محطة زابوروجيا..أهداف سياسية واقتصادية .. وخطر نووي

موسكو تريد منع أوكرانيا من تصدير طاقة كهربائية لأوروبا لمساعدتها على الاستغناء عن النفط والغاز الروسيين

..وكييف تسعى لتوسيع نطاق الحرب لتشمل دول الناتو وأوروبا

أنشئت محطة زابوروجيا النووية لتوليد الكهرباء بناء على قرار من مجلس الوزراء السوفيتى عام 1977، وفى عام 1979 بدأ العمل فى إنشاء المحطة التى تعتبر الأكبر فى أوروبا من حيث عدد المفاعلات، حيث يبلغ عددها 6، وتولد المحطة حوالى 6 آلاف ميجاوات من الكهرباء موزعة على كل مفاعل 1000 ميجاوات، فى حال عملها بأقصى طاقتها، وهى وصلت لأقصى كمية من الطاقة فى عام 2021 حيث حققت رقمًا قياسيًا وقامت بتوليد 6140 ميجاوات.
دخلت المحطة الخدمة عام 1984 ومن المفترض أن يخرج المفاعل الأول من الخدمة عام 2030، وحتى المفاعل السادس عام 2041. يعمل بالمحطة حوالى 11,5 عامل وموظف واختصاصي.
تقع محطة زابوروجيا للطاقة النووية فى جنوب شرق أوكرانيا المتاخم لمنطقة الدونباس، ومع بدء العملية العسكرية الروسية فى 24 فبراير 2022، وبالتحديد يوم 4 مارس من العام نفسه دخلت القوات الروسية إلى المحطة وسيطرت عليها، وفى 18 مايو 2022 أعلن نائب رئيس الوزراء الروسى مارات خوسنولين أن محطة زابوروجيا سوف تعمل لصالح روسيا إذا رفضت أوكرانيا تلقى الطاقة الكهربائية من المحطة مقابل دفع ثمنها، أى أن روسيا تريد بيع الطاقة الكهربائية المولدة من المحطة لأوكرانيا مقابل ثمن، وهنا بالطبع نوع من الضغط فحتى الآن تستفيد أوكرانيا من الطاقة الكهربية المولدة من المحطة كما هو معتاد.
إنذار خطر
لكن سيطرة القوات الروسية على المحطة ومحاولات القوات الأوكرانية استردادها جعل الموقف ينذر بالخطر من أن تصاب المحطة بأي أضرار ينتج عنها تسرب إشعاعي، خاصة أن أوكرانيا وحتى أوروبا نفسها دفعت ثمناً باهظاً من قبل نتيجة انفجار مفاعل نووي واحد فقط فى محطة تشيرنوبل عام 1986. ومن هنا أعلنت دول أوروبية وحلف الناتو أنه فى حالة حدوث تسرب إشعاعي ووصول إشعاعات لأي من دول الحلف فى أوروبا، فإن الحلف سيفعل المادة الخامسة من ميثاقه والتي تعطيه الحق فى التدخل لحماية أعضائه فى حال تعرضهم للعدوان، ومن هنا كان التحرك الأممي السريع والذى انتهى الأسبوع الماضى بزيارة مدير والوكالة الدولية للطاقة الذرية روفائيل روسى إلى أوكرانيا ولقائه بالرئيس الأوكرانى، ومن قبله عقد مجلس الأمن الدولي جلسة لمناقشة الوضع فى المحطة.
نشاط عسكري
بعد الزيارة صرح مدير الوكالة أنه تمت تلبية مطالبه وشاهد ما طلب مشاهدته، وان العسكريين الروس لم يتحدثوا ولم يتدخلوا، وأضاف جروسى أنه طلب الحديث إلى بعضهم لكنهم لم يستجيبوا أو يعطوه إمكانية ذلك، على أى حال انتهت الزيارة وتركت الوكالة بعض رجالها فى المحطة لمتابعة الموقف، دون نتيجة واضحة ومحددة حول مهمة الخبراء الذين بقوا فى زابوروجيا، وإن كان مدير الطاقة الذرية قد أعرب عن قلقه من النشاط العسكري حول المحطة لكنه لم يحدد من أى طرف ومن يقوم به، لكنه أشار إلى أن المحطة تعمل بشكل طبيعي، وأن هناك تنسيقًا “مهنيا” قد ظهر بين الخبراء الروس والأوكران فى المجال النووي، مشيراً إلى أنهم يعرفون ماذا يفعلون وعن أى شيء يتحدثون.
الرئيس الأوكرانى صب غضبه على مدير الوكالة الدولية للطاقة النووية جروسى، واتهمه بالانحياز للجانب الروسى، وقال إنه طلب منه السماح لصحفيين محايدين بمرافقته لكن الطلب رفض من الجانب الروسى ولم يدعم جروسى الطلب، وكان الرئيس الأوكرانى يتوقع كذلك أن يطلب جروسى إخلاء المحطة من أى مظاهر عسكرية أو قوات من كلا الطرفين، لكن مدير الوكالة لم يتطرق إلى هذا فيما أعرب وزير الخارجية الليتوانى عن قلقه، وطالب بنشر قوات دولية تتمركز فى المحطة. ونفى جروسى أن يكون منحازاً لأى طرف وقال نحن نحترم كافة الأطراف ونستمع إليها جميعاً.
تقرير مفصل
وعد جروسى بتقديم تقرير مفصل عما يحدث فى محطة زابوروجيا بعد أسبوع لأعضاء مجلس إدارة الوكالة، وأشار إلى أن الوكالة ستبقى فى المحطة من خلال خبرائها، طالما كان الأمر يحتاج لذلك، ومن جانبها تناولت وسائل الإعلام الروسية زيارة وفد الوكالة الدولية لزابوروجيا وأعربت عن ارتياحها لزيارة وفد الوكالة للمحطة النووية فى زابوروجيا، وأشار دميترى بيسكوف المتحدث باسم الكرملين عن أن بلاده ما زالت فى مرحلة التقييم لزيارة وفد الوكالة الذرية.
أما ما يتعلق بالقصف الأوكرانى للمحطة قبيل زيارة وفد الوكالة، فإن الهدف منه كما صرح فلاديمير روجوف، عضو مجلس إدارة منطقة زابوروجيا، كان إرهاب وفد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واتهم النظام فى كييف بأنه عن عمد يقوم بتصعيد الموقف قبيل عقد مجلس الأمن لجلسة لمناقشة الوضع فى المحطة، وللحقيقة قامت روسيا بكل ما يلزم فيما يتعلق بقدوم الوفد الأممى للطاقة الذرية الذى ضم 13 من الخبراء يمثلون دول عدة سيبقى منهم ثمانية فى المحطة لمراقبة الوضع حتى إشعار آخر.
هدف سياسى
لنأتي للهدف السياسي من كل ما يحدث أولاً فيما يخص روسيا فإنها تدرك جيداً خطورة وجود القوات فى محطة زابوروجيا، لكنها فى نفس الوقت تريد تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية، وهى منع أوكرانيا من تصدير طاقة كهربائية لأوروبا لمساعدتها على الاستغناء عن النفط والغاز الروسيين، ثانياً روسيا وهى فى حالة نزاع تريد أن تكون مسيطرة على مرفق استراتيجي مثل المحطة النووية، ما قد يجبر كييف على الدخول فى مفاوضات وإن كانت حول المحطة ومن الممكن أن تمتد لتصبح تسوية شاملة للنزاع ككل، وربما أرادت روسيا توجيه إنذار للغرب بوقف المساعدات العسكرية لأوكرانية، ولفت النظر لخطورة الوضع على أوروبا ودول الناتو حتى بدون استخدام سلاح نووى.
ومن ناحية أخرى روسيا تدرك أن إحداث أضرار بالمحطة النووية سيضر أيضاً بسكان الدونباس الذين أتت روسيا نفسها لحمايتهم وقامت بالعملية العسكرية من أجلهم، وحتى من قبيل اهتمام روسيا بسلامة أراضيها وبسكانها فى جنوب غرب البلاد الذين قد يتضررون من الإشعاع وهم قريبون جداً من الحدود الأوكرانية الروسية، هذا بالطبع بخلاف أن الإشعاع قد يصيب دول حليفة مثل تركيا إذا كانت الرياح مواتية، لا أتصور وهى تدرك حجم كارثة تشيرنوبل جيداً، حيث ستظل المنطقة مهجورة لأكثر من ألف عام، ومع ذلك بعد أن سيطرت القوات الروسية على محطة تشيرنوبول فى بداية العملية العسكرية انسحبت، فهل تنسحب من محطة زابورجيا. لكن هل روسيا فى حاجة للطاقة الكهربائية الأوكرانيا، بالتأكيد لا وهناك من أدعى أنها للقرم، وواقع الأمر أن القرم بها فائض من الطاقة الكهربائية بعد أن أنشأت روسيا هناك محطتين حراريتين بالإضافة لمحطة نووية.
توسيع الحرب
على الجانب الأوكرانى تسعى كييف لتوسيع نطاق الحرب لتشمل دول الناتو وأوروبا، وهذا حلمها منذ بداية العملية العسكرية الروسية، لكن الحلف وأوروبا والولايات المتحدة اكتفوا باستقبال النازحين وإمداد أوكرانيا بالسلاح والمعونات الإنسانية والاقتصادية، وعندما عرفت أوكرانيا أن تعرض أى من دول الناتو للإشعاع نتيجة حدوث أضرار بالمحطة النووية سيدفع الحلف للتدخل بدأت فى القصف ومحاولة إخراج القوات الروسية من المحطة بالقوة رغم خطورة ذلك، وكانت تهدف بهذا لضرب عصفورين بحجر واحد وهو إما خروج القوات الروسية من المحطة أو إحداث أضرار بالمحطة وتسرب الإشعاع وتدخل الناتو.
أخر الأوضاع فى محطة زابوروجيا النووية لتوليد الكهرباء تشير إلى توقف إمداد المناطق الخاضعة لأوكرانيا بالكهرباء، وإن كانت حالة الإشعاع فى مستواها الإعتيادى. ومع تقديم مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتقريره الأسبوع المقبل وما سيسفر عنه وجود خبراء من الوكالة لتقديم تقارير يومية عن الحالة من داخل المحطة تبقى أوكرانيا وجنوب غرب روسيا وأوروبا نفسها رهائن لدى محطة زابوروجيا، إلى إشعار آخر.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy