محمود دوير يكتب:” أولاد الأرض” …. ثنائية السلاح والسمسمية

21

*بقلم محمود دوير

” غني يا سمسمية .. لرصاص البندقية ” هذه هى ملخص تجربة ملهمة انصهر فيها الفن مع صوت الرصاص وتغنت الكلمات لصرخات الجنود على جبهة القتال فمع احتفالات اليوبيل الذهبي بنصر أكتوبر والعيد القومي لمدينة الصمود والمقاومة يوم 24 أكتوبر 1973 ذلك اليوم الذى شهد انتصار المقاومة الشعبية تساندها قوات من الجيش والشرطة، على القوات الإسرائيلية بقيادة “شارون ” المتسللة عبر ثغرة” الدفرسوار”فى محاولة بائسة لدخول المدينة واحتلالها وذلك لعمل ضغط على القيادة العسكرية المصرية.

وقد شهدت المدينة منذ اليوم التالي لهزيمة يونيو 1967 أعظم البطولات الشعبية وضربت أروع الأمثلة فى المقاومة بكل أشكالها وقدمت ملحمة عسكرية يتوقف عندها المحللون بكل إجلال وتقدير وكان يقف فى الصفوف الأولى تجربة ” أولاد الأرض ” التي لم تكن أبدا مجرد فرقة موسيقية عادية بل كانت منذ نشأتها على يد مؤسسها الشاعر والمغنى “الكابتن غزالى ” .

لم تكن “أولاد الأرض” مجرد فرقة موسيقية تقدم الموسيقى والغناء بقدر ما كانت حالة مقاومة صارخة ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، وقد انطلقت من مدينة السويس لتصبح صرخة لحث الناس على الصمود خلال حرب الاستنزاف، ولعبت دوراً بارزاً في ذلك واستطاعت حشد عدد كبير من شعراء مصر وفنانيها ورموزها الوطنية حولها، وشاركوها في صرخةٍ مدويةٍ ومشروعٍ فنىٍّ شديد الغِنَى والطزاجة، واختلطت لدى “أولاد الأرض” السمسمية بالبندقية، وتداخلت أصوات البندقية مع ألحان التراث، وكلمات الشعراء مع خنادق الغارات المعادية والعمليات الفدائية ضد المحتل، كتب أغنيات “أولاد الأرض” عددٌ كبير من الشعراء من بينهم: “عبدالرحمن الأبنودي” و”زين العابدين فؤاد” وكانت كلمات “الكابتن غزالي” هي الأكثر بين أغنياتهم التي تجاوزت 500 أغنية خلال فترة حرب الاستنزاف حتى نصر أكتوبر، وركزت الفرقة على عدد محدود من الآلات البسيطة وبالأساس فإن آلة السمسمية كانت حاضرة بقوة في كل الألحان المقدمة، والتي تمثل حالة موسيقية تراثية لدى سكان مدن قناة السويس.

 ويعود تأسيس الفرقة إلى “الكابتن غزالي” وهو من مواليد أبنود بصعيد مصر في 1928، كان موظفاً بمديرية الصحة بالسويس ومتعدد المواهب: شاعر، رسام، ورياضي حيث كان المدرب الرسمي لاتحاد المصارعة بالسويس.

هو الفدائي ذو التوجه اليساري، فنان تشكيلي لديه مرسم بمدينة السويس، أسمر البشرة، قصير القامة، كتب وغنى معظم أغاني أولاد الأرض، ويعد الحارس الأول على تراث السمسمية بمدينة السويس بعد رائدها “عبدالله كبربر”.

أدى “غزالي” دوره الوطني إلى جانب رفاقه من أفراد المقاومة الشعبية؛ فقاموا بالمساعدة في تجميع الجنود المشتتين، وساعدوا الجرحى، وقاموا بتوصيل الذخيرة للجنود، وتطوع في المقاومة الشعبية للدفاع عن مدينة السويس، وهو الذي أطلق على التجربة اسم “ولاد الأرض”، بعد أن كانَ اسمها “بطانية ميري”.

ويعود ذلك إلى أنه في الأيام الأولى كانت المجموعة تجلس كل ليلة على البطانية الرصاصي الميري المفروشة على أرض الخندق؛ ليجلس عليها المنشدون، والذي يرددون معهم كلمات الأغاني لذا كانت تُسمى في البداية “بطانية ميري”، وضمت الفرقة منذ بدايتها عدداً من الشعراء والموسيقيين بينهم: “عبدالرحمن الأبنودي”، و”محمد حمام” والملحنين “إبراهيم رجب” و”حسن نشأت” والمطرب “محمد العزبي”، وكانت الأغنية لدى أولاد الأرض حاضرةً لشحذ الهمم وبث روح الأمل والتخلص من آثار الهزيمة.

ضمت الفرقة عدداً من هواة الموسيقى لم يعرف أحدهم قبل ذلك أبواب الاحتراف، قبضوا على تراثهم الفني، وعزفوا على آلاتهم القديمة، وجاءت كلمات أغنياتهم تصف الحالة وتفتح أبواب الأمل نحو النصر وتجاوز الهزيمة، ومن أشهر أغنيات الفرقة تأتى أغنية “غنى يا سمسمية ” :”

” غني يا سمسمية … لرصاص البندقية … ولكل إيد قوية …

حاضنة زنودها المدافع … غني للجنود …

سمير وعلي ومسعود … وغباشي لجل يعود

وفي إيده النصر ليا.. غني ودقي الجلاجل

 مطرح ضرب القنابل.. راح تطرح السنابل

ويصبح خيرها ليا “

تلك الأغنية التي تمثل أحد أشهر أعمال الفرقة، وحظيت بانتشار واسع داخل وخارج مصر، كما قدمت أولاد الأرض عقب النكسة مباشرة أغنيتها الملحمية :

“بينا يلا بينا … نحرر أراضينا

وعضم اخواتنا …

 نلمه نلمه … نسنه نسنه

ونعمل منه مدافع

وندافع

ونجيب النصر هدية لمصر

ونكتب عليه أسامينا “

كانت السويس خلال حرب الاستنزاف – بفضل الدور الذي قامت به المقاومة الشعبية والحالة المبهرة التي صنعتها فرقة أولاد الأرض – قبلة لكل المثقفين والمبدعين من مصر ومن كل الدول العربية.

 الأديب “جمال الغيطاني” الذي تعرف على الفرقة أثناء عمله كمراسل حربي لصحيفة الأخبار على الجبهة، والشاعر “أمل دنقل” الذي تابع بشغف شديد أعمال الفرقة، وكتب أحد أشهر قصائده التي حملت اسم المدينة “السويس”، عام 1969، كما كانت زيارة الشاعر الفلسطيني “محمود درويش” مدينة السويس برفقة عدد من المثقفين المصريين حدثاً مهماً للتعبير عن تضامنهم مع المقاومة الشعبية.

وجذبت الفرقة الشاعر “عبدالرحمن الأبنودي” الذي كتب كلمات أنشودة “يا بيوت السويس” التي تغني بها الفنان “محمد حمام”، وغنت “فايدة كامل” بأنشودة الفرقة “فات الكتير يا بلدنا” التي كتبها “كابتن غزالي”، وغنى الفنان “محمد قنديل” بأنشودة “يا ريس البحرية” من كلمات “كامل عيد”، وتغنت المجموعة بأغنية “أشجع جنود” للشاعر “عطية عليان” وغنى “سمير الإسكندراني” أغنية “برج الحمام “.

ساهم العديد من شعراء السويس إلى جانب “كابتن غزالي” في كتابة أغنيات وقصائد فرقة “ولاد الأرض” كان من بينهم الشاعر “عطية عليان”، والشاعر “كامل عيد”، والشاعر “عبدالعزيز الظاهر” كما ساهم الشاعر “زين العابدين فؤاد” بخمس أغنيات للفرقة من بينها أنشودة “يا برتقال أخضر وجديد”، في 1970 رحل “ناصر” ولاتزال الأرض مسلوبة والنصر لم يتحقق رغم بطولات حرب الاستنزاف، ويخلفه “أنور السادات” وجاء قراره بسحب الأسلحة من المقاومة الشعبية في كل مدن القناة وتسريح أفرادها؛ بمثابه طعنة لكل من عرف طعم الفداء في صفوف المقاومة الشعبية، وفى مقدمتهم “الكابتن غزالي” الذي رفض ذلك وعبر عن رفضه بشكل واضح ومعلن، وحمل “السمسمية” واصطحب فرقته وجاب المدن والجامعات يغنى ويحلم بالخلاص من المحتل، ويعلن أيضا موقفه الرافض لتسريح المقاومة الشعبية وهذا ما أغضب “أنور السادات”.

في مارس 1973 تم اعتقال “الكابتن غزالي” شاعر المقاومة وقضى عدة أشهر؛ ثم يفرج عنه وتقرر السلطات تحديد إقامته في محافظة القليوبية، وعدم السماح له بدخول مدينة السويس، وعاد “غزالي” إلى أحضان مدينته في بداية عام 1974 ليكمل مسيرة طويلة وحافلة بالعطاء مع فرقة “أولاد الأرض” التي حفرت اسمها في تاريخ المقاومة وساهمت بقدر كبير في مرحلة المقاومة، وظل “غزالي” قابضاً على جمر أفكاره الوطنية التي عبر عنها في كل أعماله ؛ سواء كشاعر أو رسام وخطاط أو مناضل في صفوف الحركة الوطنية والمقاومة المسلحة للاحتلال حتى رحل فى  أبريل 2017.

ورغم أن “أولاد الأرض” ولدت في أحضان حالة مقاومة عارمة، وكانت نتاجاً لظرف عام داعم لهذا النوع من الفنون، إلا أنه حلق بعيداً عن الأغنيات الوطنية المعدة سلفاً أو المعلبة ذات الطابع الرسمي، أو المرتبطة بالمناسبات، وغرد من الميدان، وغنى بين الجنود ومنهم، وعزف لحن المقاومة الشعبية في كل مدن القناة وخط المواجهة، كان خارج السرب بطريقة أدائه ومفرداته وربطه الحقيقي والواقعي بين الفن والنضال.

التعليقات متوقفه