يوم آتي ..د. حاتم رضوان

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

109

يوم أتي

                          د/ حاتم رضوان

ما كنت فيها يقظًا أو غافيًا. وقت أتتني صورته مرسومة على ماء الرياح، ومختلطة بالحلم. كانت عيناه تنظران لي ولا تنظران. كانتا تعبران إلى الماضي، وتجلبان له الحكايا. يوم جلس إلى العرافة على شاطئ تاه اسمه من ذاكرته. كان الشاطئ خاليًا، والبحر مدًا. فردت منديلها. رسمت بسبابة يمناها فوق الرمل خطوطًا. قلبت الودع. وشوشته. استمعت إليه. تابع عينيها وكله ترقب. رفعت أصبعها المعفر بالرمل، ثم قالت له وهي تشير به نحو نهاية الأفق: أن طريقه محفوف بالخطر، وأن نهايته ستكون عند نهاية الشارع الذي فيه يعيش. أخبرته أن كوبريًا صغيرًا ضيقًا عند أحد أطراف المدينة، سيفرق بينه وبين حبيبته، وقت بلوغهما أوج الحب.

 ليلتها وكنت منفردا في الشرفة. رأيت كل كلاب المدينة الضالة. تمرق في اتجاه الرياح، مخترقة كثافة الضباب.

 كانت المصابيح القليلة المتناثرة، مغبشة الضوء. تصبغ الشارع الممتد تحتي بلون أصفر شاحب، وكانت الكلاب المارقة تنبح بقوة واتصال، كما لو كانت تطارد شبحًا لا أراه.

أحسست بأن قلبي ينتفض، وسرت إلى جسدي رجفة. حاولت التقيؤ. لم أستطع.

 كانت جدتي إذ تستمع لمثل هذا النباح الليلي. تزوي عينيها الزرقاوين، وتقطِّب جبينها، فتزداد تجاعيد وجهها، وتقول: غدًا يشهد ميتًا، وتستعيذ بالله من رجس الشيطان الرجيم، وتهتز شفتاها بآيات ذكر الحكيم.

 حاولت شق الضباب في محاولة يائسة لاستطلاع هذا الشيء الذي تنبح عليه الكلاب. كان هناك صوت عربة. اختفى بسرعة، ليبقى النباح من جديد.

 صباح نفس اليوم أيقظني رنين الجرس المتواصل. قفزت من سريري، وأنا أشتعل غضبًا. كنت أنوي أن أشتم. أن أتشاجر مع هذا الوغد الذي شدني من دفء الفراش إلى برودة البهو الرطب. فتحت الباب. رأيته. انطفأت كل ثورتي. كانت يده اليمنى مستندة على الحائط. يبدو عليه الإعياء الشديد. تكاد ساقاه أن تسقطا. وجهه شمعي وبارد، كانت نظرته لي حيادية مثل جو البهو تمامًا.

 أسندته إلى غرفة نومي، وسألته وأنا أدفس جسدي تحت الأغطية الشتوية: مالك؟؟

 صدمتني نفس النظرة المفرغة من أي معنى وهو يتمتم: اليوم رغمًا عني… أنا… وهي…

ولم يكمل. خرج سريعا. يتكئ في طريقه على الكراسي والحوائط. لحقت به، وهو يفتح الباب.

 قال: من باكر لن ترني.

 ارتعشت شفتاه بكلمة لم أتبينها، وخرج إلى الطرقة. مددت رأسي خارج الباب أتتبعه. لم أره. سمعت فقط وقع أقدامه فوق السلم، وقطة سوداء تنزل في أثره.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy