“فَيض”..قصة .. د.أحمد جمال عيد

يسر جريدة الأهالي أن تقدم لقرائها صفحة إبداعات تواكب الحركة الأدبية المعاصرة في مصر و العالم العربي و الترجمات العالمية ..وترحب بأعمال المبدعين و المفكرين لإثراء المشهد الأدبي و الانفتاح على تجاربهم الابداعية..يشرف على الصفحة الكاتبة و الشاعرة/ أمل جمال . تستقبل الجريدة الأعمال الابداعية على الايميل التالي: Ahalylitrature@Gmail.Com

250

قصة

“فَيض”

            د/ أحمد جمال عيد

انتصف نهار يوم الجمعة ،كانت الشمس لاهبة برغم أننا ما زلنا في أواخر فصل الشِتاء ، راقبت عيني أخي الأكبر “فَيض” في مِرآة سيارته ، التي كانت – أي عيناه – قد امتلأت بالدموع برغم محاولاته البائسة في تحجيمها.

ظَللت جالسًا في المقعد الخلفي للسيارة مُتوسطًا إخوتي بينما خالي يجلس في المقعد الأمامي بجوار أخي “فَيض”، أُتابع تفاصيل الطَريق وأتذكر كلمات أمي لي في اللحظات التي كُنا نَقتلعها من بين أنياب مشاغلنا.

باتت الذِكريات تُحاصرني ، وصوتها يعلو تدريجيًا في عقلي، حتى وجدتني أسبح في ماضٍ قريب . غربت الشمس ، وأنا بينهم حتى سمعت صوتًا رقيقًا يُنادي من بعيد,

– اعتنِ بنفسك جيدًا يا أحمد ، ولا تنسى وصيتي لك بأن تكون حلقة الوصل بين أهلك ، “أهلك حتى لا تهلك يا أحمد ” ثم كررت بصوت حزين ” أهلك حتى لاتهلك ياأحمد.”

بحثت عن مصدر الصوت ، فوجدته لسيدة عَجوز تُشبه ملامح أمي – رحمة الله عليها – وهي في سِن السبعين ، تقف في شُرفة منزلها بينما أنا أجلس على طَاولة في وَسط مركب يرسو على شاطيء مملوء بنخيل شاهق الارتفاع وأزهار يفوح منها عِطر ذو رائحة زكية. نظرت لها بتمعن ومحبة ربما لأستزيد وأتشبع بصريًا بتلك الملامح الملائكية حتى يتسنى لي تخزينها بين طيات عقلي الباطن عسى أن يكرمني الله وتكون تلك النظرات التي اختلستها سببًا في زيارة أمي لي في منامٍ قريب.

أرسلت لي السيدة العَجوز ابتسامة طيبة ، وهي تُشير إلى تِلك الندبة الغائرة في قلبي إثر فقد أمي – رحمها الله.

التقطت ورقة شجر من الأرض وأهدتني إياها وهي تقول : يا بني .. سقوط أوراق الشجر لا يعني أبدا اقتلاع جذور الشجرة ، إذا تساقطت ورقة هذا يعني أنها ذهبت إلى دورة حياة جديدة .. اغلق فراغ قلبك العميق بهذه الورقة يا أحمد.

أخذت الورقة بلهفة لأضعها على تلك الندبة الساحقة ، وفي تلك الأثناء وجدت أخي “فَيض” يُوقظني من غَفوة عميقة قائلاً : الحمدلله على السلامة يا أحمد ، وصلنا إلى المقابر .. هيا بنا نقرأ الفاتحة قبل أن ينسدل الظلام علينا.

نزلت من السيارة وأنا أترنح ، ويبدو أنني أرفض اليقظة مُتمنيًا أن يطول الحلم.

استقبلتني لافتة رُخامية مُثبّتة على بوابة مقابر عائلة أمي مكتوب عليها بخط مُنمَّق  “مقابر آل عويس” ممر تُرابي طويل ينتهي بفِناء به شجر عَجوز يليق بجدران المقبرة التي بُنيت منذُ أكثر من مائتي عام

هنا جدي ، وهناك جدتي ، بينما في المنتصف دُفنِت قِطعة من قلبي ، هنا ترقد أطهر وأنقى امرأة أهدتني حبًا خالصًا .. امرأة من عالم آخر .. عالمٍ لا يُشبه تلك الأيام التي نعيشها غير مُرحبين بها.

لاأملك سوى إرثي العظيم “مُصحف أمي الغالية ” أخرجته مِن شنطة يدي وقرأت ما تيسر من كلام  الله عز وجل مُستغرقًا في البُكاء مِثل طِفل صغير انقطع حَبلهُ السُّرِّي بعد  ولادته ، ولم لا وأنا الآن ينقطع مرة أخرى هذا الحَبل بوفاتها. أليس هذا الحَبل هو ما يربط الطِفل بالأم ويمتد من فتحة بطنه إلى غَور رحم الأم مُحمّلاً بالأكسجين الذي يضمن استمراره على قيد الحياة. تأملت هذه المسألة بكامل تفاصيلها ، حتى وجدت ثمة علاقة مباشرة بما حل بي من ضيق تنفس في الأيام الأخيرة وانقطاع هذا الحَبل المُحمل بالأكسجين . ياإلهي طفل ولكن يملك من العمر أربعين جرح وندبة عميقة في غَور قلبه ، أو هكذا يبدو لي حالي الآن!!

تيبست رُوحي ،واقترب عقلي من الجنون ،كنت كَسير القلب ، مُفتت الفؤاد ، أحاول إخفاء دموعي بين جفوني المنهكة,

بعد نهار طويل راح الليل ينسدل مُعلناً انتهاء اليوم ، ذهبت إلى منزلنا القديم ، ودخلت غُرفة أمي ، ألقيت نَظرة بانوراميا على المكان متأملاً كل تفاصيل يومها البسيط ، صليت العِشاء واستنشقت البخاخ المُعوِّض عن قِصر أنفاسي ثُم ذهبت في نومٍ عميق ، وإذا بسيدتي الجميلة “أمي”  تأتيني في منامٍ يبدو كحالة تشبه تلك الحالة التي نعجز عن وصفها عندما نكون في مرحلةٍ وسط ما بين اليقظة والنوم

جاءت بوجه مُنير مُشع تقول لي بابتسامة جميلة لم أشاهد مثلها في حياتي : عندي الكثير من الخيرات يا أحمد ، اطمئن.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy