ماجدة موريس تكتب:في محبة الإعلانات

16

في زمننا هذا، وتعاملنا مع قنوات التليفزيون، هل من الممكن أن نرى المسلسلات الجديدة التي تعرض في رمضان الآن، ولا نرى الإعلانات الموازية لها؟.. وهل من الممكن فصل هذا عن ذاك؟

وهل من الممكن الابتعاد عن تأثير هذه الإعلانات وما تقدمه لنا من عالم جميل، كل شيء فيه راق، من الشوارع للڤيلات والبيوت، ومن علاقات الاب للام للأولاد، ومن المشاعر الي السلوكيات، أحلام نصحو منها نحن المشاهدين على حقيقة أن كل شيء بثمنه في هذا الحلم، وان الثمن اكبر كثيرا مما نمتلك، اقصد أغلبيتنا الكاسحة، فلمن أصلا توجه هذه الإعلانات المتدفقة ؟، او هذا المهرجان الإعلاني الموازي للمهرجان الدرامي؟، (وربما كان الأفضل ان نسمي ما يحدث “صراع بين مهرجانين”، مهرجان الدراما، ومهرجان الإعلانات)، وبرغم ان المعلنين يعرفون جيدا ان اغلب مشاهدي المسلسلات الدرامية لا يستطيعون شراء بيوت مثل هذه التي نراها في كومباوندات الإعلانات، او ان يغيروا شبكة الموبايل الذي يمتلكونه، إلا ان لديهم رغبة عارمة في التباهي ببضاعتهم، فهم قادرون على اختيار اي نجم او نجمة سينما او دراما ليكون نجم الإعلان، وللأسف الكثيرون من النجوم يوافقون، وهكذا يظهر علينا النجم بصفتين، الأولى الشخصية الدرامية في المسلسل، والثانية بشخصيته الحقيقية كنجم الإعلان (والذي قد يقوم فيه ايضا بالرقص والغناء بجانب التمثيل )، الغريب ان حضرات المعلنين يعرفون جيدا ان من يمتلك منا أموالاً كثيرة لن يجلس بالساعات ليرى عناق الدراما بالإعلانات، وانما سوف يشترك في المنصات ليرى كل ما يحبه بدون إعلانات، ومع ذلك يغامرون، والأغرب انهم يعرفون أيضا أنه حتى الفقراء منا يبحثون باجتهاد عن وسائل للتخلص من الإعلانات، وكثيرون يضحون بأموال ضرورية لأجل الاستمتاع بدراما صافية، بدون إعلانات قسرية، والسؤال الذي يطاردني كثيرا هو: هل يدرك الجميع ان إرغام الناس على رؤية ما لا يلزمهم، بدون الالتفات الى ردود افعالهم، هو أمر صعب، وقد يثير غضب الكثيرين فيمتنعون عن رؤية الدراما أصلا، أو حتى رؤية التليفزيون نفسه مع أهميته الشديدة كمصدر للمعرفة والثقافة والتسلية، وبذلك يخسر الكل، فالتليفزيون جهاز قومي لكل المصريين، وما يعرض عليه لابد وأن يراعي احتياجات مجتمع بأكمله معرفيا وثقافيا وحياتيا، كما ان مهرجان الدراما المفتوح في شهر رمضان كل عام له أربعة عقود قدم فيها نوعا من التنافس الفني الكبير لمبدعين كبار من الأدباء وكتاب الدراما ومخرجيها ومصوريها وممثليها، كانت الشوارع تخلو بعد الإفطار في مصر والبلاد العربية لرؤية إبداعات درامية مصرية كبيرة أخذت وقتها من الكتابة والإعداد والتنفيذ حتى بدأت الإعلانات تتسلل اليها قبل التيتر، او بعده، وبعد نهاية الحلقة، ثم بدأت تزداد، وتخترق مشاهد المسلسل، وسرقت الوقت للدرجة التي لا يعرف فيها المشاهد أي مشهد توقف عنده قبلها، ثم بدأت دراما الإعلانات، في حلقات ايضا مثل الدراما الأصلية، نعم الإعلانات والمعلنين تضيف اموالاً تسهم في انتاج الدراما، لكن ليس على حساب المشاهد، صاحب البيت، الذي يتوجه اليه الإعلام كله، والذي يمثل الهدف الذي تتوجه اليه الدولة منذ أقامت الاذاعة المصرية عام ١٩٣٤، والتليفزيون عام ١٩٦٠، نعم الاعلان ضروري، لكن مهرجان الدراما السنوي المفتوح في رمضان هو الأقدم، وهو المناسبة التي جمعت ملايين المصريين لسنوات طويلة معا لتتذوق والاستمتاع بافضل الأعمال الدرامية فكريا وفنيا، فكيف يتحول هذا كله الي صراع علني بين المسلسل والإعلان؟، ولماذا لا توجد صيغة اخرى تحوله الى تعاون مقبول ومريح للمشاهد لان الهدف النهائى في تقديري هو الإضافة لهذه المشاهد، وليس طرده من أمام التليفزيون.

التعليقات متوقفه