إبراهيم نوار يكتب:سعر الفائدة وحده لا يكفي لتحريك الاقتصاد

76

*بقلم /إبراهيم نوار

تعلقت أنظار المصرفيين والاقتصاديين ورجال الأعمال في الأسبوع الماضي بقرار البنك المركزي بشأن سعر الفائدة على الجنيه المصري. طموحات كثيرين منهم كانت تتطلع إلى تخفيض الفائدة، خصوصا وأن الظروف أصبحت أكثر ملاءمة عن ذي قبل لمثل هذا القرار. هذه الظروف تشمل انخفاض أسعار الفائدة على الدولار بمقدار نقطة مئوية كاملة خلال العام وربما يعاود مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تخفيض الفائدة على الدولار أكثر قبل نهاية العام المالي. كما تشمل الظروف التي تهيئ الوضع الاقتصادي لتخفيض سعر الفائدة على الجنيه تراجع التضخم في مصر طبقا للحسابات الرسمية إلى 23.9% حسب أحدث التقديرات منخفضا بنحو 14 نقطة مئوية عن المستوى القياسي الذي كان قد سجله في أواخر عام 2023 عندما وصل إلى 38%.

هذان العاملان من شأنهما خلق الظروف المناسبة لتخفيض سعر الفائدة على الجنيه. لكن قرار البنك المركزي جاء بتثبيت سعر الفائدة الأساسي على ما هو عليه عند 28.25% للإقراض. وأظن أن القرار لم يكن على هوى أباطرة رجال الأعمال بسبب تكلفته المرتفعة على القروض المتراكمة عليهم.

هناك قطاع آخر في المجتمع المصري بات قرير العين بعد تثبيت الفائدة، هو قطاع أصحاب المدخرات الذي يستعين على صعوبات الحياة، وتدهور القوة الشرائية للنقود بعاند فوائد الودائع أو شهادات الاستثمار. هذا القطاع الاجتماعي ليس صغيرا، لأنه يشمل الملايين من أصحاب المعاشات والأسر التي تحتفظ ببعض الفوائض التي تغذيها تحويلات المصريين العاملين في الخارج.

استمرت تحويلات المصريين العاملين بالخارج في تحقيق قفزات متتالية عقب الإجراءات الإصلاحية في مارس 2024 حيث تضاعفت خلال شهر ديسمبر لتصل إلى نحو 3.2 مليار دولار (مقابل نحو 1.6 مليار دولار خلال شهر ديسمبر2023)، وهي تدفقات لم تحدث من قبل خلال شهر ديسمبر من كل عام. كما ارتفعت مقارنة بالشهر السابق عليه مباشرة (نوفمبر2024) بمعدل 24.5% والتي سجلت خلاله نحو 2.6 مليار دولار. وتسهم التحويلات في تمويل الاستهلاك لقطاع اجتماعي كبير أيضا، إلى جانب دورها الرئيسي في تغذية خزانة حكومة مصر بالعملات الأجنبية الحرة من أي التزام بالسداد. مصادر التمويل الأخرى يتعين على الحكومة سدادها وما عليها من فوائد أو أرباح لأصحابها.

التحويلات سجلت خلال النصف الأول من السنة المالية 2024/2025 (الفترة يوليو/ديسمبر 2024) ارتفاعاً بنسبة 80.7% لتصل إلى نحو 17.1 مليار دولار (مقابل نحو 9.4 مليار دولار خلال الفترة يوليو/ ديسمبر 2023). وعلى مستوى السنة الميلادية 2024، سجلت التحويلات ارتفاعاً بمعدل 51.3% لتصل إلى نحو 29.6 مليار دولار (مقابل نحو 19.5 مليار دولار خلال العام السابق 2023). ولا شك في أن زيادة التحويلات تسهم في مساعدة  الملايين من الأسر على تحمل الزيادة في تكاليف المعيشة. ومع ذلك فإن الفوائد الشهرية على الودائع وشهادات الاستثمار تظل المصدر المستدام المضمون لزيادة الدخل الثابت أو المحدود.

ويحمل تخفيض أو رفع سعر الفائدة على الجنيه محركات ترتبط بقيمة الجنيه مقابل العملات الأخرى، وتكلفة الواردات و إيرادات الصادرات، ومعدل النمو، وفرص العمل، ومعدل التضخم وغيرها. لكن كل هذه المحركات ترتبط بمتغيرات اقتصادية متنوعة، تلعب أدوارا مختلفة في الأداء الاقتصادي. سعر الفائدة وحده لا يكفي لتحريك الاقتصاد، إلا بالقدر الذي يكون فيه الاقتصاد أشد مرونة وأكبر طاقة وأكثر تنوعا. في حالة توفر هذه المقومات يسهم رفع سعر الفائدة في إبطاء سرعة النمو وتخفيض التضخم، كما يؤدي تخفيضه إلى إطلاق النمو وتوفير المزيد من الوظائف لطالبي العمل. انخفاض سعر الجنيه يجعل الصادرات ارخص والواردات أغلى. ويستطيع الاقتصاد أن يستفيد من انخفاض سعر الجنيه، وتحويله إلى محرك للنمو عندما تكون الطاقة التصديرية كبيرة، والقيمة المضافة للصادرات مرتفعة. في غير هذه الحالة يؤدي انخفاض سعر الجنيه إلى غلبة تأثير ارتفاع تكلفة الواردات، وهو، تاريخيا،  واحد من أقوى محركات التضخم في الاقتصاد المصري.

لذلك فإن البنك المركزي المصري يواجه معضلة كبيرة في إدارة السياسة النقدية بأكملها وليس إدارة أسعار الفائدة فقط. مشكلة الحكومة أنها تعتقد في إمكان محاصرة المشكلات أو حلها باستخدام حل واحد سهل، خصوصا إذا وقف وراءها صندوق النقد الدولي. وسوف تصبح المعضلة أكبر إذا ارتفعت أسعار الفائدة على الدولار نتيجة جنون ترامب، كما يمكن أن يسقط العالم كله في ركود عميق إذا أصيبت الولايات المتحدة بركود نتيجة سياسات إدارتها الجديدة .

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy