مارك مجدي يكتب:الدرس الصيني في التجاوز الصحي للزعامة التاريخية
في زيارة للصين دامت لأسبوعين نظمتها إحدى الأكاديميات المختصة بالاقتصاد والأعمال في الصين، استطعت ومعي زملائي أن نمسك ببعض الخبرات والانطباعات المستقرة حول الحالة الصينية المتفردة. من التقدم الهائل في البنية التحتية والتكنولوجية المنعكس على فوائض سلعية عملاقة تلبي حاجات المجتمع الصيني الكبير عددًا ومساحة، إلى القدرات التنظيمية العالية للقيادة السياسية المنعكسة على الانضباط اليومي في الحياة المُعاشة لدى عموم الصينيين.
كثير من عوامل التقدم يُرجعها الصينيون أنفسهم إلى قيادتهم السياسية ونظامهم السياسي، فمن ألقوا علينا المحاضرات التعريفية بالصين كانوا يؤكدون أن للصين تركيباتها الخاصة ونظامها السياسي الذي يلبي حاجات خصوصيتها، وهو في هذه الحالة النظام الاشتراكي، ولكن هذه الحقيقة ليست مُستوعبة من النخب السياسية والأكاديمية حصرًا في الصين، فحين تنخرط في الحوار حول المسائل السياسية مع متحدثي الإنجليزية من الصينيين، بالأخص من العاملين بالقطاع الخاص والشباب من غير المشتغلين بالسياسة، تجد لديهم كذلك قناعة راسخة بنجاعة وفعالية النظام السياسي الاشتراكي القائم هناك. وهو مؤشر لنجاح منظومة الحكم في الصين، التي لا يحتاج المرء لزيارتها ليعرف مدى نجاحها على أي حال، لكننا نجد أنفسنا أمام سردية غربية دعائية تتكرر بشكل مستمر حول الشعب الصيني المقموع والمُستغل، ولكن مسألة الرد على مثل هذه السردية لا تشغلني كثيرًا الآن.
ما أخذ حيزًا كبيرًا من تفكيري في أغلب الوقت الذي أمضيته في الصين هو الطريقة التي يتعامل من خلالها المجتمع، حزبًا وشعبا وحكومة، مع التغيرات الكبرى التي طرأت على توجهات الحزب والدولة منذ انطلاق سياسة الانفتاح والإصلاح التي أطلقها دينج شياو بينج في أوائل الثمانينيات. فهذا التوجه الذي أطلق العنان لآليات السوق المنضبط والمنظم واستوعب الاستثمارات الغربية والعالمية وأدار انتقالًا من الاقتصاد المخطط لما يُطلق عليه الصينيون اقتصاد “السوق الاشتراكي” هو توجه مغاير تمامًا لما انتهجته الصين طوال فترة حكم ماو تسي تونغ للبلاد منذ بداية الخمسينيات. توجه اختلف جذريًا مع الاقتصاد المخطط على النمط السوفيتي الخالي تمامًا من آليات السوق والملكية الخاصة. ولأن كانت حملة الاصلاح والانفتاح هي حملة تطول السياسة أيضًا فقد تم عمل كثير من الإصلاحات داخل الحزب الحاكم مع الحفاظ على صيغة حكم الحزب الواحد كإطار أساسي للنظام السياسي في الصين.
كثير من الأمور قد حدثت وتغيرت الصين تمامًا مع تطور سياسات الاصلاح والانفتاح، لكن هل عنىِ ذلك أن تتم القطيعة الكلية مع مرحلة ماو تسي تونغ؟ هل أدى ذلك إلى انقلاب على إرث مؤسس الجمهورية الشعبية وإدانته بل وتشويهه؟
الحقيقة أنك تجد عرفانًا حقيقيًا في الأوساط العامة في الصين لماو تسي تونغ ولفترة حكمه باعتباره مؤسس الجمهورية والأمة الصينية في صورتها الحديثة، فماو تسي تونغ ليس مجرد قائد تاريخي مهم بالنسبة للصين فحسب، لكنه يلعب الدور الأساسي في تأسيس وبناء النظام السياسي الصيني، وهو نظام أدى دورًا مهمًا في التشكيل الثقافي والاجتماعي للصين الحديثة ولم يكن مجرد تكوين سياسي فوقي على المستوى السياسي وفقط. والحقيقة أن الصيغة السياسية والتنظيمية للدولة الصينية التي تطورت على مدار سنوات حكمه يلعب ماو فيها الدور الرئيسي. يعترف الصينيون وقبلهم الحزب الشيوعي بفضل ماو العظيم، ولكنهم أيضًا يعترفون بأخطائه الجسيمة، أخطاء سياسية وتنظيمية وإدارية أدت لكثير من الخسائر، يدرك الصينيون جيدًا أن أساليب ماو وتكتيكاته كانت مشروطة تاريخيًا بظرفه التاريخي، سواء على المستوى المحلي أو العالمي. فقد كان ماو يتصرف بالدرجة الأولى بعقلية مؤسسي الدول والأنظمة، وهي عقلية غالبًا ما تتسم بالجرأة والتصرف دون الوقوف كثيرًا أمام الخسائر المحتملة.
دخل ماو على سبيل المثال في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة في الحرب الكورية دون أن يأبه بالخسائر البشرية المحتملة (أكثر من 400 ألف قتيل في بعض التقديرات) لكنه كان يفكر أولًا في ضرورة كسر الشوكة الأمريكية لتأسيس الصين المستقلة وغير المُحاصرة في دوائرها الإقليمية القريبة، وانتصرت الصين في الحرب ضد الولايات المتحدة دون النظر إلى الخسائر. هذا مثال واحد على عقلية ماو تسي تونغ بصدد الخسائر التي نتحدث عنها، والأمثلة كثيرة سواء من أحداث الحرب الأهلية مع حزب الكومنتانغ حتى قراراته الإدارية في الحكم جذرية الطابع. هكذا هي عقلية المؤسسين كما أظن، عقلية روبسبيير وكرومويل وستالين وبسمارك وغيرهم. لكنها عقلية لا تصلح في كل السياقات والأزمنة كذلك، وهو ما حدث في الفترات اللاحقة من حكم ماو حين أدت بعض القرارات غير المدروسة إلى خسائر لا معنى لها (يبالغ الغرب في تقديرها كثيرًا على أي حال).
وهذا الاستنتاج راسخ تمامًا في عقول صينية كثيرة، حيث التقدير الجم لماو تسي تونغ، والذي يرتفق أيضًا بنزعة لتجاوز عصره بسياقاته وقراراته الجريئة. دون أن تلصق به صفات وُصم بها قادة تاريخيون في منطقتنا وبلدنا، حيث لا يُوصف ماو بأنه مغامر أو مجنون أو موهوم بأوهام القوة. وفي الوقت نفسه يعترف قادة النظام السياسي الذي أسسه ماو تسي تونغ بنفسه أنه كان لديه الكثير من الأخطاء، وأن القرارات التي لا تأبه بالخسائر قد ولىَ عهدها، وأن عصر التأسيس الجرئ قد انتهى والعصر الحالي هو عصر البناء الرشيد والمحوكم. وبالتالي يكون العقل السياسي الجمعي قد نجح في تجاوز زعامة تاريخية بالغة التأثير، دون تقطيع وتجريح وتشريح عدواني لاعقلاني. يظل ماو تسي تونغ مُعترفًا به كقائد لمرحلة تاريخية لا غنى عنها في الطريق نحو ما حققته الصين، وكذلك تجاوز النظام السياسي الذي يقوده حزب ماو تسي تونغ نفسه شخص الزعيم التاريخي ومعه أساليبه في الحكم وطريقته في تخطيط الاقتصاد وطريقته في إدارة الصراعات داخليًا وخارجيًا.
ولسنا هنا أمام لغز بطبيعة الحال، فالإصلاح قد تم من داخل المنظومة نفسها، وهذا يرجع لحكمة قائد آخر أتى في الحكم عبر التدرج في مؤسسة الحزب الشيوعي الصيني، قائد أنجز الإصلاح دون تفكيك النظام القديم، ربما أدرك دينج شياو بينج في مبادرته نحو الإصلاح أن تفكيك المنظومة القديمة يعني تفكك الدولة الصينية وهذا من منظور وطني خالص، وربما كان دينج شيوعيًا مخلصًا يدرك ضرورة تجديد النظام الاشتراكي، وربما كان الإثنين معًا، ربما أيضًا كان النظام قويًا كفاية ليمنع أي شخص من تفكيكه دفعة وحدة، على أي حال نجح دينج شياو بينج في إطلاق التحديث المطلوب دون القطيعة الكبرى بين عصر ماو والعصر اللاحق له، قطيعة نعرفها جيدًا هنا في مصر اختبرناها بين حكم عبد الناصر والسادات وأدت لتغيير كبير مفاجئ لم يأتِ ألا بتحولات سلبية، هذا الانتقال الاصلاحي السلس في الصين انعكس على تعامل الصين المفتح مع الغرب الذي بصورة متوازنة، لا هو عداء مطلق ولا خضوع تام، وجعل الانتقال من الاقتصاد المخطط ليس انتقالًا نحو فوضى كاملة لسوق حر استغلالي وغير عادل، بل انتقالًا نحو سوق اشتراكي في اشتراكية وطنية الطابع حافظت على مؤسسات الدولة الإنتاجية الكبرى مع خلق مساحة صحية للقطاع الخاص. والأهم من كل ذلك أن الاصلاح تم تحت مظلة الحزب الحاكم فكان بمثابة تجديد له وتقوية لموقفه، وليس إنقلابًا عليه. أو هكذا أتصور!
ربما حرمتنا تركيبة النظام السياسي في مصر من هذا الانتقال السلس والتجاوز الموضوعي الغير منحاز لشخص عبد الناصر مؤسس الجمهورية المصرية، لكننا بالتأكيد في حاجة لأن نفعل ذلك على الأقل على مستوى الموقف التاريخي السياسي السليم، لا أن نقع في فخ التبجيل الأعمى ولا التحقير المغرض لشخصية صاغت تاريخنا المعاصر بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

التعليقات متوقفه