صيغة التجمع الفريدة

40

خذلت التعددية السياسية العائدة، توقعات الرئيس السادات بشأن النشاط الحزبى، الذى ظن أن بإمكانه توجيهه كيفما شاء، بما فرضه عليها من أطر قانونية تحكمية لكى تبقى شكلا دون مضمون. لعبت الأحزاب دورا فى توسيع نطاق الحريات الديمقراطية فى المجتمع المصرى، وصار المجتمع يستمع للمرة الأولى منذ نحو ربع قرن، صوتا آخر مغايرا لصوت الحكومة، والحزب الواحد والمؤسسات الرسمية التنفيذية والإعلامية، هو صوت المعارضة الحزبية، سواء فى صحفها ومؤتمراتها الجماهيرية، أو عبر نوابها فى البرلمان.

وبرغم اختلاف برامجها وتوجهاتها السياسية فقد ظلت قضية الحريات الديمقرطية التى تشمل حريات الرأى والتعبير والصحافة والأنشطة الحزبية، ونزاهة العملية الانتخابية والإشراف القضائى على إجراءاتها، هو المشترك الذى توحدت حوله معظم خطوات أحزاب المعارضة فى سياق أنشطة التنسيقية. وكان من بين أشكال العمل المشترك للأحزاب والقوى السياسية والنخبة من كبار الكتاب والمثقفين والمفكرين والنواب والحقوقيين، تشكيل الجبهة المصرية التى دعا إليها التجمع، لمواجهة كامب ديفيد والآثار السياسية التى ترتبت عليها. كما تشكلت لجنة الدفاع عن الثقافة القومية لمقاومة التطبيع الثقافى مع إسرائيل، التى نجحت فى منعها حتى الآن من المشاركة فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، أو حتى من المشاركة فى أى أنشطة ثقافية أخرى.

فى أثناء زيارة الرئيس السادات لإسرائيل فى نوفمبر 1977 أوعز لوزير زراعته الذى يرافقه فى الرحلة المهندس إبراهيم شكرى لتشكيل حزب العمل الاشتراكى، الذى كان من بين المبادئ التى حددت هويته، أنه يتبنى نهجا إسلاميا معتدلا، انتهى به ليكون معقلا لكل تيارات الإسلام السياسى، وعلى رأسها التيارات الجهادية وجماعة الإخوان المسلمين. استقال شكرى من موقعه الوزارى، بعد عودته من إسرائيل وشكل الحزب فى سبمتبر 1978، لمواجهة حزب التجمع، الذى حمله الرئيس السادات المسئولية عن اندلاع مظاهرات الخبز فى يناير 1977، احتجاجًا على الزيادة فى أسعار السلع الأساسية وإلغاء الدعم عنها. واتبع السادات حملة الاعتقالات التى شملت عددًا هائلًا من كوادر التجمع فى القاهرة والمحافظات وتقديمهم للمحكمة بتهمة السعى لقلب نظام الحكم، إغلاق مجلة الطليعة الصادرة عن مؤسسة الأهرام بعد نحو 13 عامًا من صدورها كمنبر مستقل للحوار السياسى والفكرى والثقافى لكل قوى اليسار المصرى. كما أقال صلاح حافظ وعبد الرحمن الشرقاوى من رئاسة تحرير ومجلس إدرة مؤسسة روزاليوسف.

وكانت إرهاصات التصدى لكل معاقل اليسار قد بدأت مع بدء سياسة الانفتاح الاقتصادى وحرية السوق بلا ضوابط، بهدف وحيد هو تحقيق الربح، بتغيير هيئة تحرير مجلة الكاتب التقدمية وتسليم تحريرها لليمين الثقافى، الذى يعتبر كل ماهو عقلانى فى السياسة والثقافة رجسًا من عمل الشيطان، يمارسه شيوعيون ملاحدة يتعين استئصالهم من الحياة لحماية البلاد من أفكارهم الدموية الهادمة، كما كان يكتب فى الصحف آنذاك، هجومًا على اليسار والتجمع .

وكان هذا هو المآل، الذى رسمه فى البداية الرئيس السادات لحزب التجمع، أن يكون تجمعًا للماركسيين، فقط باتفاق مع بعض عناصر من بينهم، ليسهل حصاره وتشويهه واتهامه بالشيوعية والإلحاد أمام الرأى العام، وأمام جمهور أفقدته الآلة الدعائية وعيه المستقل.

وفى حوار معه، قال لى الدكتور إسماعيل صبرى عبد الله: إن المشاورات لتشكيل التجمع والاتفاق على اسمه كانت قد بدأت مبكرًا عام 1972، وكان من بين من يقومون بها خالد محيى الدين وكمال الدين رفعت، الذى أصبح فيما بعد نائبًا لرئيس حزب التجمع، ومتحدثًا رسميًّا له حتى وفاته فى يوليو 1977. بدأ هذا التفكير بعد أن أصبح مؤكدًا أن نهج عبد الناصر فى التحول الاجتماعى نحو الاشتراكية، والتصدى للمخططات الإمبريالية والصيهونية، هو إلى ضياع، ما لم تتحد قوى اليسار القومى والناصرى والماركسى والدينى المستنير، لكى تستأنف مسيرة هذا التحول وتدافع عن منجزاته. فكانت الصيغة الخلاقة، التى ارتضاها مؤسسوه، لتصبح نشأته عملًا ثوريًّا فريدًا، وغير مسبوق فى تجارب حزبية سواء مصرية أو فى العالم.

أكثر من 48 عامًا مرت من عمر حزب التجمع. الجهود والآلام للتعلم من أخطاء التشرذم والانقسامات التى كانت هوسًا للتنظيمات اليسارية التى سبقته. اجتهادات دائمة لملاحقة التغييرات شبه اليومية فى الواقعين المحلى والدولى. ابتداع أساليب ومنابر لإدارة الصراع الحزبى. مساهمات لا تتوقف فى العمل المشترك مع القوى السياسية خارجه، لخدمة القضايا العامة. تصدى مسئول لحملات تشهير بنشاطه وصيغته من داخله وخارجه. وفى كل تلك الحالات، ثمة التزام دائم بالدفاع عن مصالح الشعب والوطن دون مزاعم تنزع عن آخرين قول ذلك، ودون ألاعيب مغامرة غير مسئولة تذهب إلى شق صفوفه.

فى مسرحيته الشهيرة دائرة الطباشير القوقازية يقول برتولد بريخت: “الوادى الطيب ملك لمن يسقيه لكى تنبت الأرض أطيب الثمار. كل شىء هو ملك لمن يُحسّن وضعه”. ومعنى الكلام أن عضوية التجمع ليست ميزة فى ذاتها، ولا معنى لها، ما لم تكن مثمرة وساعية به نحو طريق السلامة لا الندامة.

التعليقات متوقفه