ضد التيار
الدستور هو مرجعية الحوار الوطنى
أمينة النقاش
.. كما كان متوقعا، نشطت المناقشات فى المجال العام، فى الصحف والفضائيات والندوات على امتداد نحو شهر، فى أعقاب الدعوة الأولى من نوعها منذ تولى الرئيس السيسى مسئولياته الدستورية للحوار السياسى والوطنى المرتقب. وكان من الطبيعى أن تتطرق المناقشات إلى نوعية القوى المدعوة إليه، وطبيعة النتائج التى يفترض ان تسفر عنه والمرجعية التى يستند إليها، وغيرها من اشكاليات متوقعة لمناخ سياسى اتسم بالركود طوال السنوات الماضية، فضلا عن تشوش فكرى وسياسى وثقافى ألم بمعظم القوى السياسية منذ احتجاجات 25يناير 2011 وما تمخض عنها من خيبات للربيع العربى، والانقسام الحاد الذى أحدث شرخا فى المجتمع السياسى بين من يؤيدون يناير و من يؤيدون ثورة يونيو، والتى ساهمت كل الأطراف فى ترسيخه وتعزيز بقائه، كسلا واستسهالا لا يخلو من تشوش، وعجزا عن تحديد الأولويات.
ولعب التشجيع الذى قامت به السلطات التنفيذية بنوايا حسنة للشباب الذين يشكلون نحو 60% من عدد السكان، دورا فى إحداث انقسام آخر، أشاع مناخا يشى بصراع بين الأجيال، ظن فيه شباب الوطن أن التلاقح بين الأجيال وتبادل الخبرات مع من يفوقوهم فى العمر والخبرة صار من مقتضيات الماضى السحيق.
الحوار الوطنى المرتقب لن يبدأ من فراغ، بل أن الدعوة إليه تشكل استجابة من الرئاسة المصرية لدعوات قادها منذ سنوات حزب التجمع لإعادة بناء التحالف الذى قاد ثورة الثلاثين من يونيو، وجرى تفكيكه باجراءات أمنية وصبيانية تافهة مغرورة وغير مسئولة، لم تكن تدرك حجم التحديات التى تواجه سلطة يونيو، بعد إسقاط حكم جماعة الإخوان، الذى كان محميا بإرادات خارجية.
وللتذكرة التى تنفع من يجيدون التذكر، فهذا التحالف ضم قوى وأحزابا من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وشرائح اجتماعية من مختلف الأطياف والتباينات العمرية والثقافية والدينية. وكان المشترك الوطنى لذلك التحالف هو رفض الدولة الدينية التى سعت بدأب لتغيير الهوية المصرية. وما كان لهذا التحالف أن ينجح ويحقق أهدافه، لولا المراهنة الجسورة بالحياة، لوطنى جسور، سليل المؤسسة العسكرية الوطنية وزير الدفاع آنذاك الفريق أول عبد الفتاح السيسى، على مساندة مطلبه المشروع.
ولأننا لا نبدأ من الصفر، ولا نرنو أن ينتهى الحوار ونحن وقوف فى مكاننا، ونأمل أن نتقدم خطوتين فقط للإمام، حتى لا نرفع سقف التوقعات فى واقع كل موازين القوى به مختلة، فعلينا أن نتفق أن المشترك الوطنى بين القوى الذاهبة للحوار هو الدستور، وهو المرجعية الأساسية لما سينتهى إليه. والدستور القائم صاغه تحالف 30يونيو، وتم الاستفتاء على القبول به والعمل بنصوصه فى يناير عام 2014، ولم تدخل معظم نصوصه حتى هذه اللحظة حيز التنفيذ. ولامعنى للدعوات التى برزت مطالبة الآن بدستور جديد للجمهورية الجديدة سوى إضاعة الوقت، ومزاحمة الحوار بمهام تبدو تضخيما غير ضرورى لجدوله المثقل بمهام عاجلة، أهمها انهاء الركود فى الحياة السياسية والحزبية والصحفية والإعلامية، وهو خطوة لابديل عنها لانهاء الفساد فى مفاصل الدولة الذى يشغى من غياب الشفافية وضعف أدوات الرقابة البرلمانية والتنفيذية.
شكل الدستور القائم تراجعا فى بعض نصوصه عن حقوق ديمقراطية مهمة كانت قائمة فى دستور 1971، تحت ضغوط الحركة السلفية التى شاركت فى وضعه. وعلى سبيل المثال لا الحصر، كان دستور 1971 ينص على أن الدولة تكفل حرية العقيدة وحرية ممارسة الشعائر. بدلها الدستور الحالى بمادة تنطوى على تناقض فى صياغتها، تنص على أن حرية العقيدة مطلقة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة لأصحاب الأديان السماوية، حق ينظمه القانون، ليجمع النص بين حريتين لا تلتقيان مطلقة وملزمة!.
وبرغم ذلك لايزال الدستور قادرا على توحيد الوطن، لاسيما بعد أن تخفف من قيود النظام الاشتراكى الذى اعتمدته دساتير ثورة يوليو، واعتمد النظام الاقتصادى الذى يجمع بين دور للدولة والقطاع الخاص، ونص على المساوة بين مواطنيه فى حقوق المواطنة ونيل الخدمات العامة، والتكافؤ فى الحصول عليها والوصول إلى فرصها، وأداء الواجبات الوطنية العامة، كدفع الضرائب وتأدية الخدمة العسكرية. كما أنه ينطوى على حقوق ديمقراطية قادرة على إدارة التنوع فى الخريطة السياسية المصرية، والحفاظ على حق كل من أطرافها فى التمايز على الآخرين.
دستور 2014 هو مرجعية الحوار الوطنى، والتوصل إلى مشتركات بين أطرافه على كيفية تنفيذ بنوده المعطلة، طوق نجاة لخروج مصر من أزمتها.

التعليقات متوقفه