النادي السياسي بـ «التجمع» يعقد ندوة بعنوان السودان إلى أين؟

42

 

أماني الطويل: الصراعات العسكرية أدت إلى تغير المشهدين الديموغرافي والإنساني في السودان ودول الجوار

الخطاب السياسي لقوات الدعم السريع مراوغاً ولا يملك أي مصداقية

قالت الدكتورة أماني الطويل، الباحثة في الشأن السوداني، إن التفاعلات العسكرية السودانية تبدو وكأنها تسير نحو كارثة محققة للمدنيين، بينما يتعطل تماماً المسار السياسي التفاوضي تحت وطأة خطابات الانتقام والثأر على جميع الأصعدة العسكرية منها والسياسية، وربما تمتد لتشمل كذلك الأهلية، وفي هذا المشهد لا يبدو الجيش السوداني قادراً حتى اللحظة على حسم الصراع العسكري على اتساع الجغرافيا السودانية، رغم كل محاولاته إيجاد حلفاء له على الصعيدين الإقليمي والدولي، يضمنون له تسليحاً وتدريباً يبدو أنهما مطلوبان بإلحاح، بينما تعمق التفاعلات السياسية والاجتماعية السودانية على المستوى الداخلي حالة استقطاب سياسي معقدة ومؤسسة على سببين، الأول هو تعمد قوات الدعم السريع إلى ترويع المدنيين الذين يسقط لها ضحايا بالمئات، وبسبب تلك الحوادث التي تطول المدنيين يتمترس الجيش على لسان قائده الفريق أول عبدالفتاح البرهان عند المواقف السياسية الأكثر تشدداً، إذ توعد أخيراً بالرد القاسي على الدعم السريع، وقطع الطريق تماماً أمام المشاركة في أي مسارات تفاوضية، بل وقطع الطريق أمام أي تفاعل مع السياسيين وخصوصاً مع تنسيقية “تقدم” التي اعتبرها متواطئة مع قوات الدعم السريع.

جاء ذلك خلال ندوة بعنوان السودان إلى أين، التي نظمها النادي السياسي بحزب التجمع، وسط حضور لفيف من القيادات والكوادر الحزبية وضيوف من القوى السياسية السودانية المقيمين في القاهرة، وأدار اللقاء الدكتور محمد رفعت المنسق العام للنادي السياسي وعضو المكتب السياسي بالحزب.

وأَضافت “الطويل” أن السبب الثاني لمشهد الاستقطاب السياسي في السودان فهو فقدان المدنيين لدورهم وأملاكهم ونزوحهم داخلياً وخارجياً، وتعقد السبل بهم في المنافي المختلفة مما يؤجج خطابات الكراهية التي تغذيها وسائل التواصل الاجتماعي، وهذه التفاعلات المركبة تفسر لنا مطالب الحكومة السودانية على لسان وزارة الخارجية وفي بيانها الأخير بتصنيف قوات “الدعم السريع” جماعة إرهابية، إذ تتهم المجتمع الدولي بالمسئولية الكاملة عن محارق المدنيين السودانيين التي تمارسها قوات “الدعم السريع”، وذلك مع تقاعسه في الاستجابة لهذا المطلب المتكرر من ناحية، وتصنيفه لها كطرف عسكري مرشح أن يكون شريكاً للجيش في عملية تفاوضية، من ناحية أخرى، بيد أن الكثير من الجهود تمت هندستها خلال الأشهر الماضية بين كل من واشنطن وأديس أبابا والقاهرة، وأنتجت مؤتمرين لمعسكري القوى السياسية السودانية، أحدهما في القاهرة للقوى السياسية والفصائل المسلحة المتحالفة مع الجيش مطلع مايو الماضي، والآخر في أديس أبابا للقوى المحسوبة على الثورة السودانية خلال الشهر ذاته، وذلك مع تقارب بدرجة معقولة بين مصر وتنسيقية تقدم” بقيادة رئيس الوزراء السوداني السابق عبدالله حمدوك الذي جرى استقباله في القاهرة أثناء محادثات معمقة في أبريل الماضي، ويبدو أن الغرض النهائي من ممارسات الاستقطاب السياسي هو إتاحة الوقت للجيش حتى ينجح في بلورة تحالفات دولية توفر له دعماً تسليحيا مناسباً يستطيع به حسم المعارك عسكرياً، وبالتالي يضمن خطاب الاستقطاب السياسي البيئة المناسبة لعودة الإسلاميين، ربما من الجيل الرابع في الحركة القومية الإسلامية، لحكم السودان ولكن هذه المرة تحت لافتة التكنوقراط، وليس تحت أي لافتات أيديولوجية

وأضافت “الطويل” أنه على صعيد مواز فإن الخطاب السياسي لقوات الدعم السريع يبدو مراوغاً ولا يملك أي مصداقية في ما يتعلق بمسألتي التفاوض ووقف الحرب، ذلك أن أداءها العسكري على الأرض يتجه نحو توسيع هذه الحرب ومحاولة تفكيك مؤسسة القوات المسلحة السودانية عبر تواصل الضغط عليها في عمليات عسكرية غير مبررة على اتساع الجغرافيا السودانية، ويكون التكتيك الأساس فيها هو ضرب مقومات الحياة للمدنيين في المناطق المختلفة، حيث يُلجأ إلى تدمير محطات المياه أولاً، وعوضاً عن الخطابات السياسية العلنية تستخدم قوات “الدعم السريع” وسائل التواصل الاجتماعي في معاركها ضد الجيش، إذ لا يمكن أخلاقياً أو سياسياً تبرير عملياتها على الأرض في ما يتعلق بمحارق المدنيين، وتدشين خطاب شعبوي معاد للجيش والقوى المتحالفة معه، ويبدو لنا أن الأغراض النهائية لقوات “الدعم السريع” هي الاستيلاء على سلطة منفردة حتى ولو على بلد مهلهل، وذلك في سيناريو مماثل للسيناريو الصومالي الذي حدث خلاله إسقاط الجيش.

وأكملت أن المشهد السوداني الراهن، بما ينطوي عليه من استقطاب سياسي، له غرض محدد لكل فريق عسكري يبدو معرقلاً لجهود الحل التفاوضي والجنوح إلى محاولة حل الأزمة السودانية بإجراءات تجنح إلى السلام، وهو أمر يجعل جهود المجتمع الدولي والإقليمي المنسقة خلال الأشهر الماضية في مهب الريح، وربما غير مجدية، إذ تدور الأزمة السودانية في دوامة تآكل الدولة والصراعات العسكرية التي أدت إلى تغير المشهد الديموغرافي والإنساني، ليس في السودان فحسب، بل أيضاً في الجوار السوداني المباشر والمتاخم، حيث رحل الناس عن بيوتهم مرغمين ومروعين بالملايين التي تحصى بالثمانية، كما يتهدد ربع السكان قريباً جوع ومجاعة قاسية.

 

وأشارت “الطويل” إلى أن الكثير من القيادات والرموز السودانية يتساءلون عن طبيعة الموقف المصري في السودان في هذه المرحلة، ويتذكرون مقولة الرئيس السيسي الشهيرة بشأن ليبيا التي قال فيها، إن ليبيا خط أحمر، ويطرح هؤلاء جميعا سؤالا مركزيا هو، هل السودان أقل أهمية لمصر؟

بطبيعة الحال، يتحسب معظمهم، لما أسموه غيابا مصريا عن التفاعلات السودانية الذي يمكن أن يؤدي إلى معادلات عسكرية وسياسية مرتبكة، في توقيت دقيق، وذلك سواء في مجهودات وقف الحرب، أو في معادلات ما بعد الحرب، والتي هي من المأمول أن تحقق توازنا للسودان، لن يستقيم دون دور مصري، أصبح يعترف به جميع الفاعلين، خصوصا الدوليين.

وتابعت، يبدو أن هذه التساؤلات قائمة على غياب شبه كامل للتصريحات السياسية المصرية؛ بشأن التطورات السودانية، وكذلك توقف الحديث المصري، والتفاعلات المرتبطة بمبادرة دول جوار السودان بالقاهرة، التي نجحت مصر في حشد كل دول جوار السودان فيها في منتصف العام الماضي، وعقدت هذه المبادرة اجتماعا وحيدا في أنجمينا عاصمة تشاد، ثم توقفت، بعد أن قال سامح شكري وزير الخارجية المصري فيه إن الموقف في السودان ضبابي وغير واضح، كما أن الأسئلة السودانية مرتبطة أيضا بالموقف المصري من طرفي الصراع السوداني، وإلى أي مدى يمكن أن تتفاعل مصر مع قوات الدعم السريع، وقائدها حميدتي، وذلك بعد أن حقق انتشارا ميدانيا على الأرض في مواقع مهمة، خصوصا في منطقة وسط السودان المتفاعلة تاريخيا مع مصر.

وقالت الباحثة في الشئون السودانية، أتفق مع أن الغياب المصري السياسي العلني عن المعادلات الراهنة يشكل خسارة مشتركة لمصر وللسودان معا، على قاعدة أن مصالح كلا البلدين متأثرة بالأخرى، بل هل مصنفة بالحيوية، والتي تحوز على أعلى درجات الأهمية الإستراتيجية، فلا يمكن مثلا ألا يكون هناك تصريحات من الخارجية المصرية بشكل شبه دوري عن ضرورة وقف الحرب، أو التنوير بالمجهودات المصرية في هذا المجال، أو تطورات الرؤية المصرية بشأن التفاعلات السودانية، وفي سياق مواز، فإن موقف الجامعة العربية يبدو غير نشط على المستوى المطلوب على الرغم من حضور ممثل عنها لقمة الإيجاد الأخيرة المنعقدة بكمبالا، حيث إنه من المطلوب، أن يكون هناك خلية عمل، لا ينقطع نشاطها اليومي؛ بشأن الحالة في السودان على الصعيد الإنساني على الأقل.

ويبدو لنا أيضا، أن التحرك المصري حذر للغاية، خصوصا مع وجود إرادة سودانية مشتركة لطرفي الصراع باستمرار الحرب، رغم إعلانات حميدتي قائد قوات الدعم السريع المتواصلة، بأنه يقبل التفاوض، ويريد السلام، فضلا عما يرشح في تصريحاته من ملامح لمشروع سياسي مستقبلي.

 

إجمالا مع تقدير أن الأعباء المصرية بشأن الحالة السودانية هي ضخمة، ومضافة لأعباء أخرى إقليمية لا تقل حساسية ولا ضخامة، ولكن يبقى السودان في وجدان المصريين حالة، تستدعي عناية فائقة من جانب الفاعلين الرسميين، وتنويرًا دائما بالتطورات على الصعيدين السياسي والعسكري، وذلك استجابة لحالة الاهتمام الكبير من جانب الرأي العام المصري بالسودان، وأهل السودان.

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy