يمثل الاهتمام بثقافة الطفل إحدى الركائز المهمة في بناء المجتمع، نظرا لأن طفل اليوم هو رجل الغد القادر على صنع مستقبل مختلف ومغاير، وفق رؤية متجددة، قوامها العلم والمعرفة ومواكبة المنجزات الراهنة، لذا يعد تأسيسه معرفيا وثقافيا وإبداعيا من الأهمية بمكان.
ومؤخرا تم إطلاق مجموعة من المبادرات لتشجيع الأطفال الموهوبين، كان من أهمها مسابقة “المبدع الصغير” تحت رعاية السيدة إنتصار السيسي، والتي تهدف إلى اكتشاف المواهب في كافة مجالات الإبداع، وتنمية القدرات الابتكارية لدى الأطفال.
كما يقوم المركز القومي لثقافة الطفل بجهد كبير في الاهتمام بثقافة الطفل، وذلك من خلال أنشطته المتعددة، والتي يقام بعضها في الحديقة الثقافية بالسيدة زينب والتي تضم ندوات وورشا للرسم، وعروضا للأراجوز وغيرها من المسابقات التي يتنافس فيها الأطفال إبداعيا وتعمل على تنمية المهارات الفنية لديهم.
ومؤخرا اهتمت الإذاعة المصرية بتقديم برامج خاصة لإبداع الأطفال، ومنها تقديم فقرة مفتوحة منذ عام 2012 للأطفال منها تقديم نشرة أخبار الطفل التي يحررها ويقدمها الأطفال، وتتضمن تقديم الأخبار المتعلقة بالأطفال وما يهمهم، ومنها برنامج “أطفال دوت كوم” من تقديم شيرين ماجد في التليفزيون.
والمفترض أن هناك إدارة خاصة في الهيئة العامة لقصور الثقافة تحمل اسم “إدارة ثقافة الطفل” عليها دور في تثقيف الأطفال، من خلال قصور وبيوت الثقافة المنتشرة في ربوع مصر.
ومنذ فترة قليلة بدأ الاهتمام بالطفل المعاق وتشجيع الموهوبين من هذا القطاع من الأطفال من خلال دمجهم في المجتمع، واستنهاض المواهب الفنية الكامنة بداخلهم، وقد كانت البداية مع عرض مسرحية “كنز الدنيا” من إنتاج الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، من إخراج الفنان أشرف عبد الباقي، والتي قدمت منذ فترة، والتي شارك في بطولتها عدد من الأطفال المعاقين، وهي مسرحية اجتماعية كوميدية تناقش عددا من القضايا التي تهم مثل هؤلاء الأطفال، تأكيد لدورهم الفاعل في المجتمع وعملية التنمية، وهذا ما أكدته قبل ذلك احتفالية “قادرون باختلاف” للاحتفال بذوي القدرات الخاصة والتي شهدها رئيس الجمهورية، لتؤكد دعم الدولة لتلك الفئات لإخراج الطاقات الكامنة بداخلهم فكريا وثقافيا وفنيا، فهم جزء أصيل من عملية التنمية.
والفن هو أقدر الأشياء على تحويل المستحيل إلى أمر ممكن، وهذا ما ينطبق على مجموعة من الفرق المسرحية التي تهتم بتقديم المواهب الفنية من ذوي القدرات والاحتياجات الخاصة في مصر، ممن يتحدون الصعاب وتحويل الإعاقة إلى طاقة.
ومن تلك الفرق “فرقة الشمس” التابعة للبيت الفني للمسرح بوزارة الثقافة المصرية، والتي تضم مجموعة من الأطفال الموهوبين ممن فقدوا نعمة البصر، وقدمت الفرقة عروضها في أماكن متعددة منها “مسرح الطليعة” و”مسرح الحديقة الدولية” و”مسرح السلام” وغيرها.
وتحمل الفرقة شعار “النور منكم ولكم”، وتشرف على الفرقة الفنانة وفاء الحكيم، وقدمت الفرقة مجموعة من العروض منها”العطر” إخراج محمد علام، و”ورد وياسمين” إخراج شريف فتحي، وهو أول عرض يشارك في صناعته فنانين من أصحاب القدرات الخاصة وأصحاب جميع الإعاقات الحركية أو السمعية في تاريخ مسرح الدولة.
وتؤكد الفنانة وفاء الحكيم على أن الفرقة أطلق عليها اسم “فرقة الشمس” تعبيرا عن الأمل والطاقة الإيجابية التي نتبادلها مع أبنائنا وإخوتنا من هؤلاء الأبطال.
وتقيم الفرقة مجموعة من الورش الفنية المتنوعة للتدريب على فنون الأداء المسرحي، وكذلك ورش لتعلم فن الرسم.
فرقة الشكمجية
“فرقة الشكمجية” فرقة مسرحية للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، أسستها المخرجة أميرة شوقي، لتقديم مسرح غنائي يقدم رؤية فنية واقعية، من خلال طرح قضايا اجتماعية تمس هذه الفئة من المجتمع، وعلى مدار عشر سنوات قدمت الفرقة أكثر من عشرين عرضا، كان آخرها عرض “أين حقي”، وينتمي العرض إلى “المسرح الاستعراضي الغنائي”، حيث حاولت المخرجة توظيف الطاقات الفنية الابتكارية الكامنة داخل شخصية الأطفال وبعض الكبار المشاركين في العرض، في حدود خبراتهم الحياتية البسيطة، لتحفيزهم على فكرة المشاركة المجتمعية.
وتطرح عروض الفرقة مجموعة من القضايا الإنسانية المتعلقة بذوي الاحتياجات الخاصة.
وفي ظل قرارات سياسية أعطت لتلك الفئة الاجتماعية عدة حقوق أساسية، منها التمكين الاجتماعي، خاصة في الوظائف العامة، ودخول نسبة منهم إلى مجلسي النواب والشورى، وغيرها من الاستحقاقات السياسية والاجتماعية المختلفة.
فرقة الصامتين
أما “فرقة الصامتين” المسرحية، وهي الفرقة الأولى من نوعها في مصر من الصم والبكم، الذين تغلبوا على الإعاقة بالإبداع، وخلقوا من العجز حالة من العطاء والقدرة على الابتكار.
تأسست الفرقة عام 2005 بمدينة المحلة الكبرى على يد رضا عبد العزيز مخرج ومصمم الرقصات الذي اتخذ من أسلوب الموسيقار العالمي “بيتهوفن” في التعامل مع الموسيقى وحيا وإلهامًا، وهو ما يعرف بالاتصال العظمي، وهو عبارة عن تحويل النغمات الموسيقية إلى ذبذبات يحسمها؟؟؟ الصامتون عوضا عن سماعها، وهو فنان قام بتطوير هذا الأسلوب عن طريق النقر على الكفوف والأكتاف ليتناسب مع طبيعة إعاقة الصامتين. وقد اختار رضا لفرقته هذا الاسم ليعبر به عن عالمهم الصامت الساكن.
ويهدف “مسرح الصامتين” إلى الارتقاء بالطفل والناشئين الصم بهدف خلق جيل مبدع من ذوي الإعاقة منفتح على العالم، قادر على المشاركة في تأسيس مجتمع مبدع ناضج فكريا، ومساهم في تطوير الحضارة الإنسانية.
وحول الفكرة يقول رضا عبد العزيز: جاءت الفكرة عام 2005 حيث كنت أعمل مدرسًا في مدرسة الأمل للصم بالمحلة أخصائي مسرح، رأيت عروضا مسرحية بلغة الإشارة قبل عملي في مجال المسرح، وأنا كذلك موسيقي واستعراضي، فتوقفت عند الموضوع، وحاولت خلق طريقة للاقتراب من هؤلاء الأشخاص الذي حرموا من السمع والنطق. فبدأت أبحث عن لغة فنية من خلال ثقافتي الموسيقية، فحاولت إقامة عروض تتماشى مع قضاياهم من خلال توظيف لغة الجسد، ومن خلال توظيف كل الوسائل المتاحة عندهم، بدأت بعروض تجريبية، حتى قابلت الراحل د.رفيق الصبان، فحدثته عن تجربتي، خاصة أنه كان مهتما بالمسرح الراقص، فأحضرت له شريط فيديو لعروض الفرقة فقال لي: أنت أحدثت شيئا جديدا في فن الرقص الحديث، فرشحني للمهرجان الدولي للرقص بإدارة وليد عوني، وهو المهرجان الذي توقف بعد سفر “عوني” وبعد العرض وصفنا د.الصبان في مقال له: بأننا مفاجأة المهرجان، وهي فرقة تأتي من الأقاليم المصرية بروح المغامرة.
وأشادت بنا كل وفود الدول الأوروبية، خاصة التكتيك الفني، خصوصا أن هناك صعوبات واجهتني وهي كيف أجعل الممثلين متفاعلين مع الموسيقى وهم صم وبكم، فتغلبت على ذلك بالرجوع إلى بيتهوفن، فبعد إصابته بالصمم أنه كان يضع رأسه على جسم البيانو حتى يحس بعظم الجمجمة بالموسيقى الخارجة من البيانو، أطلقت مصطلح “الاتصال العظمي” وهو ما جعل الصامتين يحسون بالموسيقى بالاتصال العظمي عوضا عن سماعها.
كذلك حركة العين استطاعوا التواصل بها مع الجمهور، وهي تقنيات فنية وليدة اللحظة، وعن أهم عروض الفرقة سوف نجد أنها قدمت مجموعة من العروض منها” العرض الأول “أجنحة صغيرة” وهو العرض الذي عرفنا به في الوسط الثقافي، وتناول قضية الانتهاكات التي يتعرض لها أصحاب الاحتياجات الخاصة، وعرض على المسرح الصغير بالأوبرا، وحضره عدد كبير من المهتمين بفن المسرح. وشاركت به ففي مهرجان الرقص الحديث.
كيان “الصامتين” منقسم لفرقتين “هتاف الصامتين” للأطفال الصغار، ولا يوجد لها دعم فهي تابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة وكثيرون منهم لا يعمل بأجر.
الفرقة الأخرى “الصامتين” وهي فرقة خاصة للكبار وتقدم عروضها بشكل مستمر، خاصة في التجمعات الثقافية، وحاليا نقدم عروضنا في مركز طلعت حرب الثقافي بالقاهرة.
تحاول الفرقة جاهدة في عروضها القادمة التواصل مع البيئة المحيطة بها لتقدم مسرحا يتماشى مع اللحظة والمكان، وأرى أن المسائل تتطور يوما بعد الآخر، فأعضاء الفرقة يكتسبون ـ كل يوم ـ خبرات جديدة، على مستوى الرؤية، وعلى مستوى تطوير الأداء الحركي، وهنا يمكننا الحديث عن التطلع إلى اجتياز حدود الشكل من أجل تقديم المسرح الشامل، الذي يتضمن إبهارا بصريا وعقليا.
حين تتحدث الدمى
مسرح الأراجوز هو من أقدم أشكال الفرجة في العالم العربي، فهو يعتمد على فكرة العرض الأدائي، نظرا لخصوصية بنية المشاهدة، وسلطة المتفرج على العرض، وكذلك طبيعة اللعب، والتي تسير وفقا لخطوط عريضة يضعها اللاعب، دون أن يغلقها، لتظل مفتوحة أمام المتفرج مما يجعل هناك إمكانية للتدخل في بنية المشهد بالإضافة أو الحذف.
وقد اعتمدت فرق عديدة على تقديم هذا الشكل المسرحي التراثي ومنها “فرقة الكوشة للعرائس” والتي أسسها الفنان ناصف عزمي عام 2000 بقرية تونس بمحافظة الفيوم، تلك المحافظة التي شهدت في ثمانينيات القرن الماضي تجربة مغايرة في المسرح المفتوح وهي تجربة “فرقة السرادق” التي أسسها المخرج المسرحي الراحل صالح سعد، وقدمت عروضها في قرى المحافظة.
ولم يكن تكوين فرقة للأراجوز والعرائس القفازية وليد الصدفة فمؤسس الفرقة درس المسرح في فرنسا، وشارك في عشرات من العروض التجريبية.
بالإضافة إلى رحلاته المتنوعة في عدد من بلدان العالم للبحث عن صيغ تجريبية في المسرح، ومنها رحلته إلى الأرجنتين والتي قابل فيها لاعب عرائس جوال يقدم عروضه في القرى والضواحي، ومن خلال هذه العروض استطاع أن يعبر بصدق عن القضايا الاجتماعية، مما جعل الجمهور يلتف من حوله.
كانت مثل هذه الرحلات الفنية بالنسبة لعزمي، محاولات جادة لقراءة ذهنية الجمهور ومدى قدرة “مسرح العرائس” على تقديم مسرح اجتماعي ناقد وراصد للقضايا المجتمعية المختلفة، من خلال مسرح يخص الناس، ويجعلهم حاضرين بقوة في عروضه، ذات المرونة والطبيعة الحية، مسرح قائم على المشاركة والتفاعل الفوري، مسرح يعمل على تجسير الهوة بين خشبة العرض والجمهور.
فعروض العرائس تقدم عقدا ضمنيا مع المتفرج حيث يتبنى المشاهد منظوره الخاص للعرض من مجموع لحظات الاندماج.
جاءت أولى عروض “فرقة الكوشة” تحت عنوان “لعبة الثعبان” عام 2004، وقدم العرض بإستاد الفيوم الرياضي، وشارك فيه خمسة من اللاعبين الهواة في فن الأراجوز تم تدريبهم على صناعة العرائس وكيفية تحريكها، ثم قاموا بعد ذلك بتجهيز باقي عناصر العرض من مسرح وديكور وإضاءة وملابس وغيرها
وتوقف نشاط الفرقة بعد حادث حريق مسرح بني سويف في سبتمبر 2005، لتعاود نشاطها عام 2012 لتقدم عروضها باستخدام العرائس القفازية وكان منها عرض “العو السو” عام 2014، وعرض “ماتبصيش يا لولو” عام 2015 والذي استمر تقديمه لعدة سنوات.
ثم قدمت الفرقة عرض “لازم تصلح غلطتك” عام 2021
وتعتمد “فرقة الكوشة” على فلسفة فنية مفادها أهمية الاقتراب من المشاهد من خلال تقديم العروض في الساحات والفضاءات العامة والانتقال بين الأحياء والقرى ونوادي ومراكز الشباب والمشاركة في الحفلات والمهرجانات الأهلية.
يقول ناصف عزمي –مؤسس الفرقة- في شهادة له عن التجربة: “تعرف الكوشة نفسها بأنها فرقة بحثية تهتم بالتجريب في كافة أشكال فنون العرض بالعرائس والبحث في الأسلوب والتركيب الدرامي وكيفية تطويعه لأغراض العرض.
تتناول فرقة الكوشة عروض الأراجوز كمادة ونسيج درامي قادر على الاشتباك مع تعقد وتنوع العلاقات الاجتماعية وإعادة طرحها بعد مرورها خلال مصفاة المنطق الخاص بالأراجوز، لذا نراعي في العروض تطوير الحدث عبر اختزاله إلى مكوناته الأولية وإظهارها عارية والدفع بالموقف والمفارقة الدرامية بتبديل مواقع الشخصية من الضحية إلى الجاني وبالعكس مع تغمية الفروق بينهم.
وتعتمد عروض الفرقة على حركة العرائس ودقتها والاستغلال الكامل لفضاء المشهد مع الاقتصاد الشديد في الكلام والحوار. كما أن الفرقة تولي اهتماما خاصا بباقي عناصر العرض لتقديمه في إطار مشهدية حديثة وغنية بصريا تجذب انتباه المتفرج الذي أصبح مدققا و مدربا يصعب إدهاشه من كثرة تعرضه لصخب المؤثرات البصرية حوله.
وتعمل الفرقة على تدريب اللاعبين الجدد من خلال ورش عمل حتى يستطيع اللاعب الإمساك بمحورية الحركة في عروض الأراجوز، ويتم ذلك من خلال التدريب على مشاهد ارتجالية باستخدام عروستين، ولأن العروسة الصماء تستدعي الكلام فمن الطبيعي أن المحرك المبتدئ بمجرد اختفائه خلف الستارة وإظهار العرائس يبدأ الكلام والاسترسال في الحوار، ثم يقوم المشرفون على الفرقة بتسجيل هذا المشهد، وإعادته عدة مرات ثم يقومون بتنقية الحوار من التكرار، والتركيز على فكرة الإيقاع المشهدي ووحدته الزمنية، وتقديمه بعد ذلك في مشهد يتيح للمتفرج المشاركة وتتبع بناء الموقف الدرامي المفتوح على احتمالات متعددة.
وعنصر التدريب هو عنصر أساسي تعمل عليه الفرقة لإثقال مهارات اللاعبين، وإكسابهم مهارات جديدة.
وتدريبهم على طرق التفاعل مع الجمهور باعتباره أحد الأركان الأساسية في عروض الأراجوز، وكيفية أن يكون اللاعب عنده مرونة وقت العرض لتغيير بعض الجمل الحوارية بما يتناسب مع تفاعل الجمهور مع مشهد ما.
وكيف تكون عملية التحريك متوافقة مع بنية المشهد وطبيعة الحوار، وتدريبهم على أن يدركوا أن حركة العرائس هي تفكيك وتجريد للعلاقات المتشابكة، لأن فلسفة عرض العرائس تقوم على أن العروسة تعيد طرح ما استقر عليه بأنه مسلمات وأعراف اجتماعية وما يقدم على أنه حقائق ثابتة غير قابلة للتأويل.
وتعمل الفرقة على اختبار عروضها في الأماكن المستهدفة سواء في القرى والنجوع أو الأحياء الشعبية، ومنها كذلك مشاركتها بالعروض في الاحتفال بيوم الطفل والذي أقيم في مستشفى أبوالريش.
كل ذلك منح الفرقة مساحات واسعة للمشاركة والوقوف على ما يهم المتفرج من قضايا يمكن طرحها داخل بنية العرض المسرحي.
وقد شهدت هذه العروض تفاعلا ملحوظا من الجمهور والذين طلبوا بتكرار العرض أكثر من مرة، وقد تنوع الجمهور ما بين الكبار والأطفال.
كما تعمل الفرقة على تنمية مهارات العروسة كطرف صناعي وامتداد للمحرك تأخذه إلى نطاق تعبيري أبعد من قدرات الممثل المحكوم بإمكانياته وقيوده الجسدية. وتأتي الحركة النابعة من حس وجسد الممثل لتحول الكتلة الساكنة الصماء إلى عروسة تمتلئ بمظاهر الحياة.

التعليقات متوقفه