تعيين رئيس وزراء فرنسي جديد: هل ينجح في تخطي الأزمة السياسية المتفاقمة؟

43

قرر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعيين فرانسوا بايرو رئيسًا لوزراء فرنسا، وهو سياسي يميني وسطي مخضرم وحليف تاريخي للرئيس، وذلك بعد أن أنهى التصويت التاريخي في البرلمان بحجب الثقة الأسبوع الماضي عن أعمال حكومة ميشيل بارنييه.

وقال بايرو، الذي تولى منصبه، إنه يدرك المشكلة الخطيرة للدين العام في فرنسا وضرورة موافقة البرلمان على الميزانية. وقال أن المهمة بالغة الصعوبة لدرجة أنها  تتماثل مع تسلق جبال الهيمالايا سياسيا. وأضاف إنه يريد كسر «الجدار الزجاجي» بين السياسيين والناخبين الذين فقدوا الثقة. كما صرح خلال حفل تسليم السلطة أن هناك حاجة للمصالحة بين جميع الأطراف السياسية الفرنسية.

بايرو البالغ من العمر 73 عاما، هو زعيم حزب المودم الوسطي وصاحب الوزن السياسي الثقيل القادم من جنوب غرب فرنسا الذي يطلق على نفسه «رجل الريف». وهو وزير تعليم سابق ورئيس بلدية مدينة باو الواقعة في جنوب غرب البلاد، وهو حليف وصديق وثيق لإيمانويل ماكرون منذ توليه السلطة في عام 2017.

وبايرو هو رابع رئيس وزراء فرنسي هذا العام في الوقت الذي تواجه فيه فرنسا أزمة سياسية متنامية في برلمان منقسم. حيث أطيح بحكومة بارنييه الأسبوع الماضي بعد ثلاثة أشهر فقط في السلطة، ويريد ماكرون تجنب تعيين حكومة جديدة تواجه نفس المصير.

منذ أن دعا ماكرون إلى إجراء انتخابات مبكرة غير حاسمة في يونيو الماضي انقسم البرلمان الفرنسي بين ثلاث مجموعات بدون أغلبية مطلقة. وحصل التحالف اليساري على أكبر عدد من الأصوات لكنه فشل في الحصول على الأغلبية المطلقة ؛ وتكبد تجمع ماكرون الوسطي خسائر لكنه لا يزال قائما؛ كما حصل التجمع الوطني اليميني المتطرف على مقاعد لكن تم إبعاده عن السلطة بتصويت تكتيكي مشترك من اليسار والوسط.

ولا تزال هذه الانقسامات قائمة، وتتمثل المهمة الأولى لرئيس الوزراء الجديد في تعيين حكومة يمكنها العمل مع البرلمان لتمرير ميزانية كاملة لعام 2025.

لماذا اختار ماكرون بايرو؟

وفقا لخبراء متعددين، فإن فرانسوا بايرو هو المرشح  القادر على المساومة مع معظم الأحزاب المختلفة. قال كريستوف بوتين، عالم السياسة وأستاذ القانون العام:” بايرو هو الخيار المنطقي…إنه معروف جيدًا بين عامة الناس، ولم يظهر سوى القليل من العداء لمعظم الأحزاب السياسية، وكان لديه مسيرة سياسية واسعة كعضو في البرلمان الأوروبي، ورئيس بلدية محلي، ووزير سابق. بالمقارنة مع ميشال بارنييه اليميني المحافظ، سيكون بايرو أكثر قبولا للأحزاب اليسارية المعتدلة”.

ستكون الأولوية الفورية لفرانسوا بايرو هي تمرير قانون مؤقت لتمديد ميزانية الدولة هذا العام إلى2025.  مما يسمح للحكومة بمواصلة تحصيل الضرائب الحالية حتى يتم التصويت على ميزانية جديدة من قبل النواب. ومن المقرر أن يتم فحص مشروع القانون من قبل الجمعية الوطنية هذا الأسبوع. بعد ذلك، سيكون لدى بايرو مهمة أكثر تعقيدا تتمثل في تمرير ميزانية وطنية للعام المقبل. ومع وصول عجز الموازنة الفرنسية إلى 6% من ناتجها المحلي الإجمالي وهو الوضع غير المسبوق في فرنسا، سيتعين على رئيس الوزراء الجديد أن يفكر في رفع الضرائب إلى جانب إقرار تخفيضات هائلة في الميزانية.

مع تعليق العمل البرلماني بين 20 ديسمبر و 14 يناير، من غير المتوقع أن تبدأ المعركة حول الميزانية العامة حتى العام الجديد.

في هذا السياق صرح العديد من النواب من حزب مودم الوسطي للصحفيين إنه إذا لم يتم ترشيح زعيمهم، فإن حزبهم سينفصل عن تحالف ماكرون، ليخاطر الزعيم الفرنسي المحاصر بخسارة حوالي 36 مقعدا, وهو ما يعتبر السبب الرئيسي لقرار ماكرون لتعيين بايرو رئيسا للوزراء.

و”في هذه الحالة، كان إيمانويل ماكرون سيصبح أكثر ضعفا. لذلك اضطر أيضا إلى اختيار بايرو على حساب المرشحين الآخرين”، حسبما قال فيليب مورو شيفروليه، خبير الشأن السياسي الفرنسي.

ردود أفعال متباينة

وصف توماس كازينوف، النائب الوسطي عن حزب ماكرون، بايرو بأنه سياسي متمرس يمتلك “فن التسوية”. كما قال غابرييل أتال، رئيس الوزراء السابق الذي يرأس حاليا حزب ماكرون في البرلمان، عن بايرو: “في مثل هذه اللحظة الصعبة بالنسبة لفرنسا، أعلم أن لديه الصفات للدفاع عن المصلحة الوطنية وبناء الاستقرار الحاسم الذي يريده الشعب الفرنسي.”

وقال جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف المناهض للهجرة، إن حزبه لن يدعم على الفور تصويتا بحجب الثقة عن الحكومة الجديدة. لكنه قال:”يجب أن يفهم رئيس الوزراء الجديد أنه ليس لديه أغلبية في البرلمان”. وقال بارديلا إن حزبه لا يزال لديه “خطوط حمراء” بشأن الميزانية ويجب على رئيس الوزراء الجديد التحدث إلى جميع الجماعات السياسية. وقال” الكرة في ملعب فرانسوا بايرو”.

كتب الحزب الاشتراكي إلى بايرو ليضع شروطا لعدم الانضمام إلى تصويت بحجب الثقة عنه. وقال الحزب أن على بايرو أن يتعهد بعدم تمرير القوانين دون تصويت البرلمان. قال الاشتراكيون إنهم لن يقبلوا أي مناصب في الحكومة.

وانتقد سياسيون من اليسار في وقت سابق اختيار بايرو قائلين إن تعيينه سيعني “استمرارية” لماكرون الذي لا يحترم نتيجة الانتخابات المبكرة التي فاز فيها التحالف اليساري بأكبر عدد من الأصوات حتى لو لم يصل إلى الأغلبية.

وقال مانون أوبري، من المجوعة اليسارية التي يقودها جان لوك ميلانشون اليساري وهو حزب فرنسيا الأبية ، “أن بايرو هو تجسيد جيد للماكرونية. كيف يتم ذلك عندما يخسر إيمانويل ماكرون الانتخابات التي يريدها, بأي ثمن, لفرض استمرارية سياسته الخاصة؟”.

وقالت ماتيلد بانوت، التي تترأس المجموعة البرلمانية للحزب، إنها ستدعو إلى تصويت بحجب الثقة. وقال الاشتراكي بوريس فالود: إنه إذا عين ماكرون شخصا من مجموعته الوسطية “فإنه يخاطر بتفاقم الأزمة السياسية والمؤسسية” التي خلقها الرئيس.

وكان لدى الأحزاب الأخرى التي شكلت الائتلاف اليساري استجابة أكثر اعتدالا.  أعلن الحزب الاشتراكي أنه يرفض أن يكون جزءا من الحكومة الجديدة لكنه ألمح إلى أنه مستعد للتعاون إذا تخلى بايرو عن استخدام المادة 49.3 من الدستور لتمرير القوانين دون تصويت في البرلمان.  كان سقوط ميشيل بارنييه يرجع لاستخدامه للمادة 49.3 لفرض اعتماد ميزانية وطنية للتقشف دون تصويت برلماني.  وهذا بدوره أدى لوقوع بارنييه أمام التصويت بحجب الثقة بعد أن قرر الائتلاف اليساري وحزب التجمع الوطني اليميني المتطرف توحيد القوى.

*بقلم /مارك مجدي

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy