مدحت نافع : فتح باب المنافسة المنظمة يساهم فى خفض الأسعار
نجلاء الخولى : فرض وتشديد العقوبات على كل أشكال الممارسات الاحتكارية
محمد عزت: لا توجد ضمانة لمنع الزيادات و” سلاسل التجزئة” حل مناسب وقت الأزمات
أثار استمرار ارتفاع أسعار الكثير من السلع غضبا واسعا وجدلاً كبيراً بين المواطنين، وسط مطالبات للدولة بالتدخل لضبط الأسعار وتوضيح الأسباب واتخاذ الإجراءات الرقابية اللازمة للسيطرة على السوق والتصدي لأى احتكارات موجودة خاصة بالسلع الأساسية والتى كان أخرها السكر، الأمر الذى أدى إلى ظهور أشكال متعددة من الممارسات الاحتكارية، وزيادة سعر السلع بسبب اختفاء جزء كبير منها من الأسواق، لتحقيق مكاسب كبيرة على حساب المواطنين، فأصبحت «الأسعار نار والتجار يستغلون الأزمة، رغم تشديد أجهزة الدولة على وجود أسعار مُعلنة لكل السلع، لضمان توافر السلع بالأسعار المناسبة، فهل تتخذ الدولة حزمة من الإجراءات الاستثنائية لضبط الأسعار والسيطرة على السوق.
ويتساءل الجميع عن التحركات الحكومية والتى من بينها تطبيق إجراءات عقابية حاسمة ضد المنافذ غير الملتزمة بوضع أسعار السلع بوضوح، وفقاً لتعليمات رئيس الوزراء بإمهال المحلات والمنافذ التجارية للالتزام بوضع السعر على السلعة، الأمر الذى يراه المواطنون غير مفيد فى ظل غياب الرقابة على الأسواق بشكل مستمر ومنتظم، ما يتيح الفرصة أما التجار للتلاعب بالأسعار حتى أصبح هناك أكثر من سعر لنفس السلعة وفقاً لرغبة كل تاجر فى الربح.
شكوى
اشتكى مواطنون من استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، مبينين أن الارتفاع الكبير أثقل كاهلهم مع غياب الدعم والحلول الحكومية، وأوضحوا أن الارتفاع غير المبرر للسكر – على سبيل المثال- وباقي السلع الأساسية مثل الزيت والأرز وغيرها، يأتي نتيجة غياب الرقابة على الأسواق، خاصة أن علي المصيلحي وزير التموين والتجارة الداخلية، قد أكد مسبقا أن مخزون السلع يكفي لأكثر من 6 أشهر ولا يوجد ارتفاع في الأسعار، فمثلاً إنتاج مصر من السكر ارتفع مؤخرا إلى 2.8 مليون طن مقارنة بحجم الاحتياجات المقدرة بـ 3.2 ملايين طن، مشيرا إلى انخفاض الفجوة إلى 400 ألف طن.
فيما ظهرت موجة من الانتقادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تعليقاً على ارتفاع الأسعار حيث انتشر هاشتاج حمل اسم #أوفر_برايس ، الذي يعني “ارتفاع السعر أكثر مما يجب”، خاصة أسعار المواد الغذائية بشكل يفوق سعرها الحقيقي، وعبر المدونون عبر الـ فيس بوك عن استيائهم من الارتفاع الحاد في الأسعار، وأعطوا أمثلة عن تفاوت كبير وفروق جنونية في أسعار المنتجات بين متجر وآخر، متهمين تجار تلك المنتجات بـ”استغلال الظروف”، مؤكدين على أن للمستهلك قدرة كبيرة على التحكم في الأسواق، وخفض أسعار السلع، حيث إنه وفقا لقانون العرض والطلب، كلما ندر الطلب على السلعة انخفض السعر والعكس، مقترحين نشر ثقافة ” المقاطعة والاستبدال”، حيث يجب على الناس الإحجام عن شراء المنتجات المبالغ فى أسعارها .
مطالبات
وكانت هناك مطالبات برلمانية من الحكومة بصفة عامة ومن دكتور على المصليحى وزير التموين والتجارة الداخلية واللواء هشام آمنة وزير التنمية المحلية، تحديداً، بضرورة القيام بمزيد من الإجراءات للرقابة على الأسواق والأسعار وتطبيق القانون بكل حسم وقوة ضد من يحاولون الاتجار فى قوت المصريين من خلال رفع الأسعار بصورة كبيرة وغير مبررة، ما ينتج عنه احتقان وغضب بين المواطنين، وبناء عليه فى مثل هذه الحالات الصارخة لابد من سرعة التدخل وتحديد تسعيرة جبرية يلتزم بها جميع المصنعين والتجار، موضحين أن الاقتصاد الحر لا يعنى ترك الحبل على الغارب فغالبية الدول التى تتعامل بهذه المنظومة تتدخل وبسرعة لمواجهة ظاهرة انفلات الأسواق، مؤكدين أن السبب الرئيسى فى استمرار الانفلات فى الأسواق والأسعار غياب الرقابة وترك تحديد الأسعار لمختلف السلع والمنتجات لمجتمع الصناع والتجار.
كما طالب اقتصاديون بتعزيز آليات الرقابة ووضع آلية ورؤية واضحة للحد من تبعات ظاهرة ارتفاع الأسعار التي طالت الكثير من السلع والخدمات والتي تؤثر على المستوى المعيشي للمواطن ، كما دعا الاقتصاديون إلى بلورة موقف حكومي واضح من هذه المشكلة التي بدأت تؤرق المواطنين وعدم الوقوف موقف المتفرج بحجة عدم استطاعتها التدخل في سوق مفتوحة تحكمها آلياتها، إذ أن هذا الموقف سيترتب عليه حلقة مفرغة من الزيادات المستمرة في العجلة الاقتصادية، مشيرين إلى وجود نوع جديد من الاحتكار، داعين إلى أهمية فتح الأسواق لدخول شركات أكثر.
من جانبه، يرى دكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن المواطن يعانى من غلاء الأسعار وجشع بعض التجار تزامنًا مع كل مرة يتم فيها رفع أسعار الوقود لدرجة أن ظاهرة الغلاء طالت أسعار السلع والمواد الغذائية والألبان ومنتجاتها، وهو ما يعني أن رقابة وزارة التموين غائبة تمامًا عن مراقبة الأسواق وضبط الأسعار، مشيرًا إلى أن جشع بعض التجار تجاوز الحدود والتصرفات في رفع الأسعار ويحتاج إلى يدٍ صارمة لدرجة أن السلعة الواحدة في شارع واحد أو سوق واحدة تباع بأسعار متفاوتة ومبالغ فيها من مكان إلى آخر.
وأكد أن عملية ضبط الأسعار يمكن أن تتم من خلال اتخاذ إجراءات عديدة بداية من تطبيق آلية التسعيرة الجبرية بشكل أكثر صرامة ودقة، للسلع الأساسية للمواطنين، مع تقرير حزمة من العقوبات الشديدة، التي تتواكب مع شدة الأزمة، لمن يشرع في زيادة الأسعار على الموطنين، حيث إن تبني تلك الآلية، لا يتعارض مع آليات اقتصاد السوق خاصة فى ظل الأزمات، والتنسيق بين وزارة التموين والتجارة الداخلية، واتحاد الغرف التجارية بشأن التسعير العادل للسلع، ومراقبة كل منافذ البيع الكبيرة والصغيرة.
الأذرع الرقابية
وأضاف نافع، أن هناك ضرورة من الشق الرقابى فى ضبط السوق من خلال تفعيل الأذرع الرقابية والمتمثلة فى جهازى حماية المستهلك وحماية المنافسة، بالإضافة إلى أن الشق الفنى، والمتعلق بالإجراءات القانونية التى تسهل دخول منتجين جدد فى الأسواق التجارية، وفتح أبواب المنافسة “المنظمة” وهو ما يساهم فى خفض الأسعار، مشدداً على أن استمرار ارتفاع أسعار السلع الغذائية يمثل ناقوس خطر على الدولة، ورعبا للمواطن ، ومع ازدياد حدة موجة التضخم لابد من إحكام السيطرة الكاملة على الأسواق الداخلية، وتفعيل دور جميع الهيئات والقطاعات المختلفة فى الدولة على أرض الواقع ليكون لهم دور حقيقى لمحاربة ظاهرة ارتفاع الأسعار مع وضع آليات لضبط تلك الممارسات، والقضاء على تلك الظاهرة الشرسة التى تؤثر على أداء الاقتصاد، المهم أن تتوافر السلع فى الأسواق فتنخفض أسعارها مع منع الاحتكار والجشع السائد من قبل التجار، فعملية المضاربة الآن لن تكون على الدولار، بل على السلع الغذائية فى الفترة المقبلة.
بينما أكدت استاذ الاقتصاد دكتورة نجلاء الخولى، خبير التشريعات الاقتصادية جامعة القاهرة، أنه يجب فرض وتشديد العقوبات على كل أشكال الممارسات الاحتكارية، التى تتسبب فى زيادة أسعار السلع بسبب اختفاء جزء كبير منها من الأسواق، من أجل تحقيق مكاسب كبيرة على حساب المواطنين، وذلك للحفاظ على تواجد السلع الأساسية بالشكل الذي يلبي احتياجات المواطنين، وتفعيل دور جهاز حماية المستهلك، وشن المزيد من الحملات المفاجئة، للوقوف على قيام مقدمي السلع والخدمات للمواطنين بأسعار مناسبة، والتعامل بكل حسم مع كل مَن يُخزن هذه السلعة وغيرها، ويخفيها عن المواطنين، خاصةً أن الدولة لديها إحصاءات رسمية تُثبت أن إنتاجها من السلع يكفي الاستهلاك المحلي ويزيد، وعلى صانعي السياسة الاقتصادية والمالية، بالنظر في إجراء تخفيضات ملموسة في معدلات ضريبة القيمة المضافة، والتي ستؤدي إلى تخفيض تكلفة كثير من السلع، مما يترتب عليه تخفيض أسعارها.
مشاركة إيجابية
وأضافت الخولى، أن الدولة عليها أن تتعامل مع مثل هذه الأزمات المتكررة من خلال العديد من المحاور منها ضخ احتياجات المواطن الأساسية بأسعار مناسبة في المنافذ الحكومية، والمعارض المُجمعة، واتخاذ إجراءات حكومية مُتنوعة حسب طبيعة السلعة أو المُنتج، أيضًا زيادة أماكن المنافذ الخاصة بكل قطاعات الدولة، وتوفير كل السلع لكل مكان فى مصر لمحاربة شياطين الأسواق ومنع الاحتكار ومعرفة أماكن المنافذ الخاصة بوزارة التموين، والقوات المسلحة، لأنها تعرض السلع بأسعار مخفضة، لتكون طوق الأمل وطوق النجاة لمحدودى الدخل لمواجهة موجة الغلاء الفاحش.
وترى الخولى، أن ارتفاع الأسعار بشكل يومى غير مبرر ويرهق المواطنين، لدرجة أنهم أصبحوا لا يستطيعون مواجهتها وتحملها، ومشيرة الى أن مسألة ترك السوق بدون رقابة وأنه سيصحح نفسه بنفسه لن تجدي، مطالبة الجميع بالمشاركة بإيجابية فى معركة ضبط الأسعار بشكل عادل ليخفف معاناة المواطنين، وفى نفس الوقت يحقق ربحًا مناسبًا للتجار، ويردع المحتكرين ويوقف جشع الكثير من التجار، مؤكدة أن معركة ضبط الأسعار فى الأسواق وخاصة أسعار السلع الغذائية والمنتجات الضرورية لاستمرار حياة المواطن فهي قضية أمن قومى.
المعروض
ويرى محمد عزت، الباحث الاقتصادي، أنه لا توجد ضمانة لمنع زيادة أسعار بعض السلع وذلك لأنه من المستحيل السيطرة علي سوق من 100 مليون مستهلك وأكثر من 50% من نشاطه التجاري نشاط غير رسمي، موضحا أن حل هذه الأزمة فى أن ترفع الدولة من حجم الكميات المعروضة فى منافذها المختلفة سواء وزارة التموين، الزراعة، أو كل المنافذ المنتشرة على مستوى الجمهورية وذلك لخلق حالة من التوازن فى السوق، مشيراً إلى ضرورة توجه الدولة إلى عمل سلاسل تعرف بـ ” سلاسل التجزئة” يكون دورها الرئيسي هو التدخل وقت الأزمات بحيث تتصدى لأى احتكارات قد يشهدها السوق، مضيفاً أن عدم تدخل الدولة أو تأخر تدخلها يضر بجميع أطراف المنظومة ولا يصب إلا فى مصلحة التاجر ” الوسيط” فـ المنتج والمستهلك أول المتضررين من ارتفاع الأسعار، خاصة أن المنتج الاساسى للسلعة لا يحصد أى مكاسب ملموسة مثل التاجر.
ويؤكد أنه من الوارد أنه نشهد خلال الفترة المقبلة ارتفاعا مضاعفا فى أسعار بعض السلع وذلك يعود لعدم التحكم والقدرة على ضبط الأسواق مما يجعل بعض التجار يستغلون هذا الأمر ويرفعون أسعار بعض السلع الأساسية، مشددا على ضرورة زيادة الوعى لدى المواطنين وفتح مزيد من الأسواق لمنع هذا الأمر خاصة وأن الجميع يعلم أن السلع عرض وطلب، مشيراً إلى أن وجود السلع فى أكثر من مكان سيخلق جوا من التنافس بين التجار وهذا كله فى مصلحة المستهلك، مضيفا أن هناك أزمة مالية عالمية تأثيراتها سلبية على الاقتصاد المصرى خاصة فى ارتفاع أسعار السلع، والإشكالية لها أكثر من جانب، الأول يخص المواطن “التاجر”، حيث جرى العُرف مع كل زيادة فى المرتبات أو وجود أزمة، يقوم البعض برفع الأسعار من تلقاء أنفسهم حتى ولو كانت مٌخزنة وتم شراؤها بالأسعار القديمة بهدف مكاسب مضاعفة، بل الكارثة أن هناك من يتجه إلى تخزين السلع فى انتظار المزيد من الارتفاعات، وهذا أمر في غاية الخطورة يحتاج إلى وعى ومسئولية تجاه الوطن أما الجانب الثانى، يخص المواطن “المستهلك” وهنا الوعى عليه أيضا دور مهم سواء من حيث الترشيد في الإنفاق والاستهلاك من جهة أو التحلى بالإيجابية بحيث يكون للمواطن دور أكثر فاعلية يتمثل في سرعة الإبلاغ عن حالات التجاوز التي يراها من قبل البعض للتيسير على الأجهزة الرقابية في ضبط هذه المحاولات.
يبقى جانب ثالث وهو دور أو أدوار الدولة للسيطرة على ضبط الأسواق سواء بتوفير السلع الإستراتيجية، أو إيجاد بدائل لأى نقص، والتحكم في الارتفاعات بحيث تكون ارتفاعات محسوبة بدقة حتى لا تصيب الفوضى السوق، إضافة إلى الرقابة الحاسمة على الأسواق خاصة أننا لدينا تشريعات وقوانين رادعة بالفعل، حيث يحظر حبس المنتجات الإستراتيجية المعدة للبيع عن التداول، وذلك عن طريق إخفائها أو عدم طرحها للبيع أو الامتناع عن بيعها أو بأي صورة أخرى.

التعليقات متوقفه