أمينة النقاش تكتب:حديث المصالحة البائس

307

ضد التيار 

حديث المصالحة البائس

أمينة النقاش

ربما لا تكون مصادفة بحتة، أن تتصاعد دعوات المصالحة مع جماعة الإخوان فى نفس الوقت الذى بدأ فيه المصريون مشاهدة الجزء الثالث من مسلسل الاختيار. فالمسلسل يستعرض عاما من حكم الجماعة، كان واحدا من  أسوأ أعوام  تاريخهم المعاصر، وأكثرها فوضى ودموية وتدميرا لأسس الدولة الوطنية 

. لم يلحق التدمير مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية بشرا وحجرا فقط ، بل امتد أيضا لتشويه الطبيعة الحضارية للشعب المصرى، الذى يعد واحدا من الشعوب الأكثر تسامحا فى المسائل الدينية وقبولا للتنوع بها. وما حرق الكنائس والتفرقة فى الحقوق والواجبات، بين المصريين على أساس انتماءاتهم الدينية، إلا حلقة من حلقات سعى الجماعة منذ نشأتها، لتهيئة المجتمع لحروب طائفية ومذهبية، تهدم ما هو قائم، لتنفيذ مخططها الواهم ببعث دولة الخلافة، وإحيائها من رماد، بجعل مصر إمارة من إماراتها  .

يأتى حديث المصالحة مع التحسن البادى على العلاقات المصرية مع كل من دولتى تركيا وقطر ، وهما الدولتان اللتان تأويان وتمولان بعض عناصر جماعة الإخوان الهاربة من مصر بعد ثورة 30يونيو، وتمنحان عناصر منهم الجنسية ، وتفتحان لهم منصات إعلامية  صحفية وفضائية ،لشن حملات دعائية ضد نظام ثورة يونيو منذ إندلاعها . ويأتى مع توقع الجماعة وحلفائها  دعم الإدارة الأمريكية لمثل هذا الحديث، الذى تعتقد أنه يحقق لواشنطن مصالحها .

وفى أعقاب تفجر الصراع بين قيادات جماعة الإخوان فى الخارج، بين جبهتى تركيا ولندن ،وكشفه أن جوهر الخلافات الناشبة بينهما لا علاقة لها لا بالمبادئ ولا بالسياسة ولا بالدين، بل تنحصر فى اتهامات متبادلة بين الجبهتين على التمويل والانفاق الباذخ وتبديد الأموال الطائلة التى يحوزها كل طرف، تجدد حديث الدعوة للمصالحة بين الجماعة والدولة المصرية. وتم استخدام شباب الجماعة الذى أصدر بيانا يتبرأ فيه من الجبهتين ، ويدعو لقيادة جديدة للجماعة، للإشارة إلى تحولات يمكن أن تيسر عقد تلك المصالحة .

ليس سرا أن عددا من الشخصيات العامة والأحزاب  فى مصر، التى تلوك الحديث باسم اليسار والاشتراكية والتقدم ، تدعو منذ ظهورها ، إلى اعتبار تيار الإسلام السياسى ، فصيلا أصيلا من فصائل الحركة الوطنية المصرية ، وهى تتحالف معه تحت  اسم “تحالف التيار المدنى الديمقراطى “الذى تأسس عام 2014 لخوض الانتخابات النيابية والرئاسية. وسبق لهؤلاء التحالف  مع الإخوان فى الانتخابات البرلمانية عام 2012 . ووسط غيمة من الضجيج عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن جوهر هذا التحالف، هو الدفاع عن إعادة دمج جماعة الإخوان فى الحياة السياسية مرة أخرى ، على طريقة ” عفا الله عما سلف “.

من بين فنون التضليل التى يسوقها هذا المنطق الداعى أن يعفو المصريون عما سلف، هو وقف الدماء المسالة ، والانتشار الكبير للجماعة فى الأرجاء المصرية وفى المؤسسات بما يصعب معه اقتلاعها. أما أكثر الحجج بعثا للدهشة ولا أقول السخرية  للدفاع عن ذلك، فهو أن ألمانيا وفرنسا تصالحتا بعد الحرب العالمية الثانية، رغم أن الأولى احتلت الثانية وقتلت مواطنيها ونهبت ثرواتها!.

الضعف الذى ينطوى عليه منطق المدافعين عن التصالح مع الجماعة ، لا تخطئه عين . وبصرف النظر عن أن ألمانيا وفرنسا دولتين علمانيتين ، فإن  أحدا لا يستطيع أن ينكر أن الآثر الذى خلفه ظهور تيارات الإسلام السياسى فى المنطقة بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لمكافحة الشيوعية ، قد ارتد إلى صدور داعميه، بهجرتهم إلى دولهم منذ الستينيات، بعد أن تصدى عبد الناصر لتخريبهم.

يعتمد منطق الدعوة للمصالحة على سياسة  التجريب والانتقاء ، ويغفل أن للناس عقولا تذكرهم أن جماعة الإخوان هى من رفضت القاء السلاح وفتحت الطريق لحمامات من الدماء  خلفت شهيدا على الأقل فى معظم البيوت المصرية.

 وبدلا من  المشاركة فى اجتماع 3يوليو2013 الذى دعا إليه وزير الدفاع آنذاك  “عبد الفتاح السيىسى”, لتغدو بذلك  حزبا بين الأحزاب ، رفعت السلاح فى وجه الدولة والمجتمع، دفاعا عما أسمته عودة الشرعية ، بعد أن أختزلت هى وحلفاؤها الديمقراطية فى صندوق التصويت ، لتحتكر الحياة السياسية  بعد فوزها، تقصى منها  المعارضين ، وتشعل الفتن الطائفية ، وتهدم الكنائس وتحطم الاثار وتردم المقابر، وتجلب إرهابيين من كل بقاع الأرض وتحشدهم لمواصلة حربها من سيناء، وتسلب ارادة المجتمع بسعيها الدءوب لإخونة مؤسسات الدولة ونهب ثروات البلاد وهى تهتف باسم الله!

لامكان لجماعة الإخوان الإرهابية فى بلادنا، التى تركض للحاق بالعصر، وبتهيئة أجواء بناء الدولة الديمقراطية المدنية الحديثة .ومن يظن غير ذلك فليتابع مسلسل الاختيار، لكى يخفف من أوهامه البائسة.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy