فجوات رقمية ولا ضوء فى نهاية النفق ​​

12

أتاحت لى مشاركتى فى متابعة فعاليات المؤتمر العالمى لمنظمى الاتصالات ITU GSR 2023 الذى استضافته مصر مؤخرا فى الفترة من 5 إلى 8 يونيو الجارى فهما أكثر لمدى خطورة توسع الفجوة الرقمية، أو بالأحرى الفجوات الرقمية المتعددة التى يعانى منها العالم بأشكال مختلفة.

وأثار إعجابى إصرار الأمينة العامة للاتحاد الدولى للاتصالات دورين بوجدان، على إثارة هذه القضية أكثر من مرة خلال مداخلاتها المتعددة  خلال فعاليات المؤتمر، إذ عبرت عن شديد قلقها من تزايد اتساع تلك الفجوات، وتشديدها على ضرورة التوصل إلى حلول ناجعة للقضاء عليها، عندما أشارت إلى أن حوالى 2.7 مليار نسمة (من أصل أكثر من 8 مليار نسمة) أى ما يزيد على ثلث سكان العالم، لم يتصلوا بالإنترنت مطلقا على الرغم من الجهود المبذولة لتوصيلهم، مما يجعل معالجة تحديات توصيل هؤلاء ووضع الحلول الملائمة لربطهم بالعالم الرقمى تحديا متناميا فى عالم يتسم بالتحرك المحموم نحو اقتصاد المعرفة، وتكتسب فيه التقنيات الرقمية أهمية حاسمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وإذا كان الاتحاد الدولى للاتصالات والحكومات والمنظمات الدولية والمحلية المعنية بمواجهة تلك الفجوات يسعون بكل قوة وإصرار مستهدفين التوصل إلى تصورات قابلة للتطبيق لعلاج تلك الفجوات، إلا أن الأمور على أرض الواقع تؤكد أن الفجوات تزداد عددا، واتساعا، فهناك فجوة أساسية بين سكان العالم من المتصلين بالشبكات وغير المتصلين، وفجوة بين الدول الأعلى نموا، ونظيرتها الأقل نموا. وهناك فجوات عديدة داخل الدول نفسها سواء كانت من الدول الأكثر تقدما أو الأقل تقدما، فجوات بين المواطنين ذوى الدخل الأعلى ونظرائهم ذوى الدخل المنخفض، وبين المناطق الحضرية والريفية، وبين المناطق المركزية والمناطق النائية، وبين نسب استخدام الذكور والإناث، وبين نسب استخدام الشباب والكبار، وبين المواطنين الأكثر مهارة والأقل مهارة فى التعامل مع الأدوات التقنية. وتختلف أسباب وطبيعة الفجوات طبقا لظروف كل مجتمع وأوضاعه الاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية.

وبكل أسف لا تعطينا تقارير الاتحاد الدولى للاتصالات، ومن بينها التقرير الذى يحمل عنوان: “حقائق وأرقام: التركيز على أفل البلدان نموا” الصادر فى مارس 2023، أى أمل لظهور بارقة ضوء فى نهاية النفق، بل تؤكد أنه: “لا توجد بارقة أمل لتضييق الفجوة التوصيلية الرقمية التى تفصل أقل البلدان نموا عن بقية العالم، لأن الفجوة تتسع، فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من زيادة نسبة السكان في أقل البلدان نموا الذين يستعملون الإنترنت منذ عام 2011 من 4 % إلى 36 %، إلا أن حوالي ثلثي سكان أقل البلدان نموا لا يزالون غير متصلين بالإنترنت، نظرا لأن تلك البلدان تواجه العديد من الحواجز أمام تحقيق أهدافها ومن بينها الافتقار إلى البنية التحتية، وعدم القدرة على تحمل تكاليف التوصيل، والافتقار للمهارات. كما زادت الفجوة بين أقل البلدان نموا وبقية العالم فى نسبة الأشخاص الذين يستخدمون الإنترنت من 27 % في عام 2011 إلى 30 % في عام 2022”.

وتشير آخر طبعة من تقرير: “حقائق وأرقام”، وهو التقرير السنوى المعنى باستعراض حالة التوصيلية الرقمية على مستوى العالم إلى أن تكلفة استعمال خدمات الإنترنت قد انخفضت في جميع أنحاء العالم في عام 2022، بينما يؤكد التحليل الخاص الذي أجراه الاتحاد الدولى للاتصالات لعرضه أمام مؤتمر الأمم المتحدة الخامس (الدوحة (1) فى مارس 2022 والدوحة (2) فى مارس 2023) المعني بأقل البلدان نموا أن الوصول إلى الإنترنت فى تلك الدول أكثر تكلفة منه في أي مكان آخر في العالم.

وأنقل بالنص بعضا من النتائج الأخرى التي توصل إليها تقرير: “حقائق وأرقام: التركيز على أقل البلدان نموا، مايلى:

(1) لا تزال الفجوة الرقمية بين الجنسين في أقل البلدان نموا كبيرة ولا تتقلص. و

(2) ما يقرب من نصف الشباب فقط فى أقل البلدان نموا (من عمر 15 إلى 24 عاما) موصولون بالإنترنت في عام 2022، و

(3) ما يزيد قليلا على ربع سكان المناطق الريفية فى أقل البلدان نموا موصولون بالإنترنت في عام 2022.

ويمكننى أن أضيف أنه وعلى الرغم من الجهود التى تبذلها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والهيئات المعنية فى مصر لتضييق الفجوة الرقمية من خلال التوسع فى البنية التحتية، وتعليم مهارات التعامل مع التقنيات الحديثة، وتمكين المرأة، والشباب، وغيرها من الجهود تواجه تحديا كبيرا بسبب الأوضاع الاقتصادية التى يعيشها المواطنون نتيجة سياسات تحرير سعر الصرف، وبالتالى انخفاض القدرات الشرائية للمواطنين بشكل حاد. فعلى سبيل المثال تغيرت أسعار صرف الدولار الأمريكى عدة مرات مقابل الجنيه المصرى على مدار السنوات الأخيرة، ففى مارس 2015 كان سعر صرف الدولار 7.55 جنيه مصرى، وفى مارس 2021 وصل إلى 17.5 جنيه، وفى فبراير من العام الجارى 2023 وصل إلى أعلى من 30 جنيها بالسعر الرسمى. وبحسبة بسيطة يظهر بوضوح أن شراء جهاز كمبيوتر أو هاتف ذكى بمتوسط سعر 1000 دولار كان يكلف حوالى 7550 جنيه فى مارس 2015 فأصبح يكلف حاليا أكثر من 30000 جنيه، مما يعطى مؤشرا واضحا على أن السياسات الاقتصادية تعتبر أحد أخطر التحديات التى تعوق تمكين المواطنين رقميا، بل، وتلقى بأعداد متزايدة منهم إلى قلب الفجوة الرقمية. ولا شك أن على الحكومة المصرية أن تبحث عن حلول لتمكين المواطنين من تجاوز هذه الأزمة والبحث عن طرق لتمكينهم من تلافى الوقوع فيها من خلال اقتراح برامج ومشروعات تمويلية تساعدهم على تجاوز آثار الأزمة، أو على أقل تقدير تقلل من وقوع من كانوا قادرين فأصبحوا غير قادرين فى هوتها السحيقة.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy