عنوان لقطة هذا الأسبوع مستعار من أحد فصول كتاب جمال حمدان المُلهِم “6 أكتوبر في الإستراتيجية العالمية”. من يسيطر على فلسطين، يهدد خط دفاع سيناء الأول. ومن يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط يتحكم في سيناء. ومن يسيطر على سيناء يتحكم في خط دفاع مصر الأخير. ومن يسيطر على خط دفاع مصر الأخير يهدد الوادي. تلك هي معادلات مصر الإستراتيجية كما صاغها جمال حمدان. وفى خمس كلمات نقول: سيناء هي قدس أقداس مصر. والآن، نرى اليمين المتطرف فى إسرائيل يروج لنظرية توراتية تكون فيها سيناء ضمن أرض الميعاد. وفى سياق العدوان الصهيو-أمريكى الحالي على قطاع غزة، تعالت أصوات العدو الصهيو-أمريكى بترحيل أهل القطاع إلى سيناء. تلك هي “الصورة الكبيرة”، والباقي مجرد تفاصيل.
فما بيننا وبين إسرائيل هو صراع وجودى، بمعنى: “أن نكون أو لا نكون”. وأحلام العدو الصهيوني وخططه المعلنة في إمبراطورية النيل-الفرات معروفة للجميع. هذا ما تسجله وثائقهم وهذا ما يصرح به زعماؤهم. وها هو بنيامين نتنياهو رئيس حكومة إسرائيل يؤكد ذلك منذ أسابيع قليلة، من أعلى منبر دولي- منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة. مخططاتهم تعنى حتما تفريغ المنطقة من أصحابها الشرعيين. في هذا السياق يتضح الخطر المحدق بسيناء، ومن ورائها مصر. وبناء على ذلك نقول: علينا تصحيح خلل الجغرافيا البشرية لشبه الجزيرة من خلال تعميرها. وعلينا أن ننجز ذلك اليوم، وليس الغد. فمساحة سيناء تبلغ 61 ألف كيلومتر مربع، تعادل حوالى 6% من مساحة مصر. وفى المقابل، فإن عدد سكان سيناء كلها لا يزيد على 600 ألف نسمة، يمثلون 0.05% فقط من سكان مصر. سيناء إذن تعانى من فراغ بشرى خطير. واستمرار هذا الفراغ البشرى في سيناء يشكل خطرا شديدا على الأمن القومى لمصر.
إن خطط تعمير سيناء تسير بسرعة السلحفاة. بل إنها تبدأ ثم تتوقف. فاللافت أن تلك الخطط بدأت فى الستينيات من القرن الماضى، في سياق مشروع السد العالي. وكان مشروع ترعة السلام من بين المشروعات التي طُرِحت وقتها ضمن حزمة مشروعات التوسع الزراعي للاستفادة من المياه التي يوفرها السد. حيث تبلغ الأراضى التي يمكن زراعتها حوالى 730 ألف فدان، موزعة بين شمال ووسط وجنوب سيناء. ويروى الدكتور كمال الجنزورى في كتابه “مصر والتنمية” (الطبعة الثانية 2014) تفصيلات ما تم في هذا المجال في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضى. لكن الشيء المُحَيِّر أنه يقول “ويلزم الإشارة الى توقف العمل في ترعة السلام (1) في أواخر الثمانينيات … وبدأ سنة 1997 استصلاح واستزراع نحو 90 ألف فدان، على أن يستكمل الباقي … ولكن للأسف لم يتم ذلك وتباطأ العمل ثم توقف” (ص 163). ثم استؤنف العمل مرة أخرى، إلا أنه “توقف بعد ذلك في السنوات التالية ولعدة سنوات، مما ترتب عليه تأخير الانتهاء من المشروع وتوطين ما كان منتظر توطينه من السكان فى سيناء، بالإضافة الى ما كان سيحدث بإنشاء مشروعات أخرى إنتاجية وخدمية” (ص 164).
والآن، وبعد النجاح في تصفية بؤر الإرهاب هناك، نسمع أنه يجرى تطبيق مشروع تنمية شمال سيناء. كما أعلن رئيس الوزراء أوائل هذا الشهر إطلاق المرحلة 2 من”خطة تنمية سيناء”. ولكنى أخشى أن يتبخر الاهتمام بتنمية سيناء عندما تخف الضغوط من قطاع غزة، كما حدث أكثر من مرة في الماضى. ولذلك فإني أطالب من هذا المنبر أن يكون تعمير سيناء هو المشروع القومى الأكبر لمصر. فهذا في تقديري هو التحدي الأكبر في المرحلة القادمة. يجب الإسراع بعودة أهالي شمال سيناء الذين تم تهجيرهم أثناء عمليات استئصال الإرهاب هناك. نحن بحاجة إلى رؤية إستراتيجية وليس خططا بيروقراطية للتنمية، على طريقة وزارة الإسكان أو الهيئة الهندسية للقوات المسلحة. الموضوع أكبر وأخطر من إقامة منشآت قوامها بناء الحجر في سيناء. نحن بحاجة الى زراعة البشر في قدس أقداس مصر بالمعيار الإستراتيجي. هذا ما تفرضه مقتضيات أمننا القومى بامتياز. وهذا ما تعلمناه من درس صمود مدينة السويس أمام الجحافل الإسرائيلية التي كانت تسعى لاحتلال المدينة الباسلة في أكتوبر 1973. اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد.

التعليقات متوقفه