محمود إسماعيل: المتاحف تحتاج لحملة توعية لربط الطفل بهوية وثقافة وتراث بلد
مصر لو لم تكن بلد الألف مئذنة لصارت بلد الألف متحف، فهي تتميز بكثرة وتنوع متاحفها، فهناك المتاحف الأثرية والقبطية والإسلامية والحربية والعسكرية، والصناعية والزراعية ومتاحف الشخصيات العامة والقادة والمشاهير والفنانين.
ويرجع هذا التعدد إلي ثراء مصر بما تملك من تاريخ عريق وثقافات متنوعة، ولكن المشكلة تنحصر في عدم تبني ثقافة زيارة المتاحف التي تضم أعظم وأرفع مستويات الإرث الإنساني. فنحن ينقصنا الوعي بأهمية دور ثقافة زيارة هذه المتاحف في تنمية الهوية الوطنية لدي النشء، فعلي عاتق من تقع هذه المسئولية؟
أكد المؤرخ الكبير دكتور عاصم الدسوقي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر وعميد كلية الآداب جامعة حلوان الأسبق علي أهمية ثقافة زيارة المتاحف بالنسبة للنشء بشرط أن يصاحب الزيارة شرح واف وليس مجرد زيارة سريعة وعابرة لمشاهدة محتويات المتحف من صور وتماثيل وخلافه، أو أن تتكامل هذه الزيارات مع العملية التعليمية في صورة نشاط دراسي وفق الموضوعات والمناهج التعليمية فمثلا بالنسبة لمنهج التاريخ عند دراسة أحداث الثورة العرابية يوصي للطالب نشاط علي هامش الدرس يتعلق بزيارة المتحف الذي يوجد به كل ما يخص مع شرح أعماله المرتبطة بالدرس، أو عمل تنويه عن أماكن وأهمية متاحف الشخصيات، وتشجيع التلاميذ علي الزيارة ومشاهدة المقتنيات والاشياء المتعلقة بالشخصيات التي يقومون بدراستها.
وأضاف الدسوقي قائلاً: ويفضل أن يقوم الاباء أو أحد أفراد الأسرة بهذا الدور التحفيزي ولكن نظراً لتفاوت المستوي الثقافي بين الأسر فيراعي أن تقوم به المدرسة حيث أن هناك أسرا لا تعير هذا النوع من الثقافة أدني درجة من الاهتمام، إلا اذا كان أحد أفرادها قرأ وتعلم شيئا من هذا التاريخ في مدرسة فيصير لديه رغبة البحث في المتاحف ليتذكر أيام الدراسة ، أو شيء من هذا القبيل.
مصر القديمة
فثقافة زيارة المتاحف تُعد ركيزة في الخارج لتوجيه النشء وتشكيل هويته لذا نجدهم يضخمون قيمة الاشياء لأن حصيلتهم التراثية والتاريخية صغيرة، أنما في تاريخ مصر القديمة، كما قال دكتور أحمد فخري أحد الأثريين المهمين “إذا حفرنا علي عمق في أي مكان عاش فيه مصري سنجد أثرا” وهذا يؤكد إنه عاش في هذا المكان لأن الأثر لا ينتقل وأنما يُدفن، وهذا يفسر ما نسمعه أو نقرأه بين حين وآخر عن ضبط ناس قامت بالحفر وعثرت علي آثار، فهم لم يحفروا في منطقة أثرية بل حفروا في منطقة عادية ولكن واضح ان لديهم اعتقادا بأن أي مكان عاش فيه المصري القديم سيحفروا فيه سيجدوا به.
دور الأسرة
وفي سياق متصل أضاف دكتور جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس ومدير مركز بحوث الشرق الأوسط قائلاً تلعب مؤسسات التنشئة الاجتماعية بداية من الأسرة دور مهم في غرس قصص التراث والأجداد وأعمالهم وإنجازاتهم ويمكنها أن تؤكد علي ذلك بما هو موجود في المتاحف فمثلاً يمكن أن نقول للأطفال ان أحمس العظيم هو القائد الذي هزم الهكسوس و هو أيضاً الذي قام بتصميم العجلة الحربية واستخدمها في الحرب وساعدته في تحقيق النصر ومن ثم نأخذ الأطفال إلي المتحف لمشاهدة اثار أحمس وعجلته الحربية الموجودة بالمتحف سواء كان متحف المركبات أو المتحف القومي، هذا الدور يجب أن تلعبه الأسرة وأن كان دورا متواضعا نسبياً، ثم تتلقف المدرسة هذا الدور وتدمجه في المقررات الدراسية وتقوم بتنمية الهوية من خلال حب زيارة المتاحف، ومن خلال الرحلات الميدانية التي تخدم وتدعم المقررات إذا ما كان هناك درس في التربية الوطنية عن المواطنة وحب البلد والجهاد في مقابلة الغزاه وما إلي ذلك، ويستمر هذا الدور من قبل المؤسسات التعليمية حتي نهاية الدراسة بالجامعة التي يوجد بها أنشطة و رحلات ميدانية متعلقة بالتراث والآثار وما تركه الأجداد.
وسائل الإعلام
ويستطرد شقرة قائلاً: أيضاً لا يصح أن نغفل الدور المنوط بوسائل الإعلام في التوعية والدعاية والعمل بجد لتنمية الشغف بزيارة المتاحف والأثار و كذلك الترويج للسياحة وجذب السياح وذلك من خلال التنويه أهم وأشهر المزارات والإعلان عن القطع الأثرية التي تعود إلي الاف السنين، وذكر أماكن وجودها في المتحف القومي ونشر صورها، بهدف ترويج السياحة وتنمية المواطنة والانتماء للبلد وترسيخ حب أولادنا للمتاحف والآثار، بعد هذا الجهد الذي تبذله مؤسسات التنمية الاجتماعية المختلفة بالتأكيد سيتولد لدي الأطفال أنفسهم الرغبة الذاتية في الزيارة وعندما يصبحون أباء سيلعبون نفس الدور مع أطفالهم.
توعية
وفي نفس السياق أضاف دكتور محمود إسماعيل أستاذ الإعلام وثقافة الطفل بجامعة عين شمس وعضو لجنة مهرجان القاهرة الدولي لسينما الأطفال قائلاً: إن دور متاحف الزعماء والقادة في تنمية الهوية لدي النشء ليست ذات فعالية كبيرة، بسبب عدم ارتياد هذه المتاحف بالدرجة التي تجعل لها أثر واضح وكافي، وذلك يرجع إلي عدم الاهتمام الكافي بالمتاحف من قبل المؤسسات المعنية ولكن المتاحف بصفة عامة وبجميع أنواعها لها دور ودور كبير ولكن هذا الدور نلاحظه في دول أخري وليس عندنا علي ارض الواقع.
ومن هنا لابد من توعية الأسرة لأبنائها بأهمية المتاحف، كذلك لابد من عمل حملات توعية ودعاية من قبل وسائل الإعلام وتسلط الضوء علي أهمية زيارة المتاحف وقيمة ما بها من تراث ، وكذلك خلق الشغف لدي النشء من خلال إبراز جماليات ما تحتويه هذه المتاحف، وكيف أنها تشير إلي أسلوب حياة صاحب المتحف سواء كان شخصية تاريخية أو عالما أو فنانا مشهورا وتسليط الدور علي مقتنياته وماذا كانت تمثل له.
وأستطرد إسماعيل قائلاً: المتحف المصري الجديد أيضاً يحتاج لجهد كبير ودعاية تليق به كحدث ضخم في الداخل والخارج ولابد من تنظيم زيارات مدرسية له، فالمتاحف تحتاج إلي حملة توعية بأهميتها من جميع وسائل الأعلام و الإقبال عليها من المدارس وبذلك نستطيع أن نربط الطفل بهوية وثقافة وتراث بلده.
وأضاف إسماعيل قائلاً: ليس صحيح ما يتردد عن افتقار هذه المتاحف لعناصر الجذب فمن واقع خبرتي وتجربتي الشخصية، فعناصر الجذب والإبهار موجودة ويسهل التعرف عليها خاصة من قبل من لديهم فهم ووعي بالمقتنيات الموجودة، ولدي من يستطيع شرحها وتبسيطها بأسلوب جيد، فالحكي يعد من أبرز عناصر الجذب أساسا. فالأشياء الموجودة بالمتاحف ليست صماء وخاصة الموجودة في المتحف الجديد وأنا أتوقع ان يكون لهذا المتحف دورا كبيرا جدا في تنمية الهوية.
وفي الختام أكد إسماعيل ضرورة ربط المناهج بالمتاحف وخاصة في مادة الدراسات بشقيها وكذلك التربية الوطنية وغيرها من العلوم الدراسية وزيارة التلاميذ والطلاب لهذه المتاحف لتيسير الفهم عليهم ولا تقتصر الزيارات علي النواحي التاريخية والعلمية فقط بل تمتد إلي زيارة المتاحف الحربية والفنية ، فحالياً لا توجد اي مساهمة من قبل الأسرة ولا من قبل المدرسة وبعض المناهج تقدم بصورة مشوهة للطلاب وغير مشوقة تجعل الطالب يعزف عنها ويمل من سير العملية التعليمية.

التعليقات متوقفه