محمد فرج يكتب :حزب التجمع ..46 عاماً من النضال السياسي والتنوير الفكري والتجديد الثقافي ( 10 أبريل 1976 – 10 أبريل 2022 )

*بقلم: محمد فرج  /الأمين العام المساعد لحزب التجمع 

منذ نشأة حزب التجمع بزعامة القائد الوطني التقدمي خالد محيي الدين، ومجموعة من قادة الفكر والنضال السياسي والتنوير الفكري والتجديد الثقافي (إبريل 1976)، بنى نفسه حزباً من طراز جديد، جديد في بنيته التنظيمية والسياسية، كإطار واحد لمجموعة متنوعة من القوى والتيارات الوطنية والتقدمية، من منابع فكرية متنوعة، ومنابع طبقية متنوعة، وانتماءات سياسية ونقابية وثقافية متنوعة.

خالد محي الدين

ولم يقف التجمع في جِدته وتميزه عن الأحزاب التقليدية عند صيغته التنظيمية فقط، فقد كوَّن لنفسه منذ البداية شخصيةً جديدةً هي الشخصية التجمعية، وهي شخصية تتسم بعدة سمات فكرية وسياسية وتنظيمية وثقافية، اكتسبها من وجود مجموعات من الكوادر والأعضاء من منابع فكرية وسياسية متنوعة يعملون معاً في إطار حزب واحد، في إطار تنظيمي واحد،  فكان هذا التنوع الفكري قاعدة لممارسة الاتفاق والاختلاف عبر عملية تغليب قواعد الحوار والنقاش المعمق والبحث عن أكبر توافق ممكن قبل التصويت. 

وعكس هذا الأسلوب في اتخاذ القرار نفسه على طريقة الحزب في النضال السياسي والمعارضة، وعلى فهم الحزب – كوادر وأعضاء – قيادة مركزية وقواعد، لمبدأ الوحدة والصراع، فابتكر ما نسميه بالمعارضة الوطنية الموضوعية القائمة على الحقائق والمعلومات، المنطلقة من الواقع ومشكلاته، والتحديات التي تواجهها البلاد، والتي تُواجهها الطبقات المنتجة، الشعبية والوسطى، والتي تواجهها الدولة الوطنية، والمهام الملحة التي يطرحها الواقع الحي، وتطرحها المرحلة التاريخية وتناقضاتها، وأوضاعها وعلاقاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، ومشكلاتها، وعلاقات القوى الفعلية. 

فَلم يكتفِ الحزب في معارضته بالرفض، بل اعتقد دائماً في ضرورة طرح البدائل لكل ما يعارضه ويرفضه، فلا يكفي الرفض، أو إعلان المعارضة بقوة، فقوة المعارضة تكون في اعتمادها على الحقائق وفي امتلاكها البدائل وطرحها، لذلك فإن المعارضة التجمعية اتسمت أيضاً بأسلوب سياسي لا لجوء فيه لأساليب التكفير أو التخوين أو الشخصنة، فَالحزب لا يختصر معارضته في شخصٕ ما مهما كان موقعه، لأن الحزب السياسي لا يعارض أشخاصاً، بل يعارض سياساتٍ معينة، يعارض توجهاً فكرياً أو سياسياً أو ثقافياً، وإذا كان الحزب يمثل أو يعبر عن مصالح طبقة أو حلف طبقي، فهو حين يعارض فإنه يعارض طبقة أو تحالفاً طبقياً، ويعارض جماعة سياسية أو فكرية أو ثقافية، ويسعى في كل وقت نحو بناء كتلة وطنية تاريخية، تكون قادرة على حمل التوجه البديل والسياسة البديلة والثقافة البديلة، والدفع بها للمجال العام.

وفي كل الأحوال فإن حزب التجمع في رؤيته وتوجهه وممارسته السياسية، في معارضته أو دعمه، كان دائماً – وما زال – ينطلق من رؤية وطنية وشعبية، رؤية وطنية تنطلق من ضرورة الحفاظ على وحدة واستقلال وسلامة الدولة الوطنية، في مواجهة كل التحديات والمخاطر التي تتعرض لها، ورؤية شعبية تحافظ على مصالح الفئات والطبقات المنتجة، الشعبية والوسطى، وتتبنى طموحاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.   

إن حزب التجمع منذ نشأته بجهد فكري وسياسي لمجموعة من القادة المفكرين والسياسيين والمثقفين الوطنيين والتقدميين المؤسسين، تقدم باعتباره مشروعاً فكرياً سياسياً وثقافياً من طراز جديد، فهو ليس مجرد حزبٍ سياسيٍ معارض، بل كان وظل مشروعاً وبرنامجاً للتنمية الشاملة، والتقدم متكامل الأركان، ولذلك لم تكن قيادته المركزية وفي المحافظات مهمومة فقط بالرفض السياسي للمشاريع السياسية الداخلية والخارجية للحكم، في مجالات الحرب والسلام، أو في مجال السياسات والتوجهات الاقتصادية الجديدة في الانفتاح والخصخصة، بل كان وظل صاحب مشروع بديل، وسياسات بديلة، وثقافة بديلة، لذلك ظل رائداً في مجال النضال الفكري والتجديد الثقافي، فلم يقدم جريدة الأهالي فقط، كصحيفة سياسية لكل الوطنيين، بل قدم معها مشروعه لكتاب الأهالي كمشروع فكري ثقافي لنشر الموضوعات والأبحاث والدراسات المعمقة في مجالات الفكر السياسي والاجتماعي والثقافي التقدمي، وقدم معها مجلة أدب ونقد كمشروع لتقديم الكتابات الفكرية والثقافية والتنويرية، والإبداعات الأدبية لكتاب المسرح والشعر والقصة القصيرة والنقد الثقافي والأدبي، وتقدمت مجلة أدب ونقد (وهي المجلة الثقافية الوحيدة الصادرة عن حزب سياسي تقدمي) كمنبر للتجديد والتنوير الفكري والثقافي.

واهتم حزب التجمع منذ نشأته عام ١٩٧٦ بالإبداع الفني والثقافي، فأنشأ فريق مسرح الشارع وقدم مسرحية العقد، وقدم للساحة الفنية مجموعة من أهم فناني وكتاب ومخرجي الدراما المسرحية والسينمائية والتلفزيونية، ممن تفتخر بهم الساحة الفنية والثقافية، وكان وظل الحزب الوحيد الذي يقيم مهرجاناً سنوياً للسينما القصيرة والتسجيلية منذ عدة سنوات، هو مهرجان يوسف شاهين.

واهتم حزب التجمع طوال الوقت بالثقافة التقدمية والتنوير الثقافي والمثقفين التقدميين، وامتلأت مقراته المركزية وفي المحافظات بالأنشطة الثقافية والندوات الفكرية والثقافية والأمسيات الشعرية والغنائية، وظل مقر التجمع بالزيتون شرق القاهرة عامراً بورشة الزيتون الثقافية، والمقر المركزي عامراً بندوات منتدى خالد محيي الدين السياسية والثقافية، وعامراً بالندوات الأدبية والفنية، ومازالت مكتبة خالد محيي الدين عامرة بالندوات الفكرية والسياسية والثقافية.

ولا يمكن في هذا السياق أن ننسى لجنة الدفاع عن الثقافة القومية التي أسسها مجموعة من المثقفين الوطنيين والتقدميين المصريين من قيادات التجمع وأصدقائه بعد معاهدة الصلح مع العدو الصهيوني، وكانت وظلت لجنة جبهوية مستقلة تعمل في إطار حزب التجمع.

ولم يكن للتجمع ومشروعه الفكري والثقافي وجهه السياسي فقط، ولا وجهه الثقافي فقط، بل كذلك وجهه النقابي المبدع، فبينما أبدع واحتضن في ثمانينيات القرن الماضي صيغة اتحاد الفلاحين المصريين، قدم في بداية القرن الحادي والعشرين كل الدعم لدعوة المناضل الراحل البدري فرغلي القيادي بحزب التجمع، لتأسيس الاتحاد العام لنقابات أصحاب المعاشات، وهو إبداع نضالي نقابي جديد، كان حزب التجمع داعماً حقيقياً له، باستضافة أعماله في مقره المركزي ومقراته بالمحافظات .. و حافظ على استقلاليته ككيان نقابي.

وقد فعل التجمع كل ذلك لأنه منذ نشأته كان ومازال وسيظل حزباً من طراز جديد، يفتخر بتاريخه، ويتذكر قادته المؤسسين الكبار الذين رحلوا، ويفتخر ويحتضن ويدعم قادته الذين يستمرون بجدية ودأب وإبداع في حمل الراية واستكمال الرؤية  التوجه والمسيرة.

إن حزب التجمع الذي يفتخر بقادته وماضيه وتاريخه المشرق والمشرف، والذي يثق في قدراته الفكرية والسياسية والثقافية – قيادة وأعضاء – على مواجهة تحديات وصعوبات الحاضر، هو حزب له جذور وتاريخ ورؤية وبرنامج وشخصية، وله كيان فكري وسياسي وتنظيمي من طراز خاص، جديد ومتجدد، كيان حزبي جديد، تكمن جدته وحداثته في قدرته على تقديم صيغة جديدة للوحدة والتنوع، الوحدة التنظيمية والسياسية إطاراً لإدارة التنوع الفكري والثقافي، واطاراً لممارسة التنوع في الاجتهاد والإبداع السياسي في الممارسة والنشاط،  لذلك فهو حزب له تاريخ، وله مستقبل.

كل سنة وحزب التجمع – قيادة وأعضاء، شباباً ونساء – بخير وفي تقدم وازدهار وإبداع دائم.

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy