مقايضة سياسية ليست بعيدة عن تسوية النزاع الروسى ـ الأوكرانى

هل تعانى تركيا مما صنعته بتبنى عناصر مسلحة إسلامية على طريقة واشنطن فى أفغانستان؟

67

العناصر المسلحة فى سوريا خطر على الجميع بما فيها تركيا

هل تتخلى روسيا عن قواعدها فى سوريا أم ستجد لغة مشتركة مع النظام الجديد

*بقلم/ د.نبيل رشوان      

 

يشهد المشهد السياسي الدولى تصعيدا فى أماكن عديدة، فبالإضافة إلى الحرب فى غزة والنزاع الروسى ـ الأوكرانى والحرب فى جنوب لبنان والمساعي لخلق حالة سلام دائم، ظهرت بؤرة جديدة كانت قد هدأت منذ أكثر من عشر سنوات تقريباً وهى النشاط المفاجئ للمعارضة المسلحة فى سوريا.

ماحدث فى سوريا شئ غريب، تقدم لقوات البعض يطلق عليها معارضة مسلحة والبعض إرهابية وبعض آخر ثوار، لكن ما يلفت الأنظار أنها اكتسحت البلاد من الشمال إلى الجنوب بسرعة فى طريقها وسيطرت على المدن الرئيسية بما فيها دمشق، يأتي هذا وسط ردود فعل باهتة من سواء من القوات السورية والروسية، هل هذا نتيجة عجز، أم عدم استيعاب للموقف، أم أن شيئاً آخر يدور فى الكواليس لا نعلمه، سنحاول ربط الأحداث ببعضها، خاصة فى ظل حديث عن تسوية النزاع الأوكرانى. فى كل ما هو مقترح للتسوية حتى الآن هو أن روسيا ستحصل على الأراضى التى تسيطر عليها ساعة الاتفاق ساعة تجميد العمليات العسكرية، أما استرداد أوكرانيا لهذه الأراضى سنتركها لحينها.

فى البداية يجب أن أشير إلى قيام وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف بالذهاب لمالطا لحضور اجتماع مجلس الأمن والتعاون الأوروبى، وهذه تعتبر أول زيارة لدولة اتحاد أوروبية منذ بدء العملية العسكرية الروسية فى أوكرانيا فى فبراير 2022. ورغم الاحتجاجات وخروج بعض الوفود من القاعة أثناء إلقاء لافروف لكلمته، وإلغاء مالطا لتأشيرة المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، إلا أن الزيارة فى حد ذاتها كانت بمثابة حجر فى المياه الراكدة فى العلاقات بين روسيا وبروكسل من ناحية، وربما تكون انفراجة على طريق حل النزاع الأوكرانى، وكيف يمكن إيجاد حل للأزمة التى تعصف بأوروبا دون الحديث مباشرة بين أطراف النزاع، خاصة مع قدوم قوات كورية شمالية مما يهدد بتوسيع وتصعيد النزاع.

هناك مشهد آخر، وهو زيارة مدير مكتب الرئيس الأوكرانى أندريه يرماك إلى واشنطن، وكما أعلن، الزيارة كانت للاجتماع بأعضاء الإدارة الأمريكية القادة والتقى بنائب الرئيس الأمريكى المنتخب جى دى فانس وبمستشار الرئيس المنتخب ترامب لشئون الأمن القومى مايك وولتس والمبعوث الأمريكى للنزاع الأوكرانى كيت كيللوج، الذى كما قيل يؤيد سياسة بايدن فيما يتعلق بإمداد أوكرانيا بالسلاح، من منطلق أنه وسيلة ستجعل موقف ترامب أقوى فى دعوة روسيا للتفاوض.

من أهداف الزيارة كذلك التعرف على أعضاء الإدارة الأمريكية الجديدة، حديث يرماك دار بالدرجة الأولى عن الضمانات الأمنية لأوكرانيا، وأهم هذه الضمانات دعوة أوكرانيا للانضمام للناتو، من المعروف أن الولايات المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا وفرنسا من المعترضين على ضم أوكرانيا للناتو فى الفترة الحالية، فى مقابل ذلك ستتخلى أوكرانيا، مؤقتاً ودون الاعتراف بذلك عن “أراض” تسيطر عليها روسيا، على أن تقوم بتحرير هذه الأراضى بالطرق الدبلوماسية بعد وقف إطلاق النار وفق حديث الرئيس الأوكرانى.

تحدثت الأنباء القادمة من العاصمة الأمريكية عن وجود ثلاثة مقترحات للتسوية، اثنان منها تتعلق بتخلى أوكرانيا عن أراض (مؤقتاً) والحل الثالث يرى ضرورة منح الدونباس حكما ذاتيا واسعا ضمن الدولة الأوكرانية وهو ما رفضته أوكرانيا وفق اتفاقيات مينسك من قبل وأدى إلى النزاع الحالى، وترفضه روسيا بالطبع، وهى وفق ما هو معلن متمسكة بأن تنسحب القوات الأوكرانية من الأراضى التى تسيطر عليها فى المقاطعات الأربعة (دنيستسك ولوجانسك وزابوروجيا وخيرسون) وعدم انضمام أوكرانيا للناتو وعدم تزويد كييف بأى أسلحة نوعية أو إقامة قواعد أى عسكرية على أراضيها.

لكن وسط هذا التعقيد، يبدو أن الحل يأتي من حيث لا نتوقع، وقد يسأل البعض وما علاقة سوريا بالنزاع الروسى الأوكرانى؟ هناك علاقة وثيقة فالولايات المتحدة موجودة فى شرق سوريا هذا أولاً وثانياً روسيا هى القاسم المشترك الأعظم فى النزاع الأوكرانى والسورى فى الوقت نفسه وبالطبع إيران حليفة روسيا وخصم واشنطن اللدود فى الشرق الأوسط بحكم عداوتها لإسرائيل وصداقتها لسوريا الأسد موجودة بقوة.

لكن المؤكد أن هناك شيئا ما يحدث فيما يتعلق، ليس بتسوية واحدة، بل بتسويات لعدة ملفات. وإذا كنا نتحدث هنا عنالنزاع الروسى ـ الأوكرانى وعلاقته بما يحدث فى سوريا فإننا نلاحظ أن رد الفعل الروسى ليس هو الذى حدث عام 2015، عندما كانت روسيا مفعمة بالأمل بعد استعادة أراضيها التاريخية ممثلة بالقرم عام 2014، والنفوذ السوفيتى السابق بتدخلها الجسور والحاسم للقضاء على الجماعات الإرهابية فى سوريا، إلى أن أخمدت النزاع، تاركة انطباع بأنها الدولة التى لا تتخلى عن أصدقائها (سوريا) وفى نفس الوقت حصلت على موطئ قدم فى الشرق الأوسط من خلال قاعدتين إحداهما جوية (حميميم) والأخرى بحرية (طرطوس). لكن هذه المرة النشاط المسلح فى سوريا جاء على خلفية تعثر مفاوضات تركية ـ سورية، كانت تركيا ترغب من خلالها السيطرة على شمال سوريا وبعمق يزيد عن 5 كم، وفق ما كان متفقا عليه بالإضافة إلى البقاء الأبدي، هذا بخلاف التأثير الثقافي التركى من خلال المدارس والتعليم فى تلك المناطق، ناهيك عن أنها كانت تريد إعادة اللاجئين لديها لتلك المناطق ليكونوا ظهيرا سياسيا وحماية لها ضد أى هجمات كردية فى المستقبل.

عندما رفضت سوريا التفاوض على هذا الأساس خاصة أن تركيا وروسيا هما من ساهما من خلال أستانا ولجان المصالحة فى تهدئة الأوضاع بسوريا على مدى أكثر من عشر سنوات، وفى الوقت الذى شعرت فيه روسيا باستقرار الأوضاع كان الأتراك والعصابات التى حموها فى إدلب يخططون لشئ آخر، ثم قاموا بهجومهم على حلب ومن بعدها حماة وحتى استولوا على مقاليد الأمور فى البلاد، بينما روسيا لم تقم سوى بعدد محدود من الغارات الجوية وأعلنت أنها لن تتدخل لحماية نظام الأسد، بسبب تقاعس رأته من القوات السورية، وإيران لم تفعل شيئا، ربما لأنها لا تريد الدخول فى مواجهات جديدة مع تل أبيب هذه المرة فى سوريا، لدرجة أن إسرائيل أجبرت طائرة شحن إيرانية ربما محملة بالسلاح على العودة لطهران.

اتهمت روسيا الجيش السورى بالتراخي، ومع مرور الوقت أصبح التدخل الروسى الذى يعتمد بالدرجة الأولى على الطيران يزداد صعوبة نظراً لاستيلاء العصابات المسلحة على عدد من المطارات السورية، وطلبت من رعاياها مغادرة سوريا، ما يعنى أنها كانت تتوقع الأسوأ، ويقال أنها سحبت بعض القطع البحرية من ميناء طرطوس، فهل يعنى هذا أن ثمة مفاوضات تمت من تحت الطاولة لعملية مقايضة، قد يكون هذا على النحو التالي هاهى روسيا تسيطر على 20% من مساحة أوكرانيا، وكل ما عرض من حلول حتى الآن يصب فى اتجاه، تخلى أوكرانيا عن تلك الأراضى، وأنه لا أحد سيعترف بها كجزء من روسيا، الغرب استسلم لاستعادة روسيا للقرم أو أنها جزء من أوكرانيا، لولا العملية العسكرية فى فبراير 2022. الأرض الروسية تاريخياً ذهبت  لأصحابها وهذه ليست النهاية لأن موسكو تريد أن تصل بالمقاطعات الأربع التى تسيطر عليها إلى حدودها الإدارية، وهذا سر النشاط الروسى العسكرى هذه الأيام فى شرق أوكرانيا خاصة فى دنيتسك. ورغم أن الرئيس الأوكرانى تحدث فى الصيف الماضى عن أنه لن يتنازل عن أراض، وأن الأرض ليست موضوعا للتفاوض، هو الآن الذى يتحدث عن التنازل مقابل ضمان الأمن وعضوية الناتو الذى يعتبره الانتصار الأوكرانى.

لكن من ناحية أخرى هل سيقبل الغرب بوجود قنبلة جديدة إلى جانب إسرائيل ممثلة فى (“جبهة النصرة السورية أو تحرير الشام “حفيدة داعش والقاعدة وابنة عم طالبان”)، وبعد أن تخلص من حماس وأضعف حزب الله سيقوم بوضع قنبلة أكبر، وهى ليست تهديدا لإسرائيل فقط بل للأنظمة العربية التى لديها استعداد للتفاوض وتطبيع العلاقات مع إسرائيل. كما أننى لا أتصور، أن تركيا ستكون ضامنا لهؤلاء الذين لها سيطرة عليهم الآن، أم أن سوريا ستقسم بحيث يكون على حدودها القريبة من إسرائيل دولة معتدلة، خاصة وأن الجماعات المسلحة ترفض دخول بعض القرى فى الجنوب وتعلن أنها لن ترفع السلاح ولن تقاوم. إسرائيل تحشد قواتها فى الجولان وأعلنت حالة الاستعداد القصوى، لكن المعارضة المسلحة لم تلق حتى ولو حجر على إسرائيل طوال وجودهم فى أشكالهم السابقة القاعدة أو داعش أو غيرها، لذلك على إسرائيل أن تطمئن.

تركيا الرابح الكبير فى هذه الأحداث فالمقاتلون هى من رعتهم وسلحتهم وأرسلتهم، وهى متسقة مع نفسها، حيث كانت تناصب الرئيس السورى العداء منذ عام 2011، وحصلت بالتنسيق مع روسيا ودمشق نفسها على منطقة عازلة تحميها من الهجمات الكردية وسمح لها بالدخول وتتبع العناصر المسلحة إلى عمق الأراضى السورية. ووجود نظام جديد فى سوريا من هذه الجماعات المسلحة سيكون بلا شك موال لأنقرة، لكن علينا تذكر درس إنشاء ودعم واشنطن للأفغان والقاعدة فى حربهم ضد الاتحاد السوفيتى ثم انقلب السحر على الساحر ورأينا 11 سبتمبر، والنظام التركى الحالى الإسلامى التوجه ليس دائما، من يدرى عندما يأتي فى تركيا نظام جديد؟.

فى كل الأحوال وكما قلت من قبل هذا النزاع (الروسى ـ الأوكرانى) هو نزاع بين طرفين هما روسيا والغرب، وهو لا يقبل القسمة على اثنين فكل طرف منهم ليس لديه ترف الخسارة، الغرب خسر للتو معركة أفغانستان أمام طالبان، وهو غير مستعد لهزيمة أخرى فى فترة قصيرة، خاصة أنه يستعد لمواجهة الصين، كما أنه فى مرحلة الدفاع عن هيمنته وهيبته، وروسيا إذا خسرت فستفقد نفوذها كقوة عالمية كبرى ومسيطرة على فضاء الاتحاد السوفيتى السابق على الأقل، وإذا اضطرت للانسحاب من قواعدها فى سوريا، فإنها ستفقد مرجعيتها ومحاولتها استعادة الدور السوفيتى السابق فى المنطقة العربية وأفريقيا، أم أن موسكو ستجد لغة مشتركة مع النظام الجديد فى سوريا على طريقة علاقتها بطالبان، المصنفة حركة إرهابية فى روسيا.

وبالتالي أتصور أن الغرب وروسيا فى أوكرانيا سيفكران جدياً فى حلول مفادها “لا غالب ولا مغلوب”، لكن لا بأس من بعض التشدد بعض الشئ عند التفاوض، لحفظ ماء الوجه، فالجميع أرهق على كل المستويات، والبديل قد يكون حربا بين روسيا والناتو وهو ما يعنى حربا عالمية، العالم غير مستعد لها الآن.

قد أكون مخطئاً فى فرضية المقايضة بين روسيا والغرب فى سوريا وأوكرانيا. فى هذه الحالة سيكون على موسكو الاستعداد لمغادرة سوريا إذا انتصرت العصابات المسلحة، وهذا يعتبر نصرا معنويا للغرب وخسارة جيوسياسية لروسيا، ومن ثم فإن موسكو سوف تتشدد فى أى مفاوضات قادمة فى النزاع مع الغرب فى أوكرانيا وقد تكثف هجماتها فى الفترة القليلة القادمة، وقد تستقطب خسارة سوريا أطرافا أخرى مثل إيران للانخراط أكثر فى النزاع الأوكرانى إلى جانب روسيا انتقاماً من الغرب، وهذا فى تقديرى سيكون الأسوأ بالنسبة لأوروبا والغرب ولأوكرانيا نفسها، وسيتعرض الجميع لحرب استنزاف قد تطول.

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy