعبدالله النديم، معلقة على جدران صالة شقة صلاح الذي لفت نظرنا إلى تاريخ مصر، وكانت المقررات التعليمية حينذاك تتجاهل ثورة 19 وثوارها، ثم لفت صلاح نظرنا إلى الجبرتي وابن إياس، وكان حينذاك يكتب القصة القصيرة فكنا نجلس طويلا نقرأ ما نكتب. وتطورت علاقتي بصلاح فكان أول من نشر لي قصة في مجلة “الحرية” اللبنانية التي كان مراسلا لها، كما نشر لجمال الغيطاني ويحيي الطاهر وغيرهما.
وفي فبراير 1968 اندلعت مظاهرات العمال في حلوان احتجاجًا على صدور أحكام متهاونة مع قادة الطيران الذين اعتبرهم الجميع مسئولين عن النكسة، وخرج الطلاب في أعقاب العمال يؤيدون مطالب العمال وتغليظ الأحكام على قادة الطيران، وسرعان ما اعتقلونا، وكان صلاح قد اعتقل قبل ذلك عام 1966 لنصف عام مع ابراهيم فتحي والأبنودي ويساريين آخرين. أما أنا فكانت المرة الأولى لي. في البداية أرسلونا إلى القلعة وكان كل منا في زنزانة انفرادية لنحو أربعة أشهر، ممنوعًا من الاتصال بغيره، لكني من زنزانتي كنت أسمع صوت صلاح حين يخرجونه إلى دورة المياه، ضاحكًا قويًا وهو يتعمد أن يرسل في الهواء للآخرين وراء أبواب الزنازين كلمات التشجيع غير المباشرة مثل “أكثر من هذا ويزيح ربنا”، ثم نقلونا ذات يوم إلى معتقل طرة، أنا وصلاح واثنين آخرين، ووضعونا في زنزانة وحدنا. وفي الصباح اكتشفنا أننا اليساريون الوحيدون في كل المعتقل داخل بحر من المعتقلين من الإخوان المسلمين ومع عنبر من اليهود المصريين الذين خشت السلطة من تعاملهم مع إسرائيل. كان وضعنا غريبا، فلا أحد سوانا من اليساريين في خضم ذلك البحر العجيب من المعتقلين. وكان علينا أن نواجه حقيقة أننا أربعة أفراد محبوسون معا في زنزانة لا تزيد مساحتها عن مترين في ثلاثة أمتار، وليس لنا إلا نصف ساعة يوميا تمشية على الرمال في حوش المعتقل.
كان علينا أن نواجه فكرة السجن، والعزل، وتمزيق معنى الحياة حين تهدر معناها كل يوم بلا معنى. لم تكن لدينا سوى الذكريات، لم يكن بوسعنا أن نفتح جدارا للهروب إلى الخارج، فرحنا نفتح جدارا للهروب إلى الماضي. وكان صلاح بيننا أشدنا وعيا بكل ذلك، وكانت له تجربة سابقة، ولم تكن لي مثل هذه التجربة. وبعد أن اعتدنا المكان شرع صلاح يغرس الأمل، ويبعث روح المقاومة، ويقترح أن يكتب كل منا شيئا حتى لو في ذهنه، من دون ورق، ثم يقرأه ، ونناقشه، ثم اقترح أن نحكي لبعضنا البعض مواضيع أفلام جميلة شاهدناها. وفجأة أخذت الجدران تتلاشى من حولنا تحت ضربات صوت صلاح عيسى، وتماسكه، وقوته، واتسع المكان ورفرفت فيه أحلام كثيرة بعالم آخر. كانت لدي صلاح تلك القدرة المدهشة على غرس الأمل والقوة من دون ادعاء أو افتعال، وكانت لديه أيضا روح رفاقية حانية ومحبة لمن حوله. كان مدخنا شرها، وكنت أنا أيضا، لكننا قهر أنوفنا، اكتفينا بأربع سجائر لكل منا يوميا، وكان صلاح يضحك ويقول: ” أربعة سجائر دي نعمة كبيرة قوي”، ثم يعكف على كل سيجارة فيقسمها إلى ثلاث قطع، ويضع القطعة الصغيرة في مبسم، ويقول : ” أكثر من هذا ويزيح ربك”. وفي المعتقل – كما ذكر صلاح في تباريح جريح – قطعنا قسما من الليل وأن أغني لصلاح والآخرين بعض أغنيات الشيخ إمام، وكان صلاح يسمعها لأول مرة، وقد كتب عن ذلك في كتابه ” تباريح جريح” فقال : ” أما الذي حدث في تلك الليلة التي أسمعنى فيها أحمد الخميسي من أحمد نجم والشيخ إمام، وكنا في سجن طرة، فليس مما يسهل وصفه، أمواج من الماء الدافيء غسلت روحي، أزهر النوار بين حطام الآمال المحترقة، مازالت الحياة جميلة تستحق أن تعاش”. هذا ما كتبه صلاح، أما رد فعله ليلتها فكان التأكيد على أن الشعب المصري لم يكف عن المقاومة قط على امتداد تاريخه، وأن أبواب الأمل مفتوحة وأن الحياة جميلة. كانت كل حادثة صغيرة مناسبة يبعث فيها صلاح عيسى الأمل والقوة والتماسك في نفوس الجميع، وكان ذلك التفاؤل جزءا من قراءته العميقة لحركة التاريخ التي لا تكف عن التقدم إلى الأمام، وجزءا من ايمانه بقدرة البشر على الوقوف في وجه المظالم والجدران والبطش. وحل يوم ازداد فيه عدد اليساريين في المعتقل وانتقلنا من الزنزانة إلى عنبر فسيح اتسع لنحو ثلاثين معتقلا يساريا. وبعد فترة اقترح أحدهم أن نكتب بيانا تأييدا لاجراء قام به الحكم حينذاك، أواخر 1968، ورغم أن الإجراء كان ذا طبيعة تقدمية إلا أن صلاح عيسى وقلة معه كنت من بينها، رفض تماما أن يكتب أو يوقع على بيان التأييد، وقال للرفاق: “لو أنني حر غير مقيد لكتبت التأييد، لكن وأنا بين الجدران فإن البيان سيفهم على أنه استعطاف أو رجاء بالافراج عنا”. وأخذني صلاح في ناحية ونبهني أن ادارة المعتقل قد تفرقنا في سجون مختلفة أو تبطش بنا نتيجة ذلك الموقف. وبالفعل لم ينقض أسبوع إلا وكانت الادارة قد فرقتنا على مختلف المعتقلات لكي لا تقوم لنا قائمة ونحن مجتمعين ثلاثين معتقلا في طرة. لا أذكر إلي أين سجن ذهب صلاح، أذكر فقط أنه ودعني، وشد على يدي ضاحكا وقال :” صدقني كل شيء وله آخر، ومصيرنا نخرج من هنا ونقعد نشرب شاي على أحسن قهوة” ثم ربت على كتفي قائلا: ” خلي بالك من نفسك”. وبعد أيام وجدت نفسي في معتقل القناطر مع أحمد نجم الذي صاح في: أنت شرفت؟. وكنت أعرفه قبل السجن.
أذكر لصلاح عيسى رفعة النفس، والصلابة، والتماسك، والقدرة المذهلة على اشاعة الأمل والتماسك، والحرص على غرس روح المقاومة، وكان يقوم بكل ذلك ببساطة متناهية بعيدا عن أي تشنج أو افتعال. انقضى عامان على رحيلك في 25 ديسمبر 2017 ، لكنك باق في النفس والعقل والضمير، كما أنك باق في تاريخ الثقافة المصرية بكل ما قدمت وأبدعت، ومثلك لا يرحل عنا .. لكن يرحل إلينا دوما.
التعليقات متوقفه