د. جودة عبدالخالق يكتب :المديونية وأزمة مصر الاقتصادية..هل نريد لمصر التعافى من مرض الاستدانة .. أم نسعى للخروج من الأزمة الحالية؟

*اقتصادنا ليس لديه مناعة في مواجهة الصدمات فهو اقتصاد ريعى هش..*ضعف الاقتصاد ناتج عن إهمال الزراعة والصناعة.. وخلل فى الإدارة الاقتصادية الكلية

1٬452

 *بقلم د. جودة عبدالخالق 

الدَّيْن هَمٌّ بالليل ومذلةٌ بالنهار.
هكذا تعُلِّمُنا الحكمة القديمة. وهى تنطبق بامتياز على وضع المحروسة حاليا، وهو وضع لا نبالغ إن قلنا أنه شديد الحرج. وقد ساهمت عدة عوامل في الوصول بنا الى هذه الحالة- حالة إدمان الاستدانة. من هذه العوامل تجاهل مشكلة الأمية، وإهمال التعليم والصحة والزراعة والصناعة، والتركيز على العقارات، وتراجع الادخار والاستثمار المحلى. هذا فضلا عن الخلل الجسيم في الإدارة الاقتصادية الكلية متمثلا في تعويم الجنيه وتحرير حركة رؤوس الأموال، وبالتالي تبعية السياسة النقدية المصرية لقرارات الفيدرالي الأمريكي. ومعلوم أن السلطات المصرية تتفاوض حاليًا مع صندوق النقد الدولى للحصول على قرض فى إطار برنامج جديد، سيمكننا على الأرجح من سداد أقساط الدين الخارجي. وإن تم ذلك، فسوف يكون هذا هو ثالث قرض تحصل عليه مصر من الصندوق في السنوات الست الأخيرة- بعد قرض 2016 (12 مليار دولار) وقرض 2020 (5 مليارات دولار) لدعم ما يسمى برامج الإصلاح الاقتصادى. ورغم “الإصلاح”، هوت قيمة الجنيه المصرى من أقل من 9 جنيهات الى أكثر من 18 جنيها مقابل الدولار الأمريكي.
وفى مقال في “المصرى اليوم” بتاريخ 15 مايو الجارى حول المديونية الخارجية، طرح الزميل العزيز منير فخرى عبدالنور وزير السياحة ووزير الصناعة والتجارة الأسبق اقتراحا بدراسة إمكانية طلب إعادة هيكلة الدين العام الخارجى المصرى، ودعوة المقرضين للتفاوض حول زيادة آجال سداد هذه الديون وتخفيض أسعار فوائدها بهدف تخفيض تكلفة خدمة الدين السنوية. ودعا الى حوار جاد وهادئ لإبداء الرأى بموضوعية حول هذا الاقتراح.
وقد بادر الدكتور زياد بهاء الدين الى تلبية الدعوة. فكتب في “المصرى اليوم” بتاريخ 19 مايو قائلا ان هذه خطوة – لو اتخذتها الحكومة – ستكون بالغة الخطورة والعواقب، لأنها تضع البلد فى موقع أدنى ائتمانيا، وتمنح الدائنين جميعا حق استدعاء ديونهم والمشاركة فى الجدولة، وتتيح لأعضاء «نادى باريس» وضع شروط صارمة لإعادة هيكلة الاقتصاد الوطنى. وفى رأيه أن هذا قرار سياسى خطير، قبل أن يكون قرارًا اقتصاديًا فنيًا. وفى تقدير الكاتب أنه لا مَخْرَج من هذه الورطة إلا بإعادة النظر فى أولويات الإنفاق العام من جهة، وبمزيد من الإنتاج والتشغيل والنمو الاقتصادى من جهة أخرى.
من الناحية النظرية، هناك بديلان أمام البلد الذى يتعثر في سداد ديونه الخارجية. البديل الأول هو إعلان التوقف عن السداد. والبديل الثانى هو أن يصل الى اتفاق مع الدائنين. فإذا كانت ديونه عامة، يتفاوض مع دائنيه في اطار نادى باريس بدعم من مؤسستى بريتون وودز (صندوق النقد الدولى والبنك الدولى).
أما في حالة الديون التجارية، فيكون على البلد المدين أن يتفاوض مع الدائنين في إطار نادى لندن. وأتفق مع الزميلين في أن إعلان التوقف عن السداد بديل غير مطروح على الإطلاق، لأسباب معروفة ولا داعى للخوض فيها هنا. وبالتالي، فإن المتاح عمليا هو اللجوء الى صندوق النقد الدولى والبنك الدولى للحصول على تمويل، وترتيب اتفاق مع الدائنين لإعادة الجدولة. وقد تطرأ ظروف مواتية دولية أو إقليمية تجعل من الممكن الوصول الى اتفاق مع الدائنين بشروط أقل صعوبة. وقد حققت مصر هذه التسوية المريحة نسبيا في إطار نادى باريس عام 1991، عندما وافق الدائنون على شطب 50% من ديونها وإعادة جدولة الباقى على آجال طويلة. وكان هذا تقديرا لدور مصر الفاعل في تأمين الدعم العربى للتحالف الدولى لتحرير الكويت. لكن تلك التسوية هي أمر استثنائي بكل المقاييس، ومن الصعب أن يتكرر في الظروف الإقليمية والدولية الراهنة.
وهنا أطرح السؤال الحاسم: هل نريد فعلا لمصر التعافى من مرض الاستدانة العضال؟ أم نسعى فقط للخروج من الأزمة الحالية باستخدام وصفة بريتون وودز المعروفة بإجماع واشنطن (تعويم وتخفيض العملة وتقليل الدعم وبيع المشروعات العامة، …، إلخ) لنعود الى نفس المربع بعد عدة سنوات؟
إن تجربة مصر توضح أننا نلجأ الى مؤسسات بريتون وودز للحصول على تمويل بشكل متكرر. تضيق الأمور ثم تنفرج ثم تضيق …، إلخ. ولكن الشىء الثابت الوحيد هو استمرار تدهور قيمة الجنيه المصرى واتساع نطاق الفقر عبر الزمن. نعم، فهذه هي النتيجة التي انتهيت إليها من الدراسة العلمية الدقيقة، والمنشورة، لجميع اتفاقات مصر السابقة مع صندوق النقد الدولى والبنك الدولى تحت مسمى برامج الإصلاح الإقتصادى.
وبناء على ما تقدم أؤكد أنه لن يجدى مجرد عقد اتفاق مع الصندوق حول برنامج نسميه “الإصلاح الاقتصادى”، فنخرج به من أزمة لنقع في أزمة جديدة بعد عدة سنوات. ومن الخطأ أن نتصور أن الأزمة الحالية سببها الأساسى هو تداعيات الحرب في أوكرانيا. فلقد كشفت تلك الحرب البعيدة عن الضعف الشديد في الجسد الاقتصادى المصرى. إن اقتصادنا ليس لديه مناعة في مواجهة الصدمات؛ فهو اقتصاد ريعى، هش، وتابع. تنتشر فيه أعراض المرض الهولندي، وتعشش فيه الاحتكارات. والنتيجة هي غياب الكفاءة والعدالة. وبالإضافة الى الضعف البنيوى الناتج عن إهمال الزراعة والصناعة، لدينا خلل خطير فى الإدارة الاقتصادية الكلية، نتج عنه وقوع اقتصادنا في دوامة الثالوث المستحيل (Impossible Trinity).
ولا بد لنا من تغيير جذرى في الفكر وفى الممارسة. وأرجو أن يكون هذا ضمن المحور الاقتصادى في الحوار الوطنى المرتقب.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy