لقطات ..د. جودة عبدالخالق يكتب :عن موت السياسة في المحروسة

103

المفترض أننا على أعتاب مرحلة جديدة في مصر. البعض يطلق عليها “بناء الجمهورية الجديدة”. والبعض يسميها “مرحلة مواصلة الإصلاح”. وهناك مسميات أخرى. وفى تقديرى أن أيًّا من المسميات المتداولة ما هو إلا مسايرة للركب، ولا يعبر عن حقيقة الوضع في بلادنا. فالحديث عن الجمهورية الجديدة هو كلام فارغ من المضمون. والحديث عن مواصلة الإصلاح يفترض أن ما تحقق في السنوات الأخيرة كان إصلاحًا، وهو في الحقيقة ليس كذلك. ينطبق هذا على المجال السياسى أو المجال الاقتصادى أو المجال الاجتماعى. إن ما جرى في السنوات الأخيرة قد لا يعدو كونه خربشة فوق السطح، مع ترك العمق يموج بالكثير والكثير من المشكلات. صحيح أنه أنفقت تريليونات الجنيهات على ما يسمى البنية التحتية والمشروعات القومية والمبادرات الرئاسية. لكن العبرة بالنتائج على الأرض، أو بالخواتيم كما يقول المثل.

إن لب الموضوع كما أراه هو موت السياسة. فمصر الآن أشبه بقارب يبحر وسط الكثير من الأمواج والدوامات، ويعانى من نفاد الوقود وعطب في المحرك وخلل في الأجهزة الملاحية. تخيل مشهد قارب يبحر في أعالى البحار بلا دفة أو موتور. معنى ذلك أن هناك خطرًا، بل عدة أخطار، يواجهها هذا القارب. وبعض هذه الأخطار قد يكون وجوديًّا. ففي ديسمبر الماضى أعيد انتخاب الرئيس السيسى لولاية ثالثة. وكان علينا أن ننتظر حوالى ستة شهور لتشكيل حكومة جديدة، على المستوى المركزى وامتداداته في المحافظات. يعنى انتظرنا نصف عام عقب الانتخابات الرئاسية لبدء تشكيل حكومة جديدة، ثم شهرًا كاملًا في ماراثون طويل وممل لتشكيل تلك الحكومة الجديدة. التشكيل استلزم إجراء أكثر من ستين مقابلة وبحث وفحص عدد أكبر من الملفات.

وقد يقول قائل إنه أثناء تشكيل الحكومة الجديدة فالحكومة القديمة كانت موجودة وتدير الشأن العام، ما يعنى أنه لم يحدث فراغ. والحقيقة أن المشكلة ليست في مجرد الانتظار، رغم ما ينطوى عليه ذلك من تكلفة في كل مجالات العمل العام. المشكلة الأكبر تكمن في غياب السياسة. فتشكيل الحكومة عندنا أمر تحوطه السرية والكتمان، رغم ما قد يقع من تسريب أو تسرب فتحدث بلبلة شديدة (انظر اللغط حول اختيار وزير التربية والتعليم كمثال). ويبدو أن الاعتبارات الأمنية تعلو على الاعتبارات السياسية في تشكيل الحكومة وهو شأن سياسى بامتياز. هذا وضع تبعاته خطيرة وتكاليفه باهظة، ولا بد من أن نغيره إن أردنا لمصرنا العزيزة الانطلاق الى المرتبة التي نريدها لها، والتي تستحقها بين الأمم. نحن نعيش في مجتمع شمولى شديد المركزية، حيث المعلومات والأوامر تتحرك من أعلى إلى أسفل. والطريف أن مسئولينا لا يملون من الحديث عن الديمقراطية والمشاركة والإشارة الى رؤية مصر 2030 ومخرجات الحوار الوطنى.

مشكلات مصر سببها الأساسى أن الشأن العام يدار بالأمن وليس بالسياسة. فالسياسة مقوماتها التعددية والتنوع والمكاشفة والمساءلة، وأدواتها هي الأحزاب. ولا توجد سياسة بلا أحزاب قوية تملأ المجال العام. وهذا يتصل بالمحور الرابع في برنامج الحكومة الحكومة الذى عرضه الدكتور مدبولى على البرلمان أمس الأول، والخاص بـ “تحقيق الاستقرار السياسى والتماسك الوطنى”. وقد تحدث عن “دولة ديمقراطية مدنية، تقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون، وإعلاء قيم المساواة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، وتدعم الحقوق والحريات”. كلام جميل، لكن العبرة بالتطبيق. اللافت هنا أن الأحزاب السياسية جاء ذكرها عرضا في سياق تواصل الحكومة مع مختلف فئات المجتمع وأطيافه. ومعلوم أن الحوار الوطنى اهتم بقضية الأحزاب وقدم للحكومة عدة توصيات هامة للنهوض بالأحزاب والحياة السياسية. بعض هذه التوصيات يتعلق بحرية الرأي والتعبير وبعضها يتعلق بقانون التظاهر وبعضها يتعلق بالنظام الانتخابى وتقسيم الدوائر للبرلمان وبعضها يتعلق بالمجالس المحلية. ومعلوم بالمناسبة أن مصر تعيش بدون مجالس محلية منتخبة منذ 2011…

رسالة الى الحكومة الجديدة: خاص تمنياتى بالتوفيق والسداد لخدمة شعبنا الصابر الصامد.

.

التعليقات متوقفه