التأريخ بالفن … طريق 30 يونيو الملغم بالمخاطر..إهداء العمل للكاتب الراحل وحيد حامد تقدير للفن الملتزم
بقلم: محمود دوير
يواصل صناع مسلسل “الاختيار” تقديم عمل فنى ملحمي يوثق مرحلة من أهم مراحل تاريخ مصر الحديث وهى تلك الأحداث التى شهدتها مصر من ثورة 25 يناير 2011 حتى ما بعد ثورة 30 يونيو 2013 بكل ما بها من توتر وصراع واستهداف للوطن بكل مكوناته.
يتابع المشاهد العربي بشغف مستمر وواضح من خلال نسب المشاهدة المرتفعة جدا للجزء الثالث من العمل، والذى اختار صناعه عنوانه “القرار ” بكل ما يحمل من دلالة. إنه قرار الشعب الذى أعلن رفضه استمرار حكم المرشد بعد أن تأكد للملايين – مبكرا –أن الرئيس الإخوانى ليس سوى مندوب للجماعة فى قصر الاتحادية ولا يمارس مهامه وفقا للدستور والقانون والتقاليد الرئاسية المتعبة منذ إعلان الجمهورية عقب ثورة يوليو 1952
يأتي “الاختيار 3 ” ليوثق ويرصد حلقة من حلقات الصراع بين الشعب ومؤسسات الدولة من جهة وبين الجماعة وحلفائها مما يسمى “الأحزاب الإسلامية ” ومن يدعمهم من الخارج من جهة أخرى.
فى الجزءين الأول والثاني كان الصراع بين الجماعات – التكفيرية – والأجهزة الأمنية يتخذ طابعا أمنيا واضحا وصريحا من حيث طبيعته وأدواته بينما يأتى الجزء الثالث ليكشف عن تفاصيل الصراع السياسي الذى احتدم بين الشعب وقواه السياسية بكل تنويعاتها الفكرية والأيدولوجية ضد مشروع الجماعة وحلفائها.
منذ عام 2013 والشارع المصري يدرك ان الجماعة كانت تسعى لابتلاع الوطن والهيمنة على مقدراته وما بين الحين والآخر كانت تتسرب تقارير تشير إلى حجم الكارثة التي كانت تتنظر الوطن فى حالة استمرار حكم “المرشد” وإخوانه لمصر وكان الخطر يمتد الى أبعد من الحدود فقد كان يسعى لان تصير مصر بكل ثقلها وتاريخها ومقوماتها الحديثة مجرد ولاية فى مشروع الخلافة الوهمي.
أدرك المصريون هذا الخطر وتحركوا للتصدي له ليظل الشعب دوما هو المعلم وصانع التغيير وتبقى قواته المسلحة هي العمود الفقري الذى يحفظ استقرار الوطن وأمنه وسلامة أراضيه وأمان شعبه.
التقت رغبة الشعب فى رفض الجماعة مع مسؤولية القوات المسلحة تجاه وطنها فكان القرار الذى لم يكن يحتمل التأخير … كانت إذن لحظة الحسم واتخاذ القرار.
تتنوع أشكال الدراما الفنية وتختلف مدارسها وانحيازها وفى حالة مسلسل “الاختيار 3” نحن أمام حالة استثنائية ومغايرة تماما للسائد والمتعارف عليه فى الدراما العربية، ولعل تلك الملامح تجعل المهمة شديدة الصعوبة على صناع العمل الفني – كونه فى الأساس عملا فنيا – كما تزيد من صعوبة الأمر لدى النقاد أو الباحثين الذين يتناولون العمل كأحد المصنفات الفنية.
نحن أمام عمل يمزج بين الجانب الوثائقي والجانب الدرامي … وهذا ما جعل صناعه يستعيدون بمواد وثائقية عديدة لتأكيد وجهة نظرهم الفنية واستخدم صناع المسلسل تقنية توضح المشاهد “الحقيقية” عن تلك التمثيلية، حيث يظهر ذلك من خلال طبيعة الشاشة وحجمها حين تعرض مواد وثائقية يتم تصغير الشاشة لكى يلحظ المشاهد الفارق حتى لا يلجأ المخرج لكتابة عبارة “مشاهد حية – أو مشاهد وثائقية ” وذلك لكثرة المشاهد أو لأنه أراد أن تذوب المشاهد الوثائقية فى الدرامي كأنهما شيء واحد ويكمل كل منهما الآخر.
لعل الصعوبة الأكبر التي واجهت صناع العمل وتمثل التحدى الحقيقي هو أن الأحداث لا تزال سائلة وحاضرة فى الذاكرة بكل التفاصيل كما ان الشخصيات معظمها يحيا بيننا وفاعل فى حياتنا بشكل قوى ورئيسي وعلى رأسهم الرئيس عبدالفتاح السيسي وعدد كبير من قادة القوات المسلحة والشرطة والأحزاب السياسية، وهذا سلاح ذو حدين فى تقييم العمل الفني.
كما أنه يمثل ضغطا كبيرا للغاية على الممثلين الذين يجسدون تلك الشخصيات ومن خلال الجزء الذى تم عرضه حتى الآن فقد جذب عددا من الممثلين لانتباه المشاهد نتيجة قدرتهم الفائقة على التقمص وتجسيد الشخصيات من بينهم الفنان “ياسر جلال” صاحب الموهبة الكبيرة، والتى كشفت عنها أدواره المميزة لكنه أجاد بشكل لافت فى تقديم شخصية “الرئيس السيسي” كما أجاد كل من “صبري فواز” فى تقديم شخصية محمد مرسى والمتألق عبدالعزيز مخيون فى تقديم شخصية “محمد بديع” وعدد من الشخصيات الأخرى مثل دور الفنان “صبحى خليل” الذى جسد هشام قنديل رئيس الوزراء فى عهد الإخوان.
بينما جاء أداء الفنان خالد الصاوي لشخصية خيرت الشاطر به كثير من المبالغة والحضور الواضح “للصاوي” وليس “للشاطر” وحول الشخصيات الدرامية فقد جاء اختيار كل من “احمد عز” وأحمد السقا” أقل كثيرا من مستوى العمل ومساحة الأدوار الموكلة لهما وبدا أداهما مفتعلا ومبالغا فيه وبعيدا عن طبيعة الشخصية فى معظم الأحيان.
وبالطبع فإن الأحداث المقبلة سوف تظهر عددا من الشخصيات التي سنتوقف أمام قدرتها على الإقناع من عدمه .هذا فيما يتعلق بالشخصيات اما ما يتعلق بالأحداث والبناء الدرامي فقد سيطرت الأحداث الواقعية عن أي مساحة درامية تضيف للعمل مما أثر بشكل كبير على بناء شخصيات درامية – غير حقيقية – تساهم فى قوة الرسالة وتخلق حوارا يدعم الأفكار التى سعى إليها العمل.
لا تزال شخصية “عاليا” التي قدمتها أسماء أبواليزيد وخطيبها الضابط “يوسف رفاعي” الفنان “احمد مكى كما اننا نتذكر شخصيات مثل هادى الجيار “رفاعي” وصديقه القبطي “عادل” أو الفنان أحمد حلاة لعل تلك النماذج الإنسانية التى نذكرها من الجزء الثاني ببنائها الدرامي الجيد وحضورها الكبير كان الجزء الثالث يحتاج إلى وجود مثيل لها بحضور قوى.
ولأننا أمام عمل فنى يحمل جوانب وثائقية بقدر كبير فإن الهدف الأكبر للاختيار كان السعي للحفاظ على ذاكرة جمعية مدركة لتفاصيل الخطر الذى كان يهدد الوطن، وكان هذا هو الدافع لأن تتضمن كل حلقات المسلسل كشفا مسجلا جديدا ينتظره المشاهد بلهفة وترقب أكثر مما ينتظر التطور الدرامي للأحداث التي عاشها وبقى أن يعلم خباياها وكواليس ما جرى وراء الستار والغرف المغلقة وهنا تتجلى أهمية “الاختيار 3”.
ولعل الإهداء الذى تصدر المسلسل إلى روح الكاتب الكبير “وحيد حامد” يمثل إشارة تحمل قدرا كبيرا من التقدير لاسم أحد أهم كتاب الدراما العربية الذين خاضوا معارك فكرية ضد الجماعة وكشف بأعماله الرائعة زيف أفكارهم واستغلالهم للدين.

التعليقات متوقفه