بعد فشل توقيع «المعادن الأرضية النادرة»..زيلينسكى يأمل فى إصلاح العلاقات مع أمريكا وتوقيع الصفقة
لقد فشل اللقاء المرتقب بين الرئيس الأوكرانى والأمريكي يوم 28 فبراير فشلاً ذريعًا، فى الوقت الذى كان العالم يتوقع أن تسير الأمور على ما يرام، وأن يتم توقيع الاتفاق الخاص بالمعادن الأرضية النادرة بسلاسة ويسر، حيث اتفق الطرفان على بنود الاتفاق الإطاري مسبقاً بكل بنوده، غير أن الرئيس الأوكرانى أصر على الحصول على ضمانات أمنية، وأثناء جلسة فى البيت الأبيض حضرها الرئيس ترامب ونائبه جى دى فانس تحول الاجتماع الذى كان من المنتظر أن يكون احتفالاً بتوقيع اتفاق اقتصادي مهم للولايات المتحدة ولأوكرانيا من حيث الاستثمار فيما بعد، تحول إلى توجيه اللوم وارتفعت أصوات الرئيسين الأوكرانى والأمريكي ونائبه.
الرئيس ترامب فى رده على الرئيس الأوكرانى حول انحيازه لبوتين قال “لا بد من علاقة جيدة بالطرفين حتى نتمكن من إيجاد حل، وأنتم تريدون أن أقول أشياء سيئة عن بوتين”. ثم انتقل ترامب إلى موضوع الزيارة “مرحباً يا فلاديمير كيف تسير صفقتنا؟”، غير أن الرئيس الأوكرانى فاجأ الجميع بقوله إن الأمور لا تسير هكذا، وهو الأمر الذى رد عليه الرئيس الأمريكى أنا لست فى تحالف مع بوتين، أنا لست فى تحالف مع أحد، أنا فى تحالف مع الولايات المتحدة فقط، من أجل خير كل العالم أنا فى تحالف مع السلام، وأريد إنهاء هذه الحرب.
غير أن الرئيس ترامب أشار إلى الرئيس الأوكرانى وقال لعلكم ترون كم يكره بوتين، واستطرد إنه من الصعب على إبرام صفقة مع هذا الكم من الكراهية. وتوجه ترامب إلى الصحفيين إنه لديه كمية كره كبيرة وأود أن أقول إن الجانب الآخر (بوتين) أيضاً لديه نفس الشعور، تحدث الرئيس الأوكرانى عن أنه سيقاتل مهما كانت الظروف، غير أن الرئيس الأمريكى ونائبه تحدثا عن أنه ليس لديه أوراق رابحة ليلعب بها وليس لديه ما يكفى من الجنود، وعاد ترامب للصفقة قائلاً أنا أستطيع أن أكون أكثر قسوة، لكنكم لن توقعوا الصفقة بهذا الشكل، ثم طرح الرئيس سؤالا مشيراً إلى نائبه. وجه الرئيس زيلينسكى حديثه لنائب الرئيس الأمريكى قائلاً هل من الممكن أن أسأل، فرد فانس طبعاً، فقال: الرئيس الأوكرانى “جيد إنه (بوتين) احتل جزءا كبيرا من الأراضى الأوكرانية واحتل القرم عام 2014، وأنا خلال أعوام عديدة تحدثت، أنا لا أقصد بايدن ولكن أوباما وبعد ذلك ترامب ثم بايدن، والآن الرئيس ترامب يا رب يتمكن من الانتهاء من إيقافه (بوتين)، فى عام 2014 لم يوقفه أحد، هو ببساطة احتل وأخذ وقتل الناس أتفهمون؟ ما هى الخطوط الفاصلة؟. على أى حال فى نهاية الأمر تم طرد الرئيس الأوكرانى من البيت الأبيض، وبينما أيد النواب الديموقراطيون فى الكونجرس تصرفات الرئيس الأوكرانى، استهجنها الجمهوريون.
لن أخوص كثيراً فى تفاصيل الحوار الذى تحول إلى مشادة كلامية عالية الصوت ولم ينقصها سوى الشتائم، وهو الأمر الذى دفع عضو الكونجرس الجمهورى الشهير ليندسى جريم لوصف ما حدث فى البيت الأبيض بأنه “كارثة مكتملة”، وقال إنه إذا لم يغير الرئيس الأوكرانى من سلوكياته فإنه سيكون عليه الاستقالة، وأعرب جريم عن شكوكه فى أن الرئيس الأوكرانى سيمكنه العمل مع الإدارة الأمريكية الحالية، ونصحه بأن يعود لبلاده ويقدم استقالته، وأن يرسل شخصًا آخر يمكننا، العمل معه أو أن يتغير زيلينسكى نفسه.
بعد طرد الرئيس الأوكرانى من المكتب البيضاوى تحدث لقناة “فوكس نيوز”، رفض فيه الاعتذار، عن سابقة هى الأولى فى تاريخ البيت الأبيض، وأعرب عن أمله فى أنه يمكن إنقاذ العلاقات، وأكد أنه على استعداد أوكرانيا للسلام. رغم المشادة الكلامية إلا أن الرئيس الأوكرانى لديه أمل فى إنقاذ العلاقات الأوكرانية – الأمريكية، وأضاف ليس هناك من يريد إنهاء النزاع مثل أوكرانيا والأوكران، ودعا زيلينسكى الإدارة الأمريكية الحالية إلى سماع موقف أوكرانيا، وأضاف “نحن مستعدون للسلام، لكن يجب أن نكون فى وضع قوى. نحن نريد ضمانات أمنية”، وفى الوقت الذى رفض فيه الرئيس الأوكرانى الاعتذار للرئيس ترامب إلا أنه أقر “بأن موقف بلاده سيكون صعباً بدون دعم الولايات المتحدة، ولهذا أنا هنا (فى الولايات المتحدة)”. ورغم عدم اعتذار الرئيس الأوكرانى لنظيره الأمريكى إلا أنه أعرب عن ندمه على ما حدث فى البيت الأبيض، وأعترف بأن الموقف كان سيئاً، وخاصة حسب قوله: إن هذا حدث فى وجود وسائل الإعلام، وأعرب الرئيس زيلينسكى عن أن العلاقات مع ترامب يمكن أن تتحسن رغم الجدل الذى حدث.
المهم هنا فى ردود فعل الأطراف الأخرى للنزاع، روسيا كانت فى قمة السعادة وهللت لما حدث ووصفت الرئيس الأوكرانى بغير شرعى فى مقالات المعلقين على الحدث، أما أوروبا فقد تعاملت مع الحدث بمدح الرئيس الأوكرانى، رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلونى دعت إلى الحوار بين قادة الغرب ودعت إلى عقد اجتماع عاجل بين الأوروبيين بمشاركة الولايات المتحدة وحلفائهم لمناقشة الوضع فى أوكرانيا، بينما أعرب وزير خارجية النمسا عن دعمه للرئيس الأوكرانى وقال “نحن ندعم أوكرانيا”، أما الرئيس التشيكى فقد صرح بأنه يقف إلى جانب أوكرانيا، الآن، أكثر من أى وقت مضى، بدورهم أعربت السويد والنرويج والدنمارك عن دعم أوكرانيا، وقال وزراء خارجية هذه الدول، البعض أعرب عن “صدمته” مما يراه وخاصة السيد راسموسين وزير خارجية الدنمارك، بينما رئيس وزراء السويد كتب على منصة إكس إنه يدعم أوكرانيا، أما رئيس الوزراء البولندى دونالد توزك فقد أعلن أنه يؤيد الرئيس الأوكرانى، قائلاً للشعب الأوكرانى “أنتم لستم وحدكم”.
من جانبه قال الرئيس الفرنسى ماكرون بعد المشادة التى حدثت فى البيت الأبيض، أنه اتصل بالرئيس الأوكرانى هاتفياً، وقال لوسائل الإعلام إن الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وكندا تصرفوا صح بدعمهم ومساعدتهم لأوكرانيا، وأضاف “يجب أن نشكر من ساعد، ويجب أن نحترم من يحارب من البداية”. كما دعمت هولندا وبريطانيا موقف الرئيس الأوكرانى، وحالياً لا يستطيع أحد التكهن بما سيحدث، وما إذا سيتم رأب الصدع أم سيكون هذا من خلال القمة التى دعمت إليها إيطاليا للاتحاد الأوروبى وبريطانيا وكندا، أم ماذا، فى تقديرى أن ما حدث هو نتيجة انفلات أعصاب الرئيس الأوكرانى، الذى يعانى كثيراً فى الحرب، وحتى فى صفقة المعادن دخلت روسيا على الخط، وفى نفس الوقت لا تريد واشنطن أن تدفع العلاقات مع روسيا إلى ما هو أسوأ مما هى عليه الآن، لذلك فى اعتقادى سيوجد من يحاول تقريب وجهات النظر بين البلدين من أوروبا، لأنه كما قلت من الصعب على واشنطن التخلى عن أوروبا، فهى والسيطرة عليها من جعل أمريكا قوة مهيمنة، وأوكرانيا جزء مهم من أوروبا جغرافياً وموارد طبيعية، زيلينسكى أخطأ وكان عصبياً، وهو أراد أن تنحاز الولايات المتحدة لأوكرانيا بالكامل، وهو ما يعنى قيام حرب عالمية ثالثة كما قال الرئيس ترامب، وفى نفس الوقت هو يريد أن يوثق علاقته بالرئيس بوتين لعله يستطيع تحقيق بعض المكاسب لأوكرانيا التى قال عنها إنها لا تملك أوراقا كثيرة رابحة، ناهيك عن حالة جيشها التى تدهورت بين نقص الجنود وهروب البعض من الخدمة، وفى اعتقادي ستوقع واشنطن صفقة المعادن الأرضية النادرة، لكن عندما تهدأ الأمور.
أوكرانيا من جانبها تدرك أن الأوروبيين لن يستطيعوا تحقيق مطالبها من السلاح، والولايات المتحدة وما تطالبها به أوكرانيا من سلاح لضرب العمق الروسى، من الصعب تحقيقه لكن واشنطن هى المصدر الرئيسى لوسائل الدفاع الجوى وذخيرة المدفعية وهى أمور لن يستطيع الجيش الأوكرانى الصمود بدونها لفترة طويلة، ولذلك كما قلت من قبل وقال الرئيس زيلينسكى أنه لا بديل عن الولايات المتحدة ولا بد من ترميم الصدع الذى حدث فى العلاقات، بعد أن يخف أثر الصدمة على الرئيس ترامب.
لكن سر اهتمام ترامب بالمعادن الأرضية النادرة، والتى أدت صفقة التوقيع على استغلالها أمريكياً إلى تدهور العلاقات بين واشنطن وكييف، رغم أنه فى تقديرى السبب هو ما تطالب به أوكرانيا من ضمانات منها، ورغم أن هذه المعادن موجودة فى الولايات المتحدة وكندا والصين أكبر المنتجين، وحجم تجارة هذه المعادن فى العالم لا يتجاوز 15 مليار دولار سنوياً وفق خبراء، إلا أن هذه المعادن لها استخدامات هامة جداً وعلى رأسها إنتاج منتجات عالية التكنولوجيا وخاصة تلك الخاصة بالانتقال للطاقة الخضراء، بالإضافة للذكاء الإصطناعى، ناهيك بالطبع عن إنتاج الأسلحة وإنتاج مواد جديدة، وفى صناعة الشرائح الاليكترونية. لكن ما أهمية أوكرانيا فى إنتاج هذه المعادن، تقول التقارير إن أوكرانيا بها 5% من الاحتياطات المعدنية الموجودة فى العالم، لكن نظراً لسيطرة روسيا على حوالى 20% من مساحة أوكرانيا فإن جزءا كبيرا من هذه المعادن تحت السيطرة الروسية، والسبب فى سعى ترامب للحصول على هذه المعادن المهمة هى الصين، نظراً للحرب التجارية المحتملة بين الصين والولايات المتحدة والمرتبطة بالرسوم الجمركية التى قد تفرضها واشنطن على السلع الصينية، (الصين أكبر منتج للمعادن الأرضية النادرة فى العالم) ستصبح مهددة، ولذلك يريد الرئيس الأمريكى تأمين إمداد بلاده من تلك المعادن وفى نفس الوقت يستعيد ما أنفقته بلاده على أوكرانيا أثناء الحرب.
عدد المعادن الأرضية النادرة 18 معدنا موجودة فى أخر الجدول الدورى للعناصر، وتعتبر روسيا من الدول الغنية بالمعادن الأرضية النادرة، لكن تأتى الصين فى المرتبة الأولى، وهى تنتج حوالى 95% من الإنتاج العالمى وكثير من الدول تعتمد على الصين فى هذا المجال بما فيها الولايات المتحدة نفسها. قد يعتقد البعض أن تسمية “المعادن الأرضية النادرة” تعنى أن وجودها نادر فى الطبيعة، لكن هذا غير صحيح والسبب فى هذه التسمية هو خصوصية انتشار هذه المعادن، فهذه المعادن منتشرة على نطاق واسع فى القشرة الأرضية، إلى أن نسبة تركيزها ضئيلة جداً، وعادة ما تكون مترافقة مع مكونات أخرى، وهذا ما يجعل عملية استخلاص هذه المعادن وتنظيفها لتحظى بالنقاوة التى تتيح استخدامها صناعياً غاية فى الصعوبة والتعقيد.
لكن حتى الآن الشد والجذب بين واشنطن وموسكو، ما زال محصوراً فى أن روسيا تريد إحداث اختراق فى العلاقات مع الولايات المتحدة وهى دعت الشركات الأمريكية (البرندات) للعودة للسوق الروسية وشركات النفط وغيرها وذلك لإسالة لعاب ترامب، وفى نفس الوقت ترفض التنازل عن أى شيء يساعد على حلحلة فى الملف الأوكرانى، وقد اجتمع دبلوماسيون من البلدين فى اسطنبول لمدة 6 ساعات ونصف، ولم يتحدث أحد عن نتائج محددة حتى الآن، لننتظر لعلها الضيق الذى يسبق الانفراج، إلا أن الجانب الروسى طلب عودة الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين.

التعليقات متوقفه