يحى ..قصة ..د. إيمان سند

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

108

” يحــــــــــيى”

د. إيمـــان ســـند

      يصل للمكان المقصود بعد عناء، إنه يخص عائلته منذ زمن بعيد، كيف تاهت قدماه عنه …! ربما لأنه المكان الذى لايرغب أحدٌ فى الذهاب إليه إلا مضطرًا.. يتسع الطريق كلما توغل فيه رغم سيره بطريقة زجزاجية -مفيدة أحيانًا تلك العربات الصغيرة حينما تُوكل إليها مهمة كتلك-.. يرى من بعيد سوادًا متقطعًا، وآخر متصًلا؛ ورؤوسًا كثيرة تتصدر المشهد لايستطيع فك طلاسمها..

   المكان يفرض عليك الخشوع، بينما حركة الجموع دائمًا ماتجذب “يحيى”، وبالأدق مايصدر عن حركتهم من أصوات، أصوات متداخلة يفك شفراتها بسهولة؛ أما من يعزف منهم عزفًا منفردًا فيسهل عليه التقاطه، ويقدر أدائه .. طبيعي أن يكون عدد النساء أكثر، يلمح منهن بعض الوجوه المألوفة لديه؛ هذه زميلتها لا يتذكر الآلة التى تعزف عليها، ولكنها كثيراً مارافقتهم فى سنوات زواجهما الأولى، كانت تغار منها، بل كانت تغار من أى طيف يعبر جانبه ..

  • “يحيى” أنت لي أنا فقط .. هل تسمعني جيداً ..

وكان رد “يحيى” مختلفًا فى كل مرة ، يتباين بين الموافقة، والمهادنة، يتلاعب بين الاستنكار، والإيحاء، ولكن أقسى رد له على الإطلاق، كان زواجه بأخرى، حينها برهن لها بالدليل أنه يرفض أن يكون لها هى فقط، وأنه كما كل الرجال منذ الأزل (متعدد) .. وبقدر ماكان فعله مفاجئاً، كان تصرفها أكثر مفاجأة حيث صممت على الرحيل، وهى تعرف أنها لن تعشق سواه ما حيتْ ..

      أصر أن يكون مكانها النهائي هنا وسط عائلته ، فهي كل عائلته، مالهم يعترضون، ولا يفهمون .. كيف يهملون كلماته، ويصدقون أوراق تافهة، صماء، لاتخبر شيئًا..! هل حدثتهم الأوراق متى إلتقاها ..؟ هل أخبرتهم ماذا يعنى لها، وتعنى له ..؟  لقد إلتقاها حين كان يبحث عن نفسه، وامتلأ وعيه بها قبل أن يعي ذاته ..

      فى مكان غير بعيد عن هنا كانا يلتقيان، تتبادل نظراتهما القُبل، تعبر الوجوه فى الطريق لتلتقي بالوجه الوحيد الأثير لديها .. كان “يحيى” ينتظرها فى تلك الليالي المقمرة والتى لاترصعها النجوم، تسير ببطء تحت ثقل آلتها الموسيقية، بينما يقفز هو خاليًا إلا من شوقه إليها، فى كل مرة يعتب عليها اختيار أكبر الآلات الوترية لتئن بحملها..؟ فتكون إجاباتها المشاكسة:

  • أعرف أن هناك بالتأكيد من سيحملها عنى ..

يدير ظهره، ويمضى متصنعًا الغيرة، تلاحقه بخطواتها خوفًا من ضياعه منها ..

   كانت فى السابعة عشر، وهو فى الثامنة عشر حين قررا أن يتزوجا، كلما فاتحا الأهل، الأصدقاء أو حتى المعارف بأمرهما يأخذون الموضوع بمحمل الهزل، ماعدا أمه حين رأت الحب فى عينيه وافقتْ على الفور، أحستْ به وبها، دعتها إلى منزلهم، أدخلتها مطبخها الذى لا يدخله الغرباء، فهو قدس الأقداس بالنسبة لها، لم تطلب منها سوى أن تتحمله، تتحمل “يحيى”، هى تعرف أنها تحبه، بقى أن تتفهمه ..

   يبتسم “يحيى” بينما تمر أمامه كتل السواد المغبرة .. هو يفصل حتى تلك اللحظة مابين وجودها داخله، ووجودها المادي داخل الصندوق الكابى، حتى أنه يرق لحال هؤلاء النسوة وهن يبكينها.. لويستطيع أن يدعوهن إلى الولوج داخله لرؤيتها والاطمئنان بأنها بخير..؟! لو بإمكانهن أن يرينها كما يراها هو الآن وهى تتحرك كالفراشة فى أول حفلة لها، كان يرصد إعجاب الجمهور بأنين آلتها المتفرد، فستانها الأسود القصير المحلى برسومات هندية من نفس اللون –يبدو أن حياتها كلها كانت تألف اللون الأسود، وتعيش بين قوسيه- وشعرها الأسود القصير المتموج، وذراعيها العاريان إلا من خاتم ماسي يحتل بنصر كفها الأيمن، يتلألأ معلنًا فخرها بانتماءها إليه هو فقط، دون غيره من البشر.. هذه بعض خصوصياتها، ذاتها التى كانت تطورها، وتعذبها كل يوم، لم تكن لترضى أبدًا عن نفسها، عن أدائها.. كان كل يوم لابد أن يحمل جديدًا وإلا لا تسمح له بأن يمر ..

      يعبث “يحيى ” بشعره الطويل، يمسده بأطراف أصابعه، يتذكرها وهى تقصه له .. أول مرة يأتى لزيارتها بعد طلاقهما لاحظت أن شعره طويل أكثر من اللازم، أحضرت أدوات الحلاقة على الفور، وبدأت فى ممارسة ما اعتادت عليه منذ سنين، جلس بين يديها وديعًا، كما كان يجلس بين يدي أمه .. حينما رحلت أمه لم يعوضه عنها سواها، كان كلما أعياه الحزن والألم لفراقها تجده أمامها، تعرفه حين يأتي لزيارتها دون سبب أو ميعاد، وتعرف أن السبب الحقيقي أنها الوحيدة فى هذا الكون التى تفهمه أكثر من نفسه أحياناً؛ لذا كان يسألها كيف تصرف بهذا الشكل فى الموقف الفلاني…؟ فتفسر له نفسه، ودوافعه .. كان يحكى لها عن قسوة المنافسين فى العمل، وحروبهم ضده فتلمع عيناها وهى تذكره بأنه الأنبل، والأفضل، والأكثر موهبة، وطبيعي أن يغار منه الآخرون، وتضحك وهى تُكمل حتى أنا أغار منك يافنان..! وتعود إلى عملها فى قص شعره بهمه كأنما كان تجميله هو هدفها الخالص .. وعندما لمحتْ شعيرات بيضاء تطل من رأسه أصابها الحزن، قالت له: أنا السبب .. فشلت أن أجعلك سعيدًا، وأنت معي، أو سعيداً بدوني .. أنا الفشل نفسه، وكانت إجابة “يحيى” أن جعل يقبل يديها حتى اختفى الزمن ..

      لما طرق بابها بلا موعد كعادته، تأخرت عن فتح الباب .. كانت الثانية صباحًا، وقد تألق فى حفله، صمم على الاحتفال معها بنجاحه، لا يعرف لماذا يستدعى النجاح لديه الذكريات الحزينة ..! كان يتسائل طوال طريقه إليها كيف سولت له نفسه تركها وحيدة ..؟ كيف أذعن لما طلبته منه ..؟ تزوج ..! نعم .. أصبح لديه أولاد..! وماذا فى ذلك ..؟ لقد كانت معه قبل كل ذلك، وستبقى معه بعد..! هى ليست جزءًا من الحياة، هى جزء من الروح، التى لاتُقتسم، ولا تتشارك.. كان يشعر بالذنب، ولما تأخرت عن فتح الباب، ثم فتحته وهى فى حالة مزرية، مشتتة ملأ الشك ذاته، جرى يفتح أبواب الحجرات، يفتش عن غرباء.. كانت جالسة إلى المنضدة تضحك، تاركة إياه يفعل مايريد، ولما انتهى عاد يجلس بجوارها فى هدوء، ينظر إلى عينيها الذابلتين، وهو يؤنب نفسه قائلاً:

  • عادتْ للشرب، أو للبكاء ، أو لكليهما .. وأنا السبب ..

      لم يشعرْ “يحيى” بكآبة المكان لأنه كان مستغرقًا فى ذكرياته معها، الفناء الخارجى فسيح، والزروع تقبع فى كل ركن، يغزوها الصبار بلا منازع -ملك هنا بلا عرش- فى وسط الفناء حوض به زروع متسلقة، يطل اللون الأصفر فيها، وينتصر على الأخضر، وتشعر بالعطش الشديد مثله بمجرد نظرك إليه .. حجرتان غامضتان إحداها للرجال، والثانية للسيدات.. “يحيى” كان يتوقع نفسه هلعًا فى ذاك الموقف، ماله يرى نفسه ثابتًا وكأنه ذاق الموت قبلًا، فوجده رحيمًا مسالمًا .. من آنٍ لآخر يلقى إليه أحدهم، أو إحداهن بالتعازي، فيرد بحركة مقتضبة برأسه غير داعٍ لأي مساحة للاقتراب، أو الحديث .. يقترب الصندوق الكابى من الجزء الأخير من رحلته، يستعد رجال المهمة، يتراصون، يسبقهم رجلٌ وحيد إلى الأسفل .. منذ أن عرفوا الخبر فى الصباح الباكر، وقد فتحوا المقبرة، جهزوها، وجمعوا الأكياس البلاستيكية والأوراق المتناثرة هنا وهناك، ورشوا الزروع، وطلبوا من المقرئ أن يلبس زيه المخصص، ويبدأ فى التلاوة بمجرد حضور أول شخص للمكان .. عيون رجال المهمة تبحث عن أقارب الدم للفقيدة، تتعب عيونهم حتى تعثر على أخيها الوحيد، كان يحمل التابوت منذ قليل بجوار “يحيى” ، حتى وضعوه على فوهة المقبرة ليتم تحصين المتوفية بالدعاء لها، وتثبيتها قبل أن تخطو أولى خطواتها نحو حياة الأبدية .. بنظرة استدعاء موقره من الرجال، يتحرك الأخ لإنجاز ماسيُطلب منه، يتعثر فى خطواته حتى يصل إليهم .. وعندما يصبح أمامهم مباشرة يجد “يحيى” يلاصقه كتفًا بكتف، يتحدث “يحيى” بصوت خفيض ولكنه صارم :

  • سأنزل أنا ..

يرفض الرجال والأقارب والأصدقاء فى آن واحد قائلين له :

  • لا .. لايجوز .. أرجوك دع أخاها يفعل ذلك ..

لايستجيب “يحيى”، ولا يقتنع .. وهنا تنزل دموعه التى طالما بحث عنها من أول اليوم فلم يجدها ..

يضع كوفيته على رقبته، ويخلع نظارته، يضعها فى جيبه، ويخرج منه المصحف، وينزل فى هدوء ..

لا يستطيع الواقفون منعه، حتى أولئك النسوة ينظرن إليه شزرًا لفعلته، ومنهن العجائز اللاتي لا فائدة من الحديث معهن، أو محاولة إقناعهن بما يخالف ماألفنه من الدين أو التقاليد، يمددن أيديهن لمنعه فتفشل أيديهن فى إثنائه .. يقرأ الأدعية وهو ينزل الدرجات ….

” اللهم ارحمها، وطهرها من الذنوب والخطايا، ونقها منها كما يُنقى الثوب الأبيض من الدنس” ….

” اللهم تقبلها قبولاً حسنًا” ….

ثم يقرر أن يدعو لها بما فى قلبه، وليس بما يحفظه، فيدعو ربه قائلاً :

– اللهم إنها حُرمت السعادة فى الدنيا، فلا تحرمها منها فى الآخرة ..

– اللهم إني حَرمتها السعادة …….. ويختنق صوته بالبكاء والندم ….

      كاد رجل المهمة أن ينتهى من عمله، بعد أن وضع الجثمان فى مكانه، صمم “يحيى” أن يساعد أخيها فى فك الأربطة، وإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليها ….

من بين دموعه رآها تفتح عينيها لتطمئن عليه، وهى تردد :

– “يحيى” أنت لى أنا فقط ..

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy