د. عبد الفتاح مطاوع رئيس قطاع مياه النيل الأسبق يكتب لـ”الأهالي”:البيضة والفرخة من أوكرانيا

أيهما جاء أولاً؟..البيضة أم الفرخة، ذلك كان وما يزال أحد أهم سؤال من الأسئلة الفلسفية التي نسمعها كثيراً، ويحاول كل منا الإجابة عليها والتعامل معها بجدية أو باعتبارها من أسئلة وموضوعات المزاح، عندنا وفى كل بقاع الأرض، وتتراوح الإجابات بين البيضة والفرخة وغيرها من التأويلات.
و حديثنا فى هذا المقال يدور حول سؤال يهمنا جميعاً فى مصر، وهو من أين يأتي غذاء بيض وفراخ المائدة المصرية؟.
و لا عجب و لا عجاب أن تكون الإجابة على هذا السؤال، هي أن الجزء الأكبر من محاصيل حبوب غذاء بيض وفراخ المائدة المصرية، يأتيان من موانئ البحر الأسود، و التى يتم من خلالها استيراد العجز فى استهلاك المصريين من محصول القمح، سواء المستخدم فى صناعة رغيف الخبز أو فى إنتاج بيض و فراخ المائدة المصرية، وكذلك حبوب الذرة.
لقد كشفت الحرب الروسية الاوكرانية للمواطن المصرى البسيط وجود أزمة عميقة فى طعامه و فى شرابه، ولكنه لم يعرف أبعادها من خلال سؤاله الحائر: كيف يكون لدينا مشكلة فى الطعام والشراب؟ ولدينا نهر النيل ومياهه، والأراضي الصالحة للزراعة فى الوادى ودلتا نهر النيل وأراضي الصحراوات المصرية؟

خمس أرغفة هم عيش التموين:
فى محاولة للإجابة على السؤال الحائر لغالبية الشعب المصري، تجاه موجات ارتفاع أسعار السلع الأساسية، و بهدف تقريب الموضوع للفهم فى حالة الأرغفة الخمسة المخصصة للمواطن على بطاقة التموين، يجب أن يدرك المواطن أن رغيفين من الخمسة يتم صناعتهُما من القمح المحلى المصري، ورغيفين آخرين يتم صناعتهُما من القمح الروسي، والرغيف الخامس المتبقي يتم صناعته من القمح الأوكراني، ولن أتحدث هنا عن زيت التموين وغير التموين.

الاكتفاء الذاتى من القمح و الذرة:
الإجابة المباشرة والصادمة، والتي يخشى الجميع أن يقولها بصراحة و بوضوح للمواطن المصري البسيط، هى أنه من المستحيل أن تحقق مصر الاكتفاء الذاتى من القمح أو من الذرة سواء الآن أو بالمستقبل القصير أو المتوسط أو البعيد.
أسباب عدم تحقيق الاكتفاء الذاتى من القمح كثيرة، ومنها محدودية الموارد المائية اللازمة لسد الفجوة، ومنها ضيق الرقعة الزراعية التي يمكن زراعتها قمحاً في ظل التركيب المحصولي والتنافس في الزراعات الشتوية بين مساحات القمح والبرسيم والبنجر في أراضي الدلتا، ومنها لزيادة السكانية التي وصلت إلى حد الانفجار خلال النصف قرن الماضي، والتي كان سببها كل من المواطن البسيط والحكومات المتعاقبة التي خشت أن تواجهه بالحقيقة.

المشاكل الكونية:
ثلاث مشاكل كونية تعاقبت وتزامنت، كان لها آثار مضاعفة على ظاهرة ارتفاع الأسعار التى نعيشها وسوف نعيشها، مالم نُحدث تغييرات هائلة في سياساتنا وفي تصرفاتنا وسلوكياتنا، المشكلة الكونية الأولى هى ظاهرة التغيرات المناخية، والثانية هي جائحة كورونا، والثالثة هى نتاج وقائع الحرب الروسية الأمريكية والغربية على الأراضي الأوكرانية.
فلم يكد العالم يفيق من المشكلة الثانية وآثارها، إذ بالمشكلة الثالثة تتعدى آثارها وتبعاتها في أقل من شهرين من الزمان ما أحدثته المشكلة الثانية، أما المشكلة الأولى فيبدو أن العالم لن يتفق ولن يتوافق على حلول لها، طالما أن المشكلة الثالثة ستستمر قائمة على الصراع والسلاح والنفوذ، حول الماء والغذاء والطاقة.

الغذاء كسلاح جديد من البحر الأسود وبحر البلطيق:
أظهرت تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، أهمية إنتاج حبوب القمح و الذرة و عباد الشمس من روسيا وأوكرانيا، حيث الاعتماد على الفائض المتداول منهما فى سوق التجارة العالمي، فَالفائض من إنتاجهما هو الذي يغطي النقص المتزايد فيما تنتجه دول الشرق الأوسط والقارة الإفريقية، وعلى الأخص دول شمالها.
المدقق فى حركة تجارة تلك الحبوب يجد أنها تأتي من الموانئ الروسية والأوكرانية على ضفاف البحر الاسود، بعد ذلك تتجه الناقلات البحرية إلى موانئ دول البحر المتوسط، من خلال مضيقي الدردنيل والبوسفور حيث تركيا.
المدقق الأكثر في خريطة أوكرانيا يجد أن نهر الدانوب، ثاني أكبر نهر في القارة الأوروبية بعد نهر الفولجا الروسي، حيث يمر الدانوب في عشرة دول أوروبية منها أوكرانيا، وينبع من ألمانيا و يمر بالنمسا وغيرها من الدول الأخرى، ومنها رومانيا التي تطل هى الأخرى على البحر الأسود.
الجديد و المهم فى الموضوع، أن الشاحنات البحرية المتجهة من البحر الأسود إلى بحر البلطيق، ومنه إلى بحر الشمال والمحيط الأطلنطي و العكس، عليها أن تمر بنهر الدانوب ومياهه العذبة إلى نهر الراين، من خلال وصلة ملاحية تم إنشاؤها فى تسعينيات القرن العشرين، حيث نهر الراين يمر بهولندا وفرنسا وألمانيا وغيرهم من الدول الأوروبية.
وأعتقد أن هيئة قناة السويس وهيئات الموانئ المصرية، لديها إجابات على الوارد والصادر إلى كل الموانئ سواء التى ذكرناها أو لم نذكرها.

الخلاصة:
أن الحرب الدائرة على الأراضي الأوكرانية الآن، ومن واقع ما تقدم، كافية لإحداث شلل مرورى بحري ونهري للعديد من الموانئ الأوروبية المصدرة، ليس للغذاء من البيض والفراخ للمائدة المصرية فقط، وليس من البيض والفراخ اللازمة لموائد العديد من دول أوروبية ودول الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، ولكن لبضائع هامة أخرى مثل الأسمدة و الألمونيوم و حديد التسليح والأخشاب والأسماك والمعدات الالكترونية، وسلع أخرى ستظهر أَهميتها خلال الأيام والأسابيع القادمة.
إن المشاكل الناجمة عن الحرب الدائرة على الأراضي الأوكرانية، قد تخلق اضطرابات فى العديد من الدول الضعيفة والهشة، و زد على ذلك اضطرابات في العديد من الدول الغربية، قد يبدأها عمال الموانئ وسائقو الشاحنات وعمال الأنشطة الأخرى التى ستتعرض لعقوبات من المتوقع أن تفرضها روسيا، رداً على مجموعات العقوبات الأربع التي تعرضت لها حتى الآن.
وبناء عليه ومن واقع ما تقدم، يجب علينا وعلى حكوماتنا، استعداداً لمواجهة ذلك الواقع الجديد والتحديات الجديدة، ضرورة المبادرة بإحداث تغييرات جوهرية في كل من سياساتنا الإنتاجية الزراعية والصناعية والنقدية والخدمية، و كذا و على وجه الخصوص سياساتنا المائية تلك التي سوف نتناولها في مقال قادم، و كذلك إحداث تغييرات جوهرية في تصرفاتنا وسلوكياتنا السياسية والاجتماعية والتجارية و المعيشية.
وسنعرض أيضاً كيفية مواجهة تلك التحديات فى إطار الممكن والمتاح دونما الوقوع في فخ عدم التأكد لمسار الأحداث.

*بقلم الدكتور عبد الفتاح مطاوع رئيس قطاع مياه النيل الأسبق.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy