لا تزال حكومة مصر عاجزة عن ابتكار الصيغة الصحيحة لإدارة المالية العامة للدولة. ما يثير السخرية في هذا السياق هو أن الأداء الفعلي للاقتصاد العيني والاقتصاد النقدي يصفع المستهدفات التي تعلن الحكومة أنها تتطلع إلى تحقيقها. على سبيل المثال تفخر الحكومة بأنها في الإستراتيجية المتوسطة المدى لإدارة الدين الخارجي تستهدف تخفيضه بما يتراوح بين مليار إلى ملياري دولار سنويا (وهو هدف ضئيل لا يستوجب الفخر). ورغم ذلك فإن الدين الخارجي لمصر ارتفع بمعدل 1.5% في الربع الأول من السنة المالية الحالية! قيمة الدين الخارجي في الربع الأول من السنة المالية الحالية ارتفعت إلى 155.2 مليار دولار مقابل 152.9 مليار دولار في نهاية السنة المالية الأخيرة. الأكثر مدعاة للسخرية أن الحكومة تبحث في كل الدفاتر على مصادر جديدة للاقتراض الداخلي والخارجي.
وعلى صعيد الاقتصاد المادي يزحف القطاعان الزراعي والصناعي ببطء شديد وراء القطاعات الخدمية مثل الاتصالات. ففي الربع الأول من السنة المالية الحالية نما قطاع الاتصالات بنسبة 12.2% (استخدام الإنترنت ومكالمات المحمول)، في حين نما قطاع الزراعة بنسبة 2.6%. ومن ثم فإن معدل النمو الاقتصادي المحقق في الفترة المذكورة لا يعكس نموا في الإنتاج السلعي يعادل النمو المتوقع في الطلب. الترجمة العملية لذلك هو ارتفاع الأسعار وزيادة الواردات. وبذلك فإن معدلات النمو الرسمية المعلنة لا تظهر حقيقة الأداء الاقتصادي في كل من القطاعين العيني والنقدي للاقتصاد. السبب في ذلك هو أن الأرقام التي يتم ترويجها تخفي أسباب الخلل، وتقدم صورة ناقصة مضللة. الحقيقة هي أن معدلات النمو في كل القطاعات يقودها محرك التضخم أو الديون، وهو ما يجعل النمو مجرد فقاعة مهددة بالانفجار في أي وقت.
على سبيل المثال تستعرض الحكومة ضمن مؤشرات نجاح سياستها المالية أنها حققت زيادة كبيرة في تحصيل الضرائب، لكنها تحاول إخفاء حقيقة أن الزيادة في حصيلة ضريبة القيمة المضافة هي نتيجة ارتفاع أسعار السلع، وهو ما يعبر عن زيادة التضخم. الزيادة في جباية القيمة المضافة تمثل وحدها ما يقرب من 40% من الزيادة في الإيرادات الضريبية. كذلك فإن الزيادة في الضرائب على المرتبات المحلية تأكل ما يقرب من 30% من الزيادة في الإنفاق على الأجور والمرتبات وتعويضات العاملين.
وقد بلغت قيمة الأجور وما في حكمها خلال الفترة منذ يوليو حتى نهاية نوفمبر 240.7 مليار جنيه بزيادة 19% في حين أن معدل التضخم بلغ 25% وأن حصيلة الضرائب على المرتبات زادت بنسبة 29.7%. وإذا كانت بيانات الحكومة تقول أن قيمة الأجور وتعويضات العاملين قد زادت، فإنها تناقض الحقيقة مرتين. المرة الأولى لأن معدل الزيادة في الأجور يقل عن معدل التضخم. والثانية أن القيمة المحسوبة تتضمن ضرائب مدفوعة للدولة قيمتها 55 مليار جنيه، فيكون الصافي الذي تسلمه العاملون 185 مليار جنيه فقط. في حقيقة الأمر أن الزيادة في الجباية لا تعبر عن زيادة حقيقية في قيمة الإنتاج أو الدخل، بقدر ما تعبر عن تشوهات اقتصادية أو تتسبب في حدوث هذه التشوهات.
وبتحليل بيانات الحكومة عن الأشهر الخمسة الأولى من السنة المالية الحالية 2024/2025 نجد أن قيمة الفوائد المدفوعة على الدين الحكومي ارتفعت إلى 730.6 مليار جنيه مقابل 713.4 مليار في الفترة المقابلة من السنة المالية السابقة. هذا يعني أن مدفوعات الفوائد تبلغ حوالي 39% من المصروفات الكلية، وتستحوذ وحدها على ما يتجاوز 88% من كل حصيلة الإيرادات الضريبية، وتعادل ما يقرب من أربعة أمثال قيمة الأجور وتعويضات العاملين بعد خصم الضرائب. إننا إذن ندفع لأصحاب الدين أربعة أمثال ما ندفع لكل العاملين في الدولة!
الصورة لا تبدو جيدة أبدا. ولن تفلح البيانات ولا احتفالات الإنجازات الكاذبة في تضليل الناس عن الواقع الحقيقي الذي يعيشونه في اقتصاد مترهل وردئ بسبب سياسة اقتصادية رديئة وعاجزة. لقد توقع كثير من رجال الأعمال وخبراء الاقتصاد تخفيض سعر الفائدة على الجنيه، لكن قرار البنك المركزي بالتثبيت خيب آمالهم. الصدمة الجديدة التي تلقاها السوق في الأسبوع الحالي هي ارتفاع تكلفة حصول الحكومة على ديون محلية عن طريق إصدار أذون خزانة جديدة، ليصل العائد الذي تحصل عليه البنوك إلى أكثر من 30% في عطاء يوم الأحد الماضي. هذا التطور يعكس خطورة ركود وعدم فاعلية السياسة الاقتصادية بكل مكوناتها، بما فيها السياسة النقدية. هذا الركود يتسبب في حدوث صدمات مفاجئة عنيفة لاحقة لامتصاص آثار الخلل السابق بين الواقع الاقتصادي والسياسة الاقتصادية.

التعليقات متوقفه