حوار ..د.جودة عبد الخالق:درس أكتوبر ..خضنا حرب الاستنزاف وأعادنا بناء القوات المسلحة بالكامل.. ولم تتأثر المؤشرات الاقتصادية

19

هناك شواهد على تدخل حكومى غير مبرر فى الانتخابات الرئاسية

تحتاج إلى مراجعة دور الأمن فى الحياة السياسية خاصة فيما يتعلق بالنقد وحرية التعبير

ضرورة إعادة النظر فى الحبس الاحتياطي فلدينا ترسانة قوانيين لمحاسبة كل من يخطئ

آن الأوان لإعادة تمركز القوات المسلحة فى المنظومة الاقتصادية

بيع الأصول والأراضى لن يحل المشكلة الاقتصادية .. بل سيعمقها

الحكومة استسلمت لصندوق النقد والبنك الدوليين .. وداخليا للتجار والمحتكرين

إذا لم يحدث تغيير في  السياسات الحالية ستكون الأمور أكثر صعوبة خلال السنوات الست المقبلة

وضع حد للانفلات المخيف فى الأسعار ..وإلا ستكون مقدمة لثورة جياع

قضية المياه حياة أو موت لمصر .. ولم أسمع أن مجلس الأمن القومى ناقش سد النهضة

الدولة تسير فى بيع وتصفية الشركات .. وليس دعم وتطوير الصناعة

تخفيض الجنيه يضر الاقتصاد والمواطن .. ويحقق مكاسب للأموال الساخنة ومشتري الأصول المصرية

 

حوار: حسين البطراوي

«يمتلك خبرة سياسية واقتصادية تكونت عبر عشرات السنين من العمل السياسي والأكاديمي..شغل العديد من المناصب ..فهو أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة وأمين اللجنة الاقتصادية بحزب التجمع، كما شغل منصب وزير التموين.. إنه د. جودة عبد الخالق».

يطرح د. جودة رؤيته للمشهد السياسي والاقتصادي مع بدء الانتخابات الرئاسية .. يرى أن حل الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي نعيشها تحتاج إلى تغيير جذري في التوجهات والسياسات، ويطالب بإستراتيجية للإصلاح وسياسات رشيدة وإجراءات ناجزه، ومسئولين على مستوى الحدث. بالإضافة إلى آلية للمحاسبة والمساءلة، ويحذر من استمرار السياسات القائمة التى ستقود البلاد إلى كارثة ما لم يحدث التغيير. ويطالب بإجراء مراجعات سياسية واقتصادية للأوضاع الحالية، وتحديد موقف المرشحين على مقعد الرئاسة من القضايا المهمة .. فإلى نص الحوار.

ونحن نحتفل باليوبيل الذهبي لحرب أكتوبر ..ماذا يشكل هذا اليوم بالنسبة للمصريين؟

يحمل الاحتفال باليوبيل الذهبي لانتصارات أكتوبر دلالات ورموز لدى المصريين، فالنصر أزاح كابوس الهزيمة المريرة فى 1967 من ناحية، ومن ناحية أخرى اقتصاديا برهن بشروط أنه يمكن أن تخوض الحرب وفى الوقت نفسه أن تحافظ على التوازنات الاقتصادية، وما أحوجنا الآن أن نعي هذا الدرس البليغ، فقد خضنا حرب الاستنزاف على مدار ست سنوات حتى حرب أكتوبر، بالتزامن مع إعادة بناء القوات المسلحة بالكامل، وهو ما يؤكد أنه يمكن للمجتمع خوض حرب طويلة والحفاظ على المؤشرات الاقتصادية، فالأسعار كانت فى تناول الجميع ولم تنخفض مستويات المعيشة للمواطنين بدرجة ملحوظة مقارنة بالدول التى خاضت على سبيل المثال الحرب العالمية الثانية، فحجم الدين العام المصري بنهاية حرب أكتوبر لم يتجاوز 2 مليار دولار، ولم يشكل هذا الدين مشكلة للاقتصاد المصري فى ذلك الوقت.

أما وأن انطلق قطار الانتخابات الرئاسية .. كيف ترى المشهد حاليا؟

هناك عدة ملاحظات مهمة، أولا تجري الانتخابات هذه المرة فى وقت ضيق مقارنة بالانتخابات التي عقدت بعد ثورة يناير، انتخابات 2104 و21.8، خاصة بعد منح المواطنين بالخارج الحق في المشاركة في الانتخابات الرئاسية والتى ستجري في أكثر من مائة دولة، وهو ما يتطلب إتاحة الفرصة للمرشحين لعرض برامجهم الانتخابية، وأيضا للشعب الذي سيقرر من ينتخب، فمن حقه أن يتعرف على أفكار وخطط ونوايا المتنافسين، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى هناك شواهد على تدخل حكومي في مجريات الأمور، ولا يجوز السكوت عليها، هذه التدخلات غير المبررة ترقى إلى مرتبة  تزوير إرادة الناخبين، وبالتالي أخشى أن يأتي وقت يطعن فيه أحد في نزاهة وسلامة الانتخابات، وبالتالي نتيجة الانتخابات.

وأتمنى أن تكون الانتخابات فرصة للعديد من المراجعات من واقع التجارب السابقة، خاصة أن مجلس أمناء الحوار الوطني اتخذ قرارا بتعليق الحوار إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية واستئناف الحوار بعد ذلك.

وما المراجعات التى ترى أنها مهمة في الوقت الحالى؟

هناك العديد من الأمور التى تحتاج إلى مراجعة خلال الفترة الحاليةـ أولا سياسيا، فنحن نحتاج إلى مراجعة دور الأمن في العملية السياسية، خاصة فيما يتعلق بحرية النقد والتعبير، وفي تقديري دوره كبير جدا، وهو تدخل ضار بالحياة السياسية, وهنا أتوقف عن قضية الحبس الاحتياطي، وأدعو المتنافسين، وفي مقدمتهم الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى أن يكون الحبس الاحتياطي أحد القضايا المهمة في برامجهم الانتخابية.

فنحن لدينا ترسانة من القوانين التى يمكن أن تحاسب على أساسها كل مواطن مصري أخطأ، وبالتالي ونحن نتحدث عما يسمى بـ « الجمهورية الجديدة» القائمة على احترام حق المواطن، فيجب أن يحاسب في إطار القانون، وبالتالي لابد من وضع حد للحبس الاحتياطي.

تحدثت عن الملف السياسي.. فماذا عن الملف الاقتصادي.. هل يحتاج إلى مراجعة أيضا؟.

بالتأكيد يحتاج إلى مراجعة، وأهم نقطة فى الملف الاقتصادي، هي وضع حد لهذا الانفلات  المخيف في الأسعار، وأعلم كاقتصادي أن الموضوع متشعب، ولكنه ليس لغزاـ إنما الفكرة أن الحكومة سلمت لجماعات المصالح خارجيا صندوق النقد والبنك الدوليين، وداخليا للتجار والمحتكرين.. وللأسف هذه هى القضية.

النقطة الثانية فى الملف الاقتصادي، برنامج الطروحات، الآن ليس بيع الشركات فقط بل الأراضي بالدولار، وكم أحزني أن الحكومة تجتمع وتناقش وتتخذ قرارًا ببيع الأراضي بالدولار، هذه مأساة فى التفكير والرؤية السياسية. فبيع الأصول ليس هو الحل، فبعد البيع الأمور ستكون أكثر بؤسا مما كانت عليه من قبل.

والنقطة الأخيرة في الملف الاقتصادي التى تحتاج إلى مراجعة فورا، وهي دور القوات المسلحة في الاقتصاد، فقد آن الأوان لإعادة تمركز القوات المسلحة في المنظومة الاقتصادية. فنحن اليوم نحتفل بمرور نصف قرن على انتصارات أكتوبر، وأسجل هنا تقديري للقوات المسلحة المصرية، والتي كانت متسلحة بالإيمان بالنصر وتركز في التدريبات والمهام القتالية، وهي الآن منشغلة بأعمال خارج نطاق المهام القتالية. ولو كان حدث ذلك أثناء سنوات حرب الاستنزاف وصولا إلى حرب أكتوبر لكانت نتيجة الحرب مختلفة تماما، ولو رجعنا للوراء نجد أن هزيمة 67 تعود فى أحد أسبابها إلى أن القوات المسلحة لم تركز في أداء مهامها القتالية وكانت منشغلة في التسابق على مجالس الإدارات.

من السياسة والاقتصاد إلى الأمن القومي.. فما القضايا الشائكة التى تحتاج إلى مراجعة أيضًا من وجه نظرك؟

قضايا الأمن القومي قضايا شائكة جدا خاصة لمصر، ومن أهم هذه القضايا قضية سد النهضة،  فلدينا مشكلة أمن غذائي حادة، وفي مجال الأمن المائي مصر بين الفقر والشح المائي، فنصيب الفرد في مصر 500 متر مكعب سنويا، أى أقل من خط الفقر المائي المقدر بألف متر للفرد سنويا، وبالتالي بدأت مصر تدخل في مرحلة شديدة الخطورة. ولولا الخزان المائى أو البنك المائى، بحيرة ناصر والتى تغير اسمها إلى بحيرة السد، لكان الأمر أكثر سوءا.

هنا أذكر مرة أخرى أننا بدأنا بناء السد عام 1960 وانتهينا منه 1969، ومعنى ذلك أننا كنا نحارب ونعمل أكبر مشروع قومي عرفته مصر وهو السد العالي، ويمكن أن نقارن ذلك أيضا ونحن نحارب الإرهاب في سيناء استطاعت الدولة أن تحقق تنمية في سيناء.

أعود وأؤكد أن قضية المياه حياة أو موت بالنسبة لمصر، وجزء كبير منها أكثر حساسية وهو سد النهضة، وحقوق مصر كدولة مصب، ونشهد في هذا الملف الحيوي مراوغات لا نهاية لها لأحد الأطراف (أثيوبيا)، ومصر وقعت على اتفاق المبادئ عام 2015 مما يحصن حقوقها المائية.

الغريب أنني لم أسمع أن مجلس الأمن القومي الذي أنشأ بنص دستور2014 المادة 205 قد انعقد لمناقشة هذا الملف الحيوي، وهنا يجب على المتنافسين على مقعد الرئيس، وفي مقدمتهم الرئيس السيسي، الأقرب بالفوز بالمنصب، أن يعرضوا رؤيتهم حول هذا الملف الحيوي.

« التجمع» أيد انتخاب الرئيس السيسي لفترة جديدة.. كيف تقرأ بيان الحزب؟

في تقديري أن بيان التجمع الصادر ينطوي على بعض النقاط الإيجابية، لكن تأييد انتخاب الرئيس السيسي لفترة ثالثة جاء خاليا من التأكيد على بعض الأمور المهمة بالنسبة لمجمل السياسات المصرية، خاصة السياسات الداخلية في مجال إدارة الشأن العام، وحقوق المواطنين، ففي الاقتصاد على سبيل المثال، إذا صارت الأمور كما هي دون أحداث تغيير، ستكون مصر أمام وضع صعب في السنوات الست المقبلة.

تقول «إذا لم يحدث تغيير فى السياسات الحالية ستكون الأمور صعبة في السنوات الست المقبلة».. لماذا؟ 

بل ربما تكون أكثر صعوبة على مصر، حاليًا الحكومة والرئيس السيسي من الأرجح أن يتولى منصب الرئاسة في الانتخابات المقبلة، وبتشكيل البرلمان الحالي والقادم، فأنا لا أتوقع أن بحدث تغيير جذري في السياسات المطبقة الآن، وأن كنت أتمنى وألح أن يحدث هذا التغيير.

فمثلا الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، فمنذ توقيع الاتفاق فى 2022 وهناك صراع بين الحكومة والصندوق، وتم تأجيل المراجعة الأولى التى كان من المقرر لها مارس الماضى بناء على طلب الحكومة المصرية، ودمج المراجعة الأولى والثانية معًا والمتوقع أن تعقد أن بعد الانتخابات الرئاسية، أما أن تعيد الحكومة التفاوض مع الصندوق وهو ما أشك فيه، والأقرب تأجيل بعض الإجراءات مثل تخفيض الجنيه لحين الاستعداد لهذا الإجراء. أو إصرار الصندوق على التخفيض.

هنا أشير إلى أن تخفيض الجنيه له العديد من السلبيات وبعض الفوائد خاصة للأموال الساخنة ومن يريدون شراء الأصول المصرية التى ستخفض قيمتها بعد تخفيض قيمة الجنيه.

والمفترض طبقا لعلم الاقتصاد أنه يتم اللجوء إلى تخفيض قيمة العملة لمعالجة عجز الميزان التجاري، أى الفجوة بين الصادرات والواردات، وبالتالي تزيد الصادرات لانخفاض أسعارها، وتنخفض الواردات لارتفاع أسعارها، لكن هذا لا يتحقق إلا بشروط المرونات، أى مرونة عرض الصادرات والطلب على الواردات، أى زيادة عرض الصادرات نتيجة انخفاض سعرها، وانخفاض الطالب على الواردات نتيجة ارتفاع سعرها، وهذا لا ينطبق على مصر نتيجة السياسات التى تم تطبيقها منذ أكثر من خمسين عاما باعتماد الإنتاج على استيراد مستلزمات وآلات الإنتاج من الخارج. مثل صناعة السيارات والسلع الهندسية والسلع الغذائية، فمصر تستورد 85% من زيت الطعام، و50% من القمح، و90% من الفول على سبيل المثال، والسلع الوحيدة التى بها اكتفاء ذاتي هى الأرز.

فمن المفترض أن من يتفاوض مع صندوق النقد الدولى أن يؤكد لمسئولى الصندوق أن تخفيض الجنيه سيضر الاقتصاد المصري، وليس له جوانب إيجابية إلا للأموال الساخنة ومشتري الأصول المصرية التى ستنخفض أسعارها.

ثانيا: فى مجال الأسعار الحكومة تتخذ من الإجراءات التى ترفع الأسعار فى شكل ضرائب ورفع أسعار الخدمات كالمياه والكهرباء والتعليم أو تخفيض قيمة الجنيه، وتكتفى بالتصريحات« نحن نكافح الغلاء».. والواقع أن المواطن يشتري السكر بـ 42 جنيها، وهناك ارتفاع يومى فى الأسعار غير مبرر، فقضية الأسعار إذا أنفلت الزمام ستكون مقدمة لثورة جياع. هذا السيناريو يجب أن ينتبه إليه كل من يهتم بالشأن العام ومن يفوز فى الانتخابات الرئاسية.

الدولة تبيع المصانع أو تتم تصفيتها.. هل لدينا سياسة صناعية واضحة؟

لا..الدولة تسير فى طريق تصفية الصناعة وليس دعم وتطوير الصناعة، فلا يوجد لدينا سياسة صناعية متماسكة، فالدولة ليس لديها خريطة واضحة للصناعات التى تريد الدخول فيها أو التخارج منها، وليس لديها الأدوات والحوافز لتشجيع ذلك القطاع، وحاليا الشيء الوحيد الذى تفعله وزارة الصناعة ترفيق الأراضي فقط، وللعلم الأرض أقل عنصر فى المشروع الصناعي.

فبرنامج الحكومة أما بيع المصانع أو تصفيتها مثل شركات الحديد والصلب والكوك والنصر للسيارات، وفى بعض الأحيان يتم البيع بسعر بخس، وهذا الفكر لابد أن يتم تغييره، فنحن نحتاج إلى سياسة صناعية واضحة.

وماذا عن الزراعة؟

الزراعة هي عماد الأمن الغذائي، والأمن الغذائي هو عماد الأمن القومي، وهناك جهود بذلت فى مجال الزراعة مثل مشروع المليون فدان والريف المصري، وتبطين الترع والصوب الزراعية، هذا  على هامش الجسم الزراعى المصري وهو الأرض القديمة، وأي زراعة تحتاج إلى سياسات واضحة ولدينا توصيات الحوار الوطني وهى مهمة. فالزراعة عبارة عن فلاح، أرض، مياه، وحكومة، والحكومة هى التى يجب أن توفر المياه والسماد والتقاوي.

فالزراعة المصرية مروية، ماعدا فى الساحل فهي مطرية، ومعنى أنها زراعة مروية أى أنها تزرع مرتين فى العام، وبالتالي هناك محاصيل تسبب إجهادًا للأرض مثل القطن، وأخرى مُحسنة لجودة الأرض مثل البرسيم، وهنا لابد من عودة الدورة الزراعية للحفاظ على الأرض، فدور الحكومة فى توفير مستلزمات الإنتاج، بالإضافة إلى علاقات الإنتاج المتعلقة بالزراعة وأهمها العلاقة الإيجارية فى الأرض الزراعية، فقانون 1952 جعل عقد الإيجار مؤبدًا، بحيث تكون قيمة الإيجار سبعة أمثال الضريبة، وكان هذا القانون فى صالح المستأجر على حساب المالك، وتم تعديل القانون فى عام 1992هو تعديل خطير بجعل إيجار الأرض يخضع لقواعد القانون المدني، وهو فى صالح الملاك على حساب المستأجرين.

ومن السياسات المهمة التى ينبغي الاهتمام بها سياسة تسعير الحاصلات الزراعية خاصة المحاصيل الاستراتيجية،لابد من التوفيق بين متطلبات الداخل والخارج، فعندما توليت وزارة التموين تم الاتفاق بين الزراعة والمالية على شراء القمح بالسعر العالمى وإضافة 10% على السعر للفلاح باعتبار أن ذلك يوفر عملة صعبة ويقلل الاعتماد على الخارج.

التعليقات متوقفه