د.عصام الدين هلال أستاذ أصول التربية يكتب للأهالي:نحو ثورة تربوية شاملة
د.عصام الدين هلال أستاذ أصول التربية يكتب للأهالي:نحو ثورة تربوية شاملة
نحن في حاجة إلى ثورتين، ثورة تربوية وثورة أخرى تعليمية، ذلك أن سلوك المواطن المصري اليومي يحتاج إلى الكثير من التعديل بل التغيير والتحول الشديد. وهذا التغيير أو التحول لا يتم إلا بقيام ثورة تربوية، كيف؟
هذا ما سوف نفكر فيه معاً في الفقرات التالية:
أولاّ: كيف نبدأ ؟
نقطة البداية هي وضع الأمور في يد من يؤمن إيمانا راسخا بضرورة التغيير من الجذور، لأن أي تغيير جانبي أو هامشي أو منفرد لن يجدي في تحقيق الأهداف، والسؤال الآن هو: كيف نختار هؤلاء الناس؟
التربية هم مجتمعي، لذلك فالأمر لن يقتصر على التربويين فقط، بل لا بد أن يتسع لغير التربويين والمهتمين بشتى المجالات ذات العلاقة بالتربية، فكبار المفكرين لهم نصيب مما ندعو إليه، والواقع يقول: لن يقود الجماهير هنا سوى إنسان بحجم الرئيس السيسي، وأنا واثق من أن لديه الكثير أو القليل ممن يستطيعون إدارة العمل الوطني في مصر. وحدثت تطورات كثيرة مرت فيها مصر بدروب كثيرة منها الوعر ومنها السهل. ولكن والحمد لله فإن الأمور تسير على ما يرام، لكن يبقى أمامنا الإنسان، ورجل الشارع العادي هو هدفنا الأول.
فإذا استطعنا معرفة أناس على درجة عالية من الوعي بالمهمة، من السياسيين الذين لا يزنون الأمور بالمال الذي سيعود عليهم جراء ما سوف يؤدونه. فإن تلك هي الخطوة الأولى، ثم كما حدث عند إعداد استراتيجية مصر 2030 توضع خطة شاملة هدفها تغيير سلوك المواطن المصري نحو اتجاهات إيجابية، وفق أهداف توضع بكل دقة وحرفية.
والسؤال الآن: ما تخصص هؤلاء الذين سيتم اختيارهم لأداء هذه المهمة؟
المفكرون التربويون المُدركون لأهمية العمل التربوي ودوره في تغيير المجتمع، ولا يكون بيهم أولئك الذين كانوا يشاركون في توجيه العمل التعليمي من أجل المال أو المكانة الاجتماعية الكاذبة، المعلمون الواعون، وأولياء أمور الطلاب، وبعض الإداريين والعمال في المجال التعليمي المدركين لذلك، بالإضافة إلى بعض الطلاب النابغين.
السياسيون الذين يتسلحون بالإِيمان والوعي الكامل والزهد في المال، مهما كانت الأحزاب التي ينتمون إليها، عدا السياسيين الذين شاركوا في إسالة دم المصريين بغية تحقيق أهداف إقليمية ودولية.
المفكرون ذوو الثقة والوعي الكامل بما هو مطلوب.
الفلاسفة والأدباء الذين لديهم حس تربوي واعي، ورجال الثقافة الذين يتمتعون بنفس الصفات، والفنانون المبدعون.
رجال الدين الذين يؤمنون بالوطن والمواطنة، وحق التعدد والتنوع والاختلاف، وأهمية وضرورة الانتماء الوطني.
إذا تمكنا من توفير هؤلاء نقبل على تحديد الأهداف التي تترجم رغبتنا في التطوير والتغيير.
ومن هذه الأهداف:
أولا: هناك هدف عام يتمثل في تغيير السلوك اليومي للمصريين، وصولا إلى المواطن البسيط ، نحو أنماط إيجابية من السلوك.
ثانيا: يأتي ذلك من خلال اكتساب المواطن لمجموعة من القيم الحاكمة الإيجابية مثل:
قيمة الإنسان عامة، والإنسان المصري على وجه الخصوص.
قيمة الوطن: فعندما يغترب المواطن المصري عن، وفي وطنه فإنه يفقد إنسانيته، فلا إنسانية بغير وطن. والإخوان المتأسلمين الذين لم يعتقدوا في جنبات عقيدتهم بمصر الوطن، لم يتورعوا عن استخدام الإرهاب في ترويع المصريين الذين من المفترض أنهم جميعا إخوة. والوطن يشير إلى البعد القومي، الذي يؤكد هويتنا العربية. وهي هوية تصنعها عناصر ثلاث: الانتماء الجغرافي، مسار التاريخ، الهوية اللغوية.
قيمة العمل الجماعي: والعمل الجماعي قيمة افتقدناها تماما منذ إطلاق السادات لقانون رأس المال العربي والأجنبي رقم 43 لسنة 1974، والعمل الجماعي يعني أن يقوم أكثر من فرد بعمل ما يساهم في تحقيق تعاون بناء بينهم، والشعور بقيمة العمل الجماعي يجرنا إلى الصيغة التي قررها الميثاق الوطني عام 1962 بأن العمل حق، العمل واجب، العمل شرف، العمل حياة.
قيمة الديمقراطية: وهي حركة شعب بأسره أي بكل فئاته، معارض أم مؤيد أم جالس على الكنبة بتعبيرات ثورة يناير 2011. فلا أحد يستطيع أن يعيش على الهامش، فمشاركة جميع فئات المجتمع في بناء القرار الوطني، وفي تنفيذه ومتابعته وتقويمه واستخلاص الدروس المستفادة هي قمة ما يسمى بالديمقراطية. لذلك فالديمقراطية ليست مجرد حرية إبداء الرأي.
قيمة المشاركة المجتمعية: مع الوضع في الاعتبار التشابك بين جميع القيم المستهدفة، فإن النظر إلى مشاركة الفرد بشكل واع في جوانب العمل الوطني أمر لازم. فلا يوجد متفرجُون حتى لو كانوا من الفقراء وبسيطي التعلُّم، فلدى البسطاء من الثقافة والطاقات التي تمكنهم من أداء دور في تغيير المجتمع.
قيمة الوحدة مع الاختلاف: فلسنا جميعا على نفس الأهداف والمبادئ. إن دور القيادة هنا أمر ضروري. ولا أعني هنا الرئيس السيسي فقط، ولكنني أعني مجموعة من الخبراء الذين يحيطون به ويؤمنون بما يؤمن. فالأيام أثبتت وجود فكر راشد يضع كافة الظروف في خدمة المجتمع. إن التفاعل الرشيد مع معطيات الثورة الصناعية الرابعة يجعل تعاملنا مع المعرفة تفاعلا فائقا، وأعجبني التطلع نحو معطيات الثورة الصناعية الخامسة والتحسب لها. إلا أن نجاح محاولاتنا لن يكتمل بغير نظام تربوي شامل، يتحسب لكل فئات المجتمع المصري.
ثانياً: التربية والهوية المصر/ عربية
مفهوم الهوية ببساطة وبعيداً عن جذورها الفلسفية والتاريخية والسياسية والثقافية، هو ببساطة تلك الخصائص التي تميزني عن الآخرين، وتطرح سؤال من أنا؟ وتدفعني للبحث عن ماهيتي.
ولقد أجريت بحثا عن التعليم وإنقاذ الهوية العربية، تقدمت به لجَمعية الثقافة من أجل التنمية بسوهاج، ضمنته شتى تعريفات ومفاهيم الهوية.
وأقول المصر/ عربية لأن مصر بتاريخها لها وجودها الموجود قبل الوجود العربي، ومن يسير في أرجاء مصر كلها شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً، يتأكد من ذلك تماماً، بل إن أشكال الاستعمار الأجنبي الذي تعرضت لها مصر عبر تاريخها الطويل لم تمس هذه الهوية، فقد استوعبت مصر الثقافات الغريبة، وانتهى الأمر بأن بقيت مصر ودالت هذه الثقافات الوافدة. وعشنا أياما قال فيها العلماء الأجانب من يريد العلم فليرجع إلى العرب. إذن مصر هي مصر، العنصر الأول يقول بأنها مصرية منذ الأزل. ولها سبقها في كثير من المجالات العلمية المعروفة اليوم. والعنصر الثاني أنها عربية. فعندما فتح العرب مصر، رحب بها الشعب المصري، وأصبحت مصر أكثر عروبة من دول عربية أخرى.
ودائماً ما يأتي الحديث عن الهوية إذا ما هددها الواقع الذي تعيش فيه. وفي العالم العربي لجأت دول كثيرة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني دون مقابل يذكر، والدول هي: دول الخليج والمغرب والسودان، والسعودية ترهن تطبيع العلاقات مع (حليف المستقبل) بحل مشكلة فلسطين.
أما التطبيع مع الكيان الصهيوني في مصر والأردن فقد وضع نتيجة غير متكافئة مع معطيات حرب أكتوبر..
كل هذه الأمور قوضت الوجود العربي لصالح الوجود الصهيوني. أي أن الهوية العربية تعاني دون مواربة من خطر الفناء، لصالح للوجود الصهيوني. وكما هو معروف فإن المثقفين المصريين رفضوا ولا زالوا يرفضون التطبيع مع الكيان الصهيوني. ورفضت صراحة تونس والعراق التطبيع مع الكيان الصهيوني قبل تحرير فلسطين. خلاصة الأمر أننا اليوم في حاجة إلى مراجعة أمورنا بصراحة شديدة. فالهوية العربية في خطر داهم.
لماذا أقول ذلك عند الحديث عن علاقة الهوية بالتربية، لأننا كمتخصصين في أصول التربية، لا نتعامل مع التربية كمسألة مستقلة، فالتربية تتشابك مع الأنساق الاجتماعية الأخرى، وعلينا أن نحفر في الأصول ثم نتحدث في التربية. وأهم أصل للتربية هو المجتمع وهو ظاهرة طبقية السمات، فلا يوجد في مجتمع تربية واحدة، ولكن هناك تربية للطبقات المهيمنة، وهناك تربية للطبقات المستغَلة منها. وبطبيعة الحال فإن طبقة المثقفين هي التي تنظِّر للتربيتين، فهناك مثقفون ينتمون فكرا ومصالحَ للطبقة المهيمنة ويقومون بالتشريع لها، وهناك مثقفون ينتمون فكرا ومصالحَ للطبقة المهيمن عليها، وعلى الرغم مما يدفعونه من تضحيات في ظل النظام التربوي المهيمن، إلا أنهم على الدرب سائرون. وأبسط جهد يبذلونه يظهر بشدة، لأنه يجري لمصلحة الأغلبية، كما أنهم يتميزون بتعامل كفء مع الفكر أخذاً وعطاء. أما المفكرون التابعون للمُهيمنين فمنهم من أرسى قواعد الفكر الرأسمالي، ولكن منهم من يتاجرون بالفكر تحقيقا لمصالح الطبقة المهيمنة. والتاريخ يكشف عن رواد في المجالين .
ومن بين المفكرين الرأسماليين يظهر مفكرون كثيرون أهمهم جون ديوي، كما يظهر في المعسكر الثاني مفكرون كثيرون من أهمهم باولو فريري. وفي مصر ظهر مفكرون يساريون كُثرٌ مثل حامد عمار و نبيل نوفل وعبد الفتاح تركي وشبل بدران وعصام هلال وطلعت عبد الحميد ومحمود أبو زيد وكمال نجيب و كمال مغيث وغيرهم كثيرون.
وعندما نبحث في فكرهم فإننا نكشف عن الفكر التربوي النقدي بجذور مصر/ عربية. وهو يهدف إلى تحقيق العدالة التربوية التي تقوم على العدالة الاجتماعية، وهو فكر ضد رأسمالي تماماً.
هذه نشأة الفكر التربوي الثوري في مصر، وهو ثوري لأنه يهدف إلى استبدال الفكر التربوي الرأسمالي بالفكر التربوي المناصر لجموع الفقراء من الطبقات الشعبية والمنتجة في مصر. وللحديث بقية عن الممارسات في التربية والتعليم.

التعليقات متوقفه