في مصر، لم يكن الحراك الجماهيري يستهدف في حد ذاته، المشهد الذي كان عليه مع نهاية اليوم ٢٥ يناير عام ٢٠١١.كل ما كان في جعبة الحالة المصرية، لم يكن ليتجاوز تكرار مشهد من مشاهد التظاهرات التي عجت بها مصر، في السنوات الثلاث الأخيرة.
الأمر الذي وصل إلى شبه العادة .. تتكرر كثيراً .. وبات بحسبة رياضية بسيطة، بقسمة عدد الاحتجاجات والمظاهرات في العام على عدد أيام السنة .. وإن كانت كبيسة، فيخرج الناتج تظاهرة كل يوم..لكن هذا لم يكن نتاج تحضيرات وطنية تنبيء عن ثمة استعدادات ليوم فصل.بالعكس فقد كانت معظم المظاهرات في العاصمة، يفعلها ويتفاعل معها أشخاص بذواتهم، بأسمائهم التي لاتزيد عن الثلاثين أو أكثر قليلا.
يتنادون للتظاهر في وسط القاهرة، وتحديداً على سلم نقابة الصحفيين في أغلبية التنادي بينهم،.يهتفون ضد النظام، ولا يهتفون صراحة ضد مبارك إلا نادراً .. وبتقريب الكاميرا من المشهد المتكرر الشخوص والهتافات والأمكنة، رغم تغير مناسبات اللقاء، لتلك الأداءات النضالية والمحسوبة بجدية، لاتخرج عن الأنساق النضالية للمثقفين .. والمجهدين من النضال على جانب .. والطامحين في شيء ما لدى الحكم .. ويناضلون ويتوقف نضالهم أو يخفت .. بل وجوداً وعدماً بارتباط العامل المؤثر.
شخوصهم بذلوا جهوداً مضنية في تأليف تكوينات خارج الأحزاب السياسية .. وهم ثلة من الهاربين من التنظيمات السياسية الحزبية ٱملين .. كانوا .. في إلتفاف جماهيري حولهم، ماداموا خارج الأطر التنظيمية الحزبية، التي تعتمد قاعدة موضوعية في نضالها، ترتكن إلى أن المعارضة جزءٌ من النظام.
ولم تتجيش حولهم الجماهير، ولم يزد عددهم خلال السنوات الأخيرة، سوى بعدد الأفراد الخارجين على عباءة الأحزاب السياسية .. ولا يتعدى تعدادهم ما ذكرت.وكل ما كان مقرراً أن تكون مظاهرة مثل مثيلاتها سابقاً .. وأنها بهدف إعلان غضبة من سلوك بعض ضباط الشرطة في مصر..لكن قدرات هائلة، وتجييش مرعب، وإنفاق بذخ، (حرض) الجماهير ونظمها، ورتب لها أماكن الخروج، وصاغ الهتافات، وألف ألوية تقود.كل هذا كان يستهدف ميدان التحرير في العاصمة.
لم تكن النخبة والمتظاهرون في السنوات الأخيرة، ولا حتى في ذات اليوم، على سلم نقابة الصحفيين في مصر، في استطاعتهم ولا في جاهزيتهم التعامل مع ما حدث .. لا هم قادرون على الحشد، ولا هم يملكون أوعية فكرية تستوعب الحشود فتديرها وتتولى قيادتها، ولم يكن في مخيلتهم ما حدث، فكان الحدث كالصاعقة، أفقدهم جميعاً توازن التفكير والإرادة.
ولم يظهروا إلا فرادى، بعد ذلك بعدة أيام في الميدان، على منصات تم نصبها والسيطرة عليها، وظهرت القوة القاهرة الخفية تدير وتوجه وتنفق دون حساب.
و بتوالي الأحداث، بدأت الأقاليم ترسل شبابها إلى مولد ومهرجان السيد التحرير، بفعل قناة الجزيرة تحديداً.وارتفع الهتاف المدمر:الشعب يريد اسقاط النظام.وكان قد ارتفع في تونس قبل مصر.
وبالقطع ونظامنا الجمهوري بعد إنهاء النظام الملكي في بدايات الثورة الناصرية في الخمسينيات من القرن الماضي .. بالقطع لم يكن هناك مصري واحد يرغب في إسقاط النظام الجمهوري.وتم الخلط بين الدولة ونظامها السياسي .. وبين الرئيس الحاكم .. و بعمدية بغيضة تستهدف إسقاط مصر.
وبالتالي اختفت شخوص المتظاهرين طوال العقد الأخير قبل يناير، لا دور لهم، وتحولت المطالب من اقتصادية واجتماعية، إلى الشعب يريد اسقاط النظام.
وتنبه الحاكم للكارثة التي تطالب بها الجماهير .. وأنفقت السفارة الأمريكية في الأيام الثمانية عشر ٤٠ مليون دولار على إنجاز البقاء والحشد الجماهيري، وأنفقت الرأسمالية الطفيلية المشوهة على الأقاليم لاستمرار تدفقات الجماهير .. من المعيشة وناقلات الجماهير والصوتيات والإضاءة والقادة الميدانيين الكثر، وانحرفت البوصلة من مطالب اقتصادية واجتماعية، إلى ما أنتج تخلي مبارك عن الحكم، وانفتحت مصر على السيناريوهات التالية.
ونستكمل معاً في المقال القادم.

التعليقات متوقفه