ضد التيار
شهوة التجريس
أمينة النقاش
والتجريس فى قاموس اللغة كلمة تعنى التنديد والتشهير والفضح علنًا لعيوب الأشخاص ونقائصهم. ومن الواضح أن الكلمة مأخذوة من جرس الصوت. وكان التجريس عقوبة يحددها القضاة والسلاطين والأمراء فى تاريخ مصر الفاطمية والمملوكية والعثمانية، وربما فى غيرها من الإمارات الإسلامية. وحين يحكم القاضى على السارق، أو خائن الأمانة، أو من يغش فى الميزان أو يختلس، يجبر المتهم على امتطاء الحمار والسير به ووجهه المدهون بالزفت أو الجير عكس اتجاه السير، وتعلق فى رقبته جلاجل –وهى أجراس صغيرة توضع على رأس الدواب– لتحدث صوتا مرتفعا يجلب الانتباه لفضح المتهم على الملأ أثناء المرور به فى الشوارع والحارات، ولهذا شاع القول فضائح مجلجلة أو فضيحة بجلاجل.
شىء يشبه كل ما سبق، حدث مع الفنانة «منة شلبى» من قبل نشطاء على وسائل التواصل الاجتماعى والمليشيات الإليكترونية لتيار الإسلام السياسى، الذين لا شغلة لهم سواها، ويقودون حملة على الفن والفنانات، فضلا عن صحف التشهير والإثارة.
والفرق بين التجريس وما حدث مع «منة شلبى» أن الأول كان يتم بحكم القاضى، أما الثانى فقد نصب بعض هؤلاء من أنفسهم قضاة ومفتين ودعاة أخلاق، وأصدروا الحكم فيما نسب إليها من تهم، وأوغلوا فى تفسيره بفحش وشهوة عارمة فى التشفى، ونفذوا العقوبة، بتشهير غير مسبوق بها، قبل أن تبدأ النيابة العامة قول كلمتها، فى الجريمة المنسوبة إليها.
أما أسخف استغلال لهذه القضية، فقد جاء من مناضلى الفنادق فى الخارج، الذين فتشوا فى صناديق القمامة، ليخرجوا منها ما فى عقولهم ونفوسهم، المريضة، وما فى جيوب مصالحهم، لكى يتهموا به الحكومة المصرية بتلفيق تلك القضية لمنة شلبى، وهم يزعمون الدفاع عنها. وحين أفرجت النيابة عنها بكفالة وفقا لأحكام القانون، غيروا مواقفهم بسرعة البرق، كما هى العادة، واتهموا النيابة بالكيل بمكيالين!. وبعض هؤلاء ينتمون لجماعة الإخوان والتيار الإسلامى، ممن يحرمون الفنون، كل أنواع الفنون، ألم يحطموا التماثيل، ألم يضعوا «إسدال» على تمثال «أم كلثوم» ألم يخرجوا فى مظاهرات حاشدة تخرب وتحرق وهى تدعو للجهاد الإسلامى، وتكفر الفنان فاروق حسنى وتطالب برأسه، لنشر وزارة الثقافة رواية وليمة لإعشاب البحر قبل سنوات؟!.
مصر دولة قانون، والتهم التى تم توجيهها للفنانة «منة شلبى» طبقا لبيان النيابة العامة هى إحراز مواد مخدرة بشبهة التعاطى، وهى تهمة لا يستوجب حبس المتهم بها احتياطيا، أو إجراء تحليل مخدرات لمن توجه إليه، ويخلى سبيله لحين إتمام المحاكمة.
وطبقا للمادة 39 من قانون العقوبات، فإن الحبس لمدة عام، ودفع غرامة مالية قدرها ألف جنيه.ولا تزيد عن ثلاثة آلاف جنيه، هى العقوبة التى تنتظر من يتهم بها، وترتفع إلى عامين فى حال كانت المواد المخدرة كوكايين أو هيروين.وبذلك فإن النيابة العامة، لم تمنح منة أى اسثناء حين أخلت سبيلها بكفالة. لكن العدالة تقتضى أيضا فتح تحقيقات فورية مع الجهات المسئولة، التى سارعت بتفاخر مشين، بنشر صور المضبوطات ونشر صورة جواز السفر الخاص بها والذى يحمل بياناتها الشخصية، وبينها عنوان سكنها، بما يشكل مساسا بحقوقها الإنسانية، ويجعل من التشهير أمرا مقصودا، يعتدى بغير مسئولية على حريتها الفردية.
وبعيدا عن الصائدين فى المياه العكرة، ممن يشتهون التشهير بخلق الله، إرضاء لما يعترى نفوسهم من أمراض نفسية، يترافق فيها جنبا إلى جنب، لإحساس بالعظمة مع الدونية، ومع من يسعون لتصفية الحسابات معها، لشجاعتها بأداء بطولة ملسلسل رمضان الفائت “بطلوع الروح” الذى وجه ضربة قاصمة، لتنظيم داعش وإخوانه، وكشف بمهارة، التضليل الذى يروجون له، فإنه خلال نحو عشرين عاما، هى رحلتها فى مجال التمثيل، لم يعرف أحد عن “منة شلبى ” سوى فنها الذى تتجلى فيه موهبتها الكبيرة، لتصبح نموذجا فذا للأداء التمثيلى الصادق، الذى يظهر الحيوية وقوة التعبير، والقدرة على الإقناع. وينطوى كذلك على الحساسية والبساطة والعمق، وكفاءة رفيعة المستوى على الايحاء والتقمص والتنوع، جعل منها واحدة من أفضل ممثلات جيلها.هذا بجانب أن اداءها فى الفضاء العام خارج مجال التمثيل، اتسم بلطف وفطنة وثقافة واستقامة فى رؤيتها الحياتية، لاتخطئها العين.
وأيا كان ما سوف يؤل إليه الحال، فهو عثرة الشطار، من الحساسين من البشر، ممن يبذلون جهدا بشريا غير عادى بالقياس لغيرهم، ويتحملون ضغوطا عاتية، فى مهنة قاسية لا ترحم، لكى يؤدوا عملهم بنجاح، لاسيما إذا كانوا من الفنانين الموهوبين، الذين يعيشون دائما بأعصاب مشدودة، لكى يواصلوا الإتقان والبقاء فى قلب المشهد، فتحدث العثرات بعدما يلوح «أن التدابير، لاتغنى عن قدر».
ويا نوارة السينما المصرية “منة شلبى” لن تتأثر مكانتك الراسخة فى قلوب محبيك وعاشقى فنك، وعارفى فضلك. وستزول الغمة، لتعودى إليهم لمواصلة دورك فى إشاعة البهجة، وإضاءة ظلام الحياة.

التعليقات متوقفه