ظاهرة ترامب: أكثر من شعبوية أقل من فاشية

82

بدأ خصوم ترامب من النخب السياسية التقليدية- بالأخص من يتبنون النهج الليبرتاري الراعي للتحولات الثقافية الكبرى وتفكيك نمط المعيشة المحافظ نسبيًا- إلى توصيف ممارسات ترامب ومؤيديه بالفاشية, والفاشية توصيف خطير يحتوى على تغيير عنيف في البنى السياسية لم يحدث بعد على نهج ترامب, كما أن توصيف ترامب كمجرد يميني شعبوي هو توصيف عاجز عن استيعاب حجم التغيير الكبير الذي يحدث في ولاية ترامب الرئاسية الثانية. العودة للسياق الشامل لصعود ترامب مفيد لاستيعاب هذه الظاهرة دون قولبتها في لفظ أحادي البُعد.

أزمة فتحولات بنيوية عميقة

لم يكن صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم مجرد صدفة سياسية أو نتيجة كاريزما شخصية، بل جاء انعكاسًا لتحولات بنيوية عميقة في النظام الرأسمالي الأمريكي. منذ الأزمة المالية في 2008، دخل الاقتصاد الأمريكي مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، حيث تزايدت الفجوة الطبقية، وانهارت قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى، وتفاقم الشعور بالغضب تجاه النخب السياسية والاقتصادية. هذه التغيرات لم تكن عابرة، بل شكلت إعادة هيكلة عميقة للرأسمالية الأمريكية، جعلت الديمقراطية الليبرالية غير قادرة على إنتاج الإجماع السياسي كما في السابق.

في ظل هذه الظروف، لم يعد النظام السياسي الأمريكي قادرًا على احتواء الغضب الشعبي عبر الآليات التقليدية، مما أدى إلى صعود تيارات سياسية أكثر راديكالية على جانبي الطيف السياسي. على اليمين، استفاد ترامب من هذه الموجة، مقدمًا نفسه كقائد “خارج عن المؤسسة” قادر على استعادة العظمة الأمريكية من النخب الفاسدة والشركات المتعددة الجنسيات التي نقلت الوظائف إلى الخارج. لم يكن خطابه مجرد تكتيك انتخابي، بل كان متماهيًا مع التحولات الهيكلية التي يشهدها الاقتصاد الأمريكي، حيث تتراجع الصناعات التقليدية لصالح الاقتصاد الرقمي والعولمي، مما يترك شرائح واسعة من العمال بلا وظائف مستقرة.

لكن ترامب يمثل كذلك تعبيرًا عن تحولات داخل النخبة الرأسمالية نفسها. فقسم مؤثر من رأس المال الأمريكي لم يعد يرى فائدة في السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي تركز على العولمة والتجارة الحرة، وبدأ يميل إلى سياسات أكثر حمائية، تركز على دعم الصناعات المحلية وفرض قيود على الواردات. مثل ترامب الوجه السياسي لهذا الاتجاه، حيث دعم الصناعات الثقيلة والطاقة التقليدية، وشن حربًا تجارية ضد الصين، معتبرًا أن العولمة أضرت بالمصالح الأمريكية.

هل تمكنت الفاشية من السلطة الأمريكية؟

يروق لليسار الليبرالي الأمريكي توصيف ترامب بأنه فاشي، خاصة بسبب خطابه القومي العدائي، وتهجّمه على المؤسسات الديمقراطية، وتشجيعه للعنف السياسي. لكن الفاشية ليست مجرد شعبوية متطرفة، بل هي نظام سياسي قائم على هيمنة حزب واحد، وتحويل الدولة إلى أداة للعنف المنظم ضد المعارضين، وتعبئة المجتمع بالكامل خلف مشروع سلطوي. من هذه الزاوية، لم يكن ترامب فاشيًا بالمعنى الكلاسيكي، حيث لم يصل إلى مرحلة تحطيم المؤسسات الديمقراطية بالكامل أو فرض حكم شمولي.

لكن في الوقت ذاته،  ترامب ليس مجرد شعبوي تقليدي أيضًا، لأنه لم يكتفِ باستخدام خطاب معادٍ للنخب، بل حاول تغيير طبيعة النظام السياسي الأمريكي لصالحه. فمنذ حملته الأولى، شن هجومًا غير مسبوق على الإعلام، ورفض الاعتراف بمشروعية المؤسسات القضائية، وبلغت ذروة هذه النزعة مع محاولته قلب نتائج الانتخابات، وتحريض أنصاره على اقتحام مبنى الكابيتول.  واليوم تشجيعه للإجراءات الراديكالية التي يتخذها وزيره المفوض إيلون ماسك.

ما يجعله أكثر من مجرد شعبوي هو أنه لم يستخدم المؤسسات القائمة لتعزيز شعبيته، كما فعل قادة سابقون مثل ريجان، بل سعى لإعادة هيكلة النظام نفسه ليكون أكثر ولاءً له. فقد حاول استغلال القضاء لصالحه، وأجرى تغييرات في أجهزة الأمن والمخابرات لضمان تبعيتها، وحوّل الحزب الجمهوري إلى أداة شخصية بدلاً من كونه مؤسسة سياسية مستقلة. هذا النهج لم يصل إلى مستوى الفاشية، لكنه كشف عن استعداد ترامب لتجاوز الحدود التقليدية للديمقراطية الأمريكية، مما جعله يشكل خطرًا حقيقيًا على استقرار النظام.

نهج التاجر في السياسة الخارجية

إلى جانب تأثيره على الداخل الأمريكي، كانت رؤية ترامب للسياسة الخارجية انعكاسًا لمنطقه التجاري في إدارة الدولة. فمنذ البداية، تعامل مع الولايات المتحدة ككيان اقتصادي يجب أن يعمل وفق منطق الربح والخسارة، وليس كدولة ذات مسؤوليات استراتيجية طويلة المدى. هذا النهج ظهر بوضوح في علاقته مع الحلفاء التقليديين، حيث طالب دول الناتو بدفع مزيد من الأموال مقابل الحماية الأمريكية، وسحب قوات بلاده من عدة مناطق بحجة تقليل التكاليف، وهدد مرارًا بفرض عقوبات اقتصادية على الدول التي لا تتماشى مع مصالح واشنطن.

هذه الرؤية ظهرت أيضًا في تعامله مع الأزمة الأوكرانية، والتي نظر إليها كعبء مالي أكثر منها كمسألة أمن قومي. ففي لقائه الأخير مع زيلينسكي، لم يكن مهتمًا بمناقشة توازنات القوى أو المصالح الاستراتيجية، بل ركّز على مسألة التمويل، وطالب الأوروبيين بتحمل تكاليف الحرب بدلًا من الولايات المتحدة. هذا الموقف يعكس استيعابه لأزمة الميزانية الأمريكية، حيث تراكم العجز الفيدرالي نتيجة التخفيضات الضريبية الضخمة والإنفاق العسكري الكبير، مما جعله يفضل نهجًا أكثر انتقائية في التدخلات الخارجية.

لكن هذه السياسة تحمل مخاطر كبيرة على المدى الطويل. فبينما قد تقلل الأعباء المالية على المدى القصير، فإنها تهدد بتآكل النفوذ الأمريكي عالميًا. فالتعامل مع الحلفاء كشركاء تجاريين وليس كحلفاء استراتيجيين يجعلهم أقل التزامًا بالمصالح الأمريكية، ويفتح المجال أمام قوى أخرى، مثل الصين وروسيا، لملء الفراغات التي تتركها واشنطن.

بعبارة أخرى، قد يكون ترامب قد نجح في فرض معادلة جديدة تقوم على تقليل الإنفاق العسكري وتحمّل الحلفاء جزءًا أكبر من التكلفة، لكنه في المقابل أضعف الثقة في الدور القيادي لأمريكا، مما قد يؤدي إلى تراجع نفوذها على المدى الطويل.

في النهاية، يمثل ترامب تعبيرًا عن أزمة أعمق بكثير من مجرد صعود زعيم سياسي غير تقليدي. فهو نتاج تحولات بنيوية في الاقتصاد الأمريكي، حيث تفاقمت الفجوة الطبقية، وتغيرت طبيعة رأس المال، وانهارت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى. كما أنه أكثر من مجرد شعبوي، لأنه لم يكتفِ باستخدام خطاب معادٍ للنخب، بل حاول إعادة تشكيل النظام السياسي لصالحه. وأخيرًا، فإن رؤيته التجارية للسياسة الخارجية قد تحقق بعض المكاسب المالية، لكنها تهدد بتآكل الدور الأمريكي عالميًا.

بهذا المعنى، فإن إرث ترامب لن ينتهي بخروجه من البيت الأبيض، بل سيظل حاضرًا في السياسة الأمريكية، حيث يستمر الجدل حول كيفية التعامل مع الأزمات البنيوية التي أفرزته، وما إذا كان صعوده مجرد مرحلة انتقالية، أم بداية لتحولات أكثر جذرية في مستقبل الولايات المتحدة.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy