قال الكاتب والمفكر ثروت الخرباوى، إن موضوع اشكالية تجديد التراث الديني ليست بجديدة فكانت دائمًا هناك نقاشات بين المستنيرين من النخبة المصرية، الذين تساءلوا عن تواري فلسفة ابن رشد التنويرية وانتشار فقه ابن تيمية التكفيرية، كما تساءلنا مرارة عن من هو الذي يجب ان يتخذ كإمام للتجديد واعمال العقل.
فاذا نظرنا الى نظرية القتل عند ابن تيمية فسنجد أن أي شخص عند ابن تيمية مقتول في كل شىء، وأي هفوة، ولكن من المفارقة أن ابن تيمية لم يقل ذلك وحده، ولكن الفقهاء الأربعة أجمعوا ايضًا على أن تارك الصلاة يقتل، بينما ذهب ابو حنيفة على ان تارك الصلاة يحبس حتى الموت، وهنا نحن نتكلم عن ثقافة من ثقافات ازمنة ماضية.جاء ذلك خلال الندوة السابعة عشرة من منتدى خالد محيي الدين السياسي الذي ينظمه حزب التجمع.
وأكد “الخرباوي” أن التراث هو مجموعة الافكار والافعال وفهم البعض للدين أو للقرآن في زمن سابق، ونحن نقول إن الله انزل الينا كتابًا وقال لنا اليوم اتممت لكم دينكم، واتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الاسلام دينًا، فذلك معناه أن الإسلام قد اكتمل في حياة الرسول، وقد طلب الله من المسلمين أن يتدبروا ويتفكروا ويتأملوا في كتابه بأنفسهم، ولم يقل ان هناك وسطاء، ولذلك من الوارد ان أشخاصا في أزمنة سابقة يفهمون ويأولون الدين حسب ثقافتهم الشخصية، وثقافة زمنهم ومنطقتهم الجغرافية ومجتمعاتهم، ولكن ذلك فهمهم هم وليس ملزم لأحد لأننا مطالبون بتأمل وتدبر القرأن بما يناسب عصرنا ومجتمعنا ودون وسطاء ونحن غير ملزمين بما قاله أحد سابقًا.
وتابع “الخرباوي” قائلًا: من هنا نستطيع أن نقول إن التراث هو إنتاج بشري، بينما الدين هو معطى إلهي، ولذلك ينبغي أن نجرد الاوائل من التقديس، لأن في حال تقديسهم، سيصبح كل ما قالوه وفعلوه دين في حد ذاته، بل وسيصبحون شركاء لله في الدين، ولذلك انا اقول ان الاسلام لا يمثله أحد، لا جامع ولا جامعة ولا مؤسسة، ومن يقول ذلك عن نفسه فهو مخطئ، فمن مثل الإسلام هو رسول الإسلام محمد فقط، واتت الاشكالية في الاساس اننا عبر عصور عديدة نصبنا امام اعيننا ممثلين للإسلام، ثم قدسنا الفترة الزمنية التي كانوا فيها، وبهذا المنطق أطلقنا على الفترات التي تلت على وفاة الرسول إنها خلافة إسلامية فنسبنا الخلافة إلى الإسلام، ثم اسمينا التاريخ ما بعد الرسول التاريخ الإسلامي، وهو في الحقيقة تاريخ للمسلمين الذين عاشوا في هذه الفترات، ولا توجد حضارة اسلامية، فهي حضارة المسلمين الذين عاشوا في هذه الفترات، كما قلنا ايضًا على الغزوات التي ذهب فيها جيش المسلمين إلى بلاد الأمم الأخرى فتوحات، مع أنها امور سياسية وضرورات حكم ولا يمكن ان نقول انها من الدين.
ولذلك ارى ان عنوان الندوة يقول التراث والتجديد، وانا ارى انه لا يجب التجديد، وانما التغيير الكامل، لأن طالما ان هناك من كان له الحق أن ينتج معرفة وتأويلات خاصة بزمانهم، فنحن مطالبين أن نجتهد ونفكر وننتج معرفة جديدة، ونحن منذ قرون لم ننتج معرفة حديثة، بل ناقلون لمعارف سابقة لناس نقدسها دون وجه حق، ونحن لم ننتج أي معرفة ونعيش عالة على الإنسانية، ونعيش في انتحار حضاري كما قال الدكتور الفيلسوف زكي نجيب محمود.
من جانبها قالت الدكتورة نوران الجزيري، استاذة الفلسفة الإسلامية، وعلم الكلام بجامعة الازهر، انه قبل التحدث عن التراث وتجديده، يجب أن نجيب على سؤال، لماذا نبحث في التراث من الأساس، وتعريف التراث انه أمور فكر فيها وفعلها سابقون وتجاوزها الزمن، ونحن لا نريد ان نعرف بذلك لذلك نعيش حالة اخفاق فكري ومعرفي بل واخلاقي، مما ادى الى ازمة وجودية، والتراث حتى لغويًا يعني الارث، ومشكلتنا الآن مع هذا الموروث من الفكر الديني، أو قراءة الأقدمين للنص الإسلامي، ومثلما قال أحدهم في القرن الرابع الآن أغلق باب الاجتهاد ولا نعرف لماذا ذلك حتى الان، فاذا كان هناك بشر لهم الحق في تأويل النص الديني حسب رؤيتهم، فلماذا يمنع هذا الحق عن المعاصرين، وهو أمر بديهي، ولكن نجدنا نضطر أن نناقش البديهيات، بل ونجد من يحاربنا في ضرورة عدم النقاش، وللإجابة على لماذا أخفقنا في التجديد، نستطيع ان نقول ان الارهاب الفكري كان له دور كبير فأي محاولة للاقتراب من التراث تهاجم بسيل من الإرهاب الفكري والذي احيانا يصل الى العنف الجسدي، وارى ان احد المكاسب بعد الثورة أنه أصبح هناك مجال أوسع للنقاش والتصدي لتيارات متطرفة وإرساء افكار جديدة، مثلما فعل محمد عبده في مشروعه، الذي جاء في منتصف الحقبة الليبرالية، والتي امتدت حتى القرن العشرين.
وتابعت “الجزيري” أن فكر محمد عبده يعتبر إحدى مقدمات ثورة 19، ولم يأت مفكر إسلامي بعد محمد عبده إلا وتأثر بأفكاره ومن ضمنهم الشيخ على عبد الرازق الذي كان تلميذ لمحمد عبده وتعلم منه كثير، وأظهر ذلك في كتابه الإسلام وأصول الحكم، وإذا ألقينا الضوء على منهجية محمد عبده، سنعرف سبب عدم توفيقه في مشروعه المستنير لتجديد الفكر الديني، فهو انفتح على الغرب، كما انفتح رفاعة الطهطاوي الذي رأي أنه ليس هناك أي تناقض بين معايير الفكر الغربي والإسلام، ومحمد عبده كان له 3 آليات تحكم مشروعه وهي إلقاء الضوء على تأخر المسلمين عندما ابتعدوا عن الينابيع الاصلية الاولى للاسلام، والآلية الثانية هي تقدم الغرب عبر تخلصه من مفاهيم القرون الوسطى للمسيحية ووضع طرحًا جديدًا للقيم المسيحية، والتي تقترب من روح الإسلام كما قال، والآلية الثالثة كانت تمرير تقبل فكرة الحداثة ليس فقط عند النخب ولكن بين عامة الناس.
وأضافت “الجزيري”، ان محمد عبده له آراء كثيرة في مجال الإصلاح الديني، وفتاوى تقدمية في إطار عصره، ولكنه كان دائمًا في إطار، ولكن بحكم منصبه كمفتي للديار المصرية وعضو هيئة علماء الأزهر كان دائما ما يحاول أن يعطي غطاء دينيا لكل اطروحاته، وذلك كان سلاح ذو حدين فكما كان مطلوبًا لتمرير أفكاره التقدمية، إلا أنه كان ايضًا سبب اخفاق مشروعه، لأن محاولته المستحيلة لتخريج خطاب حداثي كامل من داخل منظومة الفكر الديني نفسها كان صعبا، بل ولا اعتقد ان ذلك ممكن ان ينجح حتى الآن، ويظل العبء الأكبر في مشروع التحديث يقع على عاتق المفكرين العمليين، ومن الضروري أن يعمل الجانبان بالتوازي بين رجال الدين المستنيرين والمفكرين، ويجب على الأزهر الا يكون عائقا امام هذا، والا يكون هناك خطاب ازهري متناقض مثلما رأينا شيخ الازهر يمجد في الغزو قائلًا “هذا التراث هو الذي نقب قبائل متناحرة ليصلوا قدمًا في الأندلس وقدما في الصين، بينما مقررات الأزهر في نهاية مؤتمر تجديد الفكر الديني جاءت رافضة لفقه جهاد الطلب واعترفت فقط بجهاد الدفع، أي جهاد الدفاع عن النفس ولا وجود في الاسلام للغزوات، او كما اسموها الفتوحات.
وقالت “الجزيري” إن الإمام محمد عبده، كان له منهج قوي ولكنه لم يستمر فيه، وهو أنه طرح فكرة أن المسلمين تخلفوا حين تركوا الحداثة، ثم بات يدافع عن تاريخ المسلمين في حواراته مع الفيلسوفيين الفرنسيين ريناد، وهانوتو، وقال إن أوضاع المسلمين ليست حجة عليهم وهو الامر المتناقض، ولم يتنبه الى أنه وهو لا يدري صاغ هذه الالية، ان التاريخ السياسي للمسلمين ليس الاسلام، ولا ملزم لأحد باتباعه، وخصوصًا ان هذا التاريخ الاسلامي ملىء بالتناقضات الحادة، فالذين اقتتلوا مع بعض نحن نرمي بهم جميعهم في حالة المقدس مما خلق حالة فصام شديد في وجدان المسلمين، فنحن علينا أن نقدس من قتلوا بعضهم البعض، ولكننا لا نستطيع ان ننكر ان الامام محمد عبده، كان وراء كتب قاسم أمين لتحرير المرأة، وكتاب الإسلام وأصول الحكم لعلي عبد الرازق، وكان له فتاوى تقدمية وصلت الى تحريم تعدد الزوجات إلا بإذن القاضي وكان له موقف من الفن رائع ومن المرأة، وكان له اسهامات تقدمية يجب إلقاء الضوء عليها بشكل أكبر.

التعليقات متوقفه