في الذكرى 75 على التأسيس.. المحصلة التواجد فقط
الناتو: روسيا ما زالت التهديد الرئيسي لدول الحلف اعتماد استراتيجية جديدة في العلاقات مع روسيا مع حلول قمة الناتو المقبلة تقوية تواجد الناتو في الشرق الأوسط وأفريقيا
عقدت قمة الناتو -هذه المرة وهو يحتفل بمرور 75 عاماً على تأسيسه – بالعاصمة الأمريكية واشنطن، جاء الاحتفال في الوقت الذي تشهد فيه أوروبا موطن تأسيس الحلف حرباً هي الأشرس منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو الحلف الذي سعى لهدم الاتحاد السوفيتي، وظن أن روسيا لن تقوم لها قائمة، وأنه من السهل تطويقها وحصارها وخنقها لتلقى نفس مصير الاتحاد السوفيتي، لكن شاءت الأقدار ألا يحدث ذلك على الأقل حتى الآن وبما نشاهده، فقد نفضت روسيا عنها غبار انهيار الاتحاد السوفيتي، وبدأت تطالب بحقها كقطب أساسي في العالم، رافضة عالم القطب الواحد.
وبصرف النظر عن النزاع الروسي – الأوكراني وعدم قدرة الناتو على حسم النزاع لصالحه، رغم تزويده لأوكرانيا بكل أنواع الأسلحة لكنه لم يحسم النزاع حتى الآن وروسيا التي تقف بمفردها إلا من دعم دول صديقة بسبب حصار خانق فرضه الغرب عليها جعل من تصنيع السلاح والتجارة مع العالم الخارجي مسألة غاية في الصعوبة، لكن هناك ثغرات تنفذ منها روسيا نظراً لحاجة الغرب لبعض المحروقات أو الخامات الضرورية للصناعة، روسيا استطاعت الصمود وحققت معدلات نمو في ظروفها الحالية تعتبر إعجازا اقتصاديا.
هذه مقدمة كان لا بد منها، لنعد إلى قمة الناتو نفسها التي حاول الغرب إعطاءها من الأهمية ما ليس لها، وعزفت الدول الأعضاء لحنا واحدا مفاده شيطنة روسيا والرئيس بوتين، وأنه إذا لم يتم وقف بوتين وهزيمته في أوكرانيا فإن الدور سيأتي على دول الناتو، رغم أن الرئيس الروسي أعلن أكثر من مرة أنه لا علاقة للناتو بالنزاع الأوكراني، وروسيا ليس بينها وبين الحلف أي عداء، وأن روسيا لا تنوي الهجوم على أي من دول الحلف، واعتبر من يفكر هكذا بالعته. أوكرانيا كانت تلعب في قمة الحلف دور المايسترو، وعشية القمة، ربما كانت روسيا تريد أن تبصق في وجه الحلف، أم أن أوكرانيا ساعدت في تفجير مستشفى الأطفال في قلب العاصمة الأوكرانية كييف ضمن هجوم مكثف للقوات الروسية، لاستجداء عطف أعضاء الحلف لمنحها المزيد من السلاح والمعونات وتقديم طائرات “إف 16” التي كان الحلف يقدم خطوة ويؤخر أخرى كل مرة، والسماح لكييف باستخدام الصواريخ الغربية في قصف العمق الروسي، لا أدري أي الروايتين صحيحة، لكن هذا سلوك أوكراني.
في ختام القمة أعلن الحلف عن البيان الختامي للقمة التي عقدت في واشنطن. البيان الختامي يشير إلى علاقة الحلف بروسيا ومستقبل أوكرانيا على طريق الانضمام للحلف. ووفق البيان فيما يتعلق بكييف أنها تقف على “طريق اللاعودة” فيما يتعلق بانضمامها للحلف، لاحظ أن أي مفاوضات قادمة ستكون مسألة التراجع عن ضم أوكرانيا للحلف ضمن عناصر حلحلة الأزمة. وأشار أعضاء الحلف إلى التقدم الذي حققته أوكرانيا بعد قمة الحلف في فيلنوس عاصمة لاتفيا عام 2023. ووفق البيان، أنه بقدر ما ستستمر كييف في القيام بهذا “العمل الهام” فإن أعضاء الحلف سيستمرون في دعمها. هنا يجب أتوقف لأشير إلى أن الرؤية اتضحت، وأن الناتو يسعى لاستنزاف روسيا، وبقدر من ستلحق أوكرانيا خسائر بشقيقتها روسيا بقدر ما سيدعمها الحلف، أي أن الحلف دخل هذه المعركة وهو يسعى لإضعاف روسيا بكل الوسائل ووجد ضالته في الاستنزاف العسكري عن طريق النزاع الأوكراني، وللأسف القيادة الأوكرانية منصاعة بكل سلاسة رغم الخسائر الفادحة التي تتكبدها.
وأكد البيان أو الإعلان الختامي للقمة على أن أوكرانيا ستُدعى للانضمام للحلف عندما تكون “في حالة” تسمح بدعوتها للانضمام، وتكون قد نفذت ما هو مطلوب منها، وسيقوم وزراء خارجية دول الحلف بتقييم مدى التقدم الذي تحققة أوكرانيا في الإصلاحات المؤهلة للانضمام، وستكون المتابعة كل عام لرصد التقدم. بالإضافة لهذا فيما يتعلق بكييف، قرر الحلف تخصيص 40 مليار يورو لأوكرانيا عام 2025، ستخصص كقاعدة مالية وحد أدنى لتأمين الحد المطلوب من المساعدات في مجال الأمن. بالإضافة إلى ما سبق فإن دول الحلف ستقدم تقارير مرتين في العام عن المساعدات العسكرية التي ستقدم لأوكرانيا من هذا المبلغ المخصص. دار الحديث كذلك في إطار إعداد أوكرانيا للانضمام للناتو عن تقوية الدفاعات الجوية الأوكرانية، وعن الملابس العسكرية للجيش الأوكراني.
بالإضافة إلى ما سبق هناك حملة تدريب لعناصر عسكرية أوكرانية وتنسيق عمليات توريد السلاح بين دول الحلف، والهدف هو تحقيق الأمن لأوكرانيا على أساس قوي. كما قرر الناتو تعيين ممثل مدني للحلف لدى أوكرانيا وإنشاء مركز تحليل للنزاع الأوكراني لدراسة الخبرات المستفادة منه.
تحدث بيان الناتو عن روسيا، حيث يرى حلف الناتو أن روسيا ما زالت هي التهديد الرئيسي لدول الحلف كما كانت في السابق، ووفق البيان الختامي لقمة الحلف إن النزاع في أوكرانيا يعتبر “خرق للسلام والاستقرار في منطقة الأوروأطلنطي وأطاح بشدة بالأمن والسلم الدوليين”. لكن في نفس الوقت أكد الحلف على عدم سعيه للمواجهة مع روسيا. في كل الأحوال ظهرت عدم رغبة الحلف في المواجهة حتى الآن في قرار الحلف بتقوية الدفاعات الجوية المضادة للصواريخ بإنشاء قاعدة “أيجيس آشور” في بولندا، التي رفضت التصدي لأي صواريخ روسية تمر بالأراضي الأوكرانية بدون موافقة من دول الحلف، وذلك خوفاً من التصعيد مع روسيا، وبالطبع دعى الحلف المجتمع الدولي لعدم دعم روسيا، وقال الحلف أنه يدين أي دولة تدعم روسيا في إشارة واضحة للصين وكوريا الشمالية وإيران، وقررت دول الناتو اعتماد استراتيجية جديدة في العلاقات مع روسيا مع حلول قمة الناتو القادمة، وقرر الحلف توسيع التعاون في منطقة البلقان والبحر الأسود ودعم مساعي الدول التي تطمح في الانضمام للناتو.
ولم تنس قمة الحلف منطقة الشرق الأوسط وأشار البيان إلى أن الحلف يسعى لتقوية تواجده في الشرق الأوسط وأفريقيا بهدف “دعم السلام” في المنطقة، ووعدوا بتقوية المدخل في اتجاه الجنوب وقرر الناتو فتح مكتب في العاصمة الأردنية عمان وسيستمر الحلف في العمل مع السلطات العراقية. وبنظره موضوعية نجد أن الحلف ربما لم يحل من الأزمات التي واجهت العالم سوى أزمة كوسوفو، وبعد انسحاب القوات الصربية استولت قوات حفظ السلام الروسية على مطار بريشتينا في حركة كانت مثار دهشة العالم والسخرية من الناتو، الذي قام بقصف بلجراد على مدى شهر كامل ولم يسيطر على عاصمة كوسوفو، وكان تدخل الحلف في أفغانستان وفي النهاية خرج هارباً بطريقة مهينة.
حلف الناتو لم يدخل أي حرب من بدايتها وهو يعتمد على وكلاء لينهكوا الخصم ثم يتدخل هو في النهاية لأخذ اللقطة، وهذا ما يحدث في أوكرانيا في الوقت الراهن فالمطلوب من كييف أن تدمر وتعاني، والحلف يقوم بإمدادها بالسلاح والعتاد والأموال حتى لا تسقط ولا تنتصر، لأن لقطة الانتصار من اختصاص الحلف وعادة ما تكون على عدو منهك بدرجة كبيرة، وفي تقدير الخبراء الناتو والولايات المتحدة والغرب ككل لا يريد إنهاء النزاع في أوكرانيا الآن لأن الهدف هو استنزاف روسيا لأقصى درجة، وهذا كان مسعى الغرب أثناء حكم جورباتشوف الذي تمسك به لأقصى درجة لتجريد الاتحاد السوفيتي من كل أسلحته، وفق اعتراف بوش الأب.
ودعونا لا نأمل في نهاية قريبة للنزاع في أوكرانيا، فالغرب حتى الآن لم ينته من خزانة العقوبات التي سيفرضها على روسيا والحزمة 14 من العقوبات ليست الأخيرة، والتي رغم العقوبات ما زالت روسيا تحصل على مكونات صواريخ غربية، وهي بالطبع بأضعاف ثمنها وهذا جزء من الاستنزاف الذي يقوم به ويرغب فيه الغرب. لكن الذي لا شك فيه، بعد قمة الناتو من المتوقع أن يحدث تصعيد في العمليات العسكرية رغم تقدم للجيش الروسي على الأرض، ذلك أن الولايات المتحدة ورغم عدم السماح لأوكرانيا باستخدام السلاح الأمريكي في مهاجمة أهداف في العمق الروسي، لكن العديد من الدول التي منحت أوكرانيا سلاحا بعيد المدى نسبياً مثل بريطانيا سمحت لأوكرانيا باستخدام السلاح في ضرب العمق الروسي والنرويج وهولندا التي منحت أوكرانيا طائرات “إف 16” سمحت كذلك. على أي حال سنرى في المستقبل ماذا سيحدث لكن التصعيد أكيد. وسط هذا الصخب والمخاوف من التصعيد، صرح الرئيس الأوكراني بأن مؤتمر السلام القادم سيعقد قبل نوفمبر القادم وستدعى إليه روسيا، الجميع منهك، لكن ماذا يفعل الإنهاك مع ضرورة إيجاد طريقة لحفظ ماء الوجه، وكل طرف أعلن عن مطالب غير قابلة للتحقق، الغرب يريد انتصارا أوكرانيا عسكريا على الأرض واستسلاما روسيا بعد هزيمة عسكرية، وروسيا تريد الخروج بما سيطرت عليه من أراض وقننتها بالدستور وأصبحت جزءا من روسيا، وأوكرانيا لا تستطيع التنازل عن أراض تعتبرها أراضيها واستولت عليها روسيا، والناتو يقول أوكرانيا دخلت “طريق اللاعودة” في الانضمام للحلف ونائب رئيس الأمن القومي الروسي دميتري ميدفيديف يحذر من أن إصرار الناتو على ضم أوكرانيا من الممكن أن ينتهي إما باختفاء أوكرانيا أو اختفاء حلف الناتو. كيف يتحقق التوازن بين هذه المطالب هذه هي المعضلة الرئيسية الآن.

التعليقات متوقفه