خطاب الرئيس الأوكرانى ينهى الأزمة بين واشنطن وكييف
تقسيم أوروبا بين صقور وحمائم للمناورة مع واشنطن
روسيا ترفض أى قوات أوروبية فى أوكرانيا وتعتبرها قوات الناتو
تهديد ماكرون بوضع الدول الأوروبية تحت مظلة باريس النووية أثار غضب موسكو
لم تشهد العلاقات الأمريكيةـ الأوكرانية أزمة مثل تلك التى شهدتها فى الفترة الأخيرة عندما حدثت المشادة الكلامية بين الرئيس الأوكرانى زيلينسكى من ناحية والرئيس الأمريكى ترامب ونائبه جى دى فانس من ناحية أخرى فى اليوم الأخير من شهر فبراير، والتى وصل فيها الأمر لطرد الرئيس الأوكرانى من البيت الأبيض، وهو ما أدى إلى أزمة حقيقية، فالظروف التى تعيشها أوكرانيا ليس سهلة فهى تقاتل ثانى أقوى جيش فى العالم، وخسرت أكثر من 20% من أراضيها، ولا يوجد من يدعمها بشكل مؤثر إلا الولايات المتحدة وأوروبا، ومع ذلك صاح الرئيس الأوكرانى فى الرئيس ترامب ونائبه ما أدى للأزمة التى اتخذت فيها الولايات المتحدة قراراً بوقف المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وتجميد تبادل المعلومات الإستخبارية، ووضح حينها أن الولايات المتحدة تخلت عن صفقة المعادن الأرضية النادرة، التى ذهب الرئيس الأوكرانى للبيت الأبيض لتوقيعها.
طريق مسدود
بدت الأمور وكأنها وصلت لطريق مسدود، وروسيا هللت وأعلن نائب رئيس الأمن القومى الروسى أن منع السلاح عن أوكرانيا سيجعلها تذهب لطاولة المفاوضات من أجل حل سلمى، وقال كذلك إن واشنطن قالت لكييف كفى لن نطعمكم طوال الوقت وليقم بهذا الدور الأوروبيون، وليقوموا بدورهم فى مساعدة كييف، بينما الرئيس الروسى الأسبق دميترى ميدفيديف أعرب عن شكوكه فى قطع المساعدات عن أوكرانيا، وقال إن المساعدات العسكرية لأوكرانيا ستستأنف بعد توقيع صفقة المعادن، كل هذا يأتى فى الوقت الذى لم تضح فيه أى معالم لخطة سلام أمريكية واضحة، بل يمكن القول أن روسيا أوضحت بأنها لن تتخلى عن الأراضى التى تسيطر عليها الآن وهى أراضى روسية بحكم الدستور الروسى، بل أنها قد تطالب بالأجزاء المتبقية والتى لا تسيطر عليها فى الوقت الحالى من مقاطعتى خيرسون وزابورجيا، أى من حيث المبدأ لا تنازل عن أى شبر من الأراضى التى تعتبرها القيادة الروسية أراضيها. هذه شروط روسيا للجلوس إلى مائدة التفاوض ولا أتصور أن الرئيس ترامب غير مدرك لهذا.
موقف أوكرانيا
هذا من ناحية أخرى فإن الرئيس الأوكرانى يبدو أنه قرر أن تكون دولة باسم أوكرانيا موجودة ومن ثم وكما فهمت هو غير معترض على بقاء أراض تحت السيطرة الروسية، لأن روسيا عملياً لا تستطيع التخلى عن تلك الأراضى نظراً لأن السكان هناك أصبحوا مواطنين روس، بل وأتى مواطنون من روسيا وسكنوا.
لكن وكما توقعت ستعود الأمور إلى نصابها وذلك لعدة أسباب 1ـ لم يلغ أحد كون الولايات المتحدة دولة إمبريالية، وأوكرانيا على خريطة العالم بموقعها مهمة سواء لواشنطن أو لبروكسل، فى المواجهة الدائرة مع موسكو. 2ـ رغم عدم ذكر الولايات المتحدة لأى ضمانات أمنية لأوكرانيا، إلا أن عقد صفقة المعادن الأرضية النادرة سيجعل للولايات المتحدة مصالح وتواجد فى أوكرانيا وهذا فى حد ذاته ضمان أمنى، لكن يبدو أن الرئيس زيلينسكى لم يستوعب ذلك وأراد نصا صريحا بضمانات أمنية 3ـ أوروبا تفكر بطريقة التنازل عن ألمانيا الشرقية وستترك مسألة الأراضى الأوكرانية تحت السيادة الروسية، لسببين أولاً لاستنزاف روسيا، التى ستقوم بالإنفاق على تلك الأماكن بحكم التحدى الحضارى مع نظرائهم الآخرين فى الجانب الآخر من البلاد، الذين سيكونون ضمن الاتحاد الأوروبى، ويعتقد الأوروبيون أن السيناريو الألمانى الشرقى سيتحقق 4ـ وجود روسيا فى حالة قلق سيجعل إنفاقها العسكرى أكبر للحفاظ على أراضيها الجديدة وفى هذا استنزاف اقتصادى، رغم غنى تلك المناطق بمواردها الطبيعية حيث توجد 40% من المعادن الأرضية النادرة فى تلك المناطق بالإضافة لمحطة زابوروجيا النووية لتوليد الطاقة الكهربية، والتى تنتج 6000 ميجاوات كهرباء وبها 6 مفاعلات، بل هى أكبر محطة نووية فى أوروبا.
أوربا تتدخل
على الجانب الأوروبى الذى استقبل القادة الأوروبيون الرئيس الأوكرانى بعد الإهانة فى البيت، استقبال الفاتحين وفتحت له أوروبا ذراعيها وبدأت فى إعطائه المنح والمعونات المالية، وكان أشد المتحمسين رئيس المفوضية الأوروبية أوروسولا فون دير لاين التى صرحت بأنها ستخصص 150 مليار يورو للتصنيع العسكرى ولا بد من جيش أوروبى ومنظومة دفاع أوروبية، وفى نفس الوقت، نصحوا الرئيس الأوكرانى بمحاولة الصلح أو الاعتذار، ويبدو لى أن هذا الأخير أوعز لرئيس وزرائه دينيس شميجال بأن يصرح بأن صفقة المعادن جاهزة للتوقيع وأن أوكرانيا لا يمكن أن تعيش بدون الشراكة الإستراتيجية مع واشنطن. أما الأوروبيون فقد وزعوا الأدوار بينهم، فهاهو المستشار الألمانى القادم فريدريك ميرز، يصرح بأن أوروبا يجب أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها، وأضاف لقد تأخرنا كثيراً فى هذا المجال. أما رئيس الوزراء البريطانى، فقد استنكر الأزمة بين أوروبا والولايات المتحدة على أساس أن العلاقة تاريخية.
وتواترت أنباء عن أن كير ستارمر وماكرون الرئيس الفرنسى سيرافقان الرئيس الأوكرانى فى زيارة لواشنطن قريباً، ربما لإنهاء الخلاف نهائياً، حتى الرئيس البيلاروسى لوكاشينكو حليف روسيا الأهم فى فضاء الاتحاد السوفيتى السابق دعى للجلوس مع الرئيس الأوكرانى على اعتبار أنه يتمتع بالتأييد بين مواطنيه، أما وزير الدفاع الإيطالي فقد قال إن أوروبا لا تستطيع العيش بدون المظلة الأمريكية، سواء فى حلف الناتو أو فى أوروبا فأمريكا هى التى تمتلك أسلحة الردع، وهذا صوت من أوروبا قد يجعل الرئيس ترامب يتراجع عن محاولة القطيعة مع أوروبا. فى اعتقادى أن ترامب سيستغل حاجة أوروبا للدفاع وسيقدم خدماته مقابل أموال. رئيسة الوزراء الإيطالية دعت بدلاً من إرسال قوات لأوكرانيا بوضعها تحت المادة 5 من ميثاق حلف الناتو الالتزام بالدفاع عنها كعضو فى الحلف، كضمان أمنى.
تقدم روسي
وبعد أن منعت الولايات المتحدة المعلومات الاستخبارية عن أوكرانيا والتى كانت تساعدها فى تحديد أهداف روسية لضربها، ما جعل موقف القوات الأوكرانية فى حالة صعبة للغاية، وزاد الطين بله سيطرة القوات الروسية على مدينة بريفلين أندرييفكا بشرق أوكرانيا، وجاء خطاب الرئيس الأمريكى أمام الكونجرس، وكان الجميع يتوقع أن يغوص الرئيس ترامب فى التفاصيل، إلا أنه اكتفى برسالة أرسها الرئيس الأوكرانى للرئيس الأمريكى قال فيها إنه مستعد للذهاب لطاولة التفاوض فى أى وقت وأنه سعيد بالعمل مع إدارة الرئيس ترامب القوية وأنه على استعداد للتوقيع على صفقة المعادن فى أى وقت، وكان واضحاً من قراءة الرئيس الأمريكى للرسالة أن الخلاف انتهى.
هذه الأزمة تثبت أن الولايات المتحدة لا تستطيع العيش بدون أوروبا ولا أوروبا بدون الولايات المتحدة، أما ملاطفة ترامب للرئيس بوتين فهى تأتى فى إطار، محاولة الرئيس الأمريكى لبث الفرقة بين بوتين وأقرب حلفائه وهى الصين بالدرجة الأولى، ولذلك بمجرد أن تم الاتصال التليفونى بين الرئيسين ترامب وبوتين قام الرئيس الصينى بالاتصال بنظيره الروسى وأرسل الأخير بعدها سكرتير مجلس الأمن القومى إلى بكين لإطلاع الرئيس الصينى على فحوى ما تم فى المحادثة، وربما للتأكيد على أن التقارب مع واشنطن لن يكون على حساب بكين بأي حال وأن شراكتهم استراتيجية. مصدر قلق الصين كان بسبب دعوة الشركات الغربية للعودة من جديد لروسيا ما أقلق بكين، حيث تموضعت فى روسيا شركات صينية خاصة فى مجال تجميع وبيع السيارات، إضافة لأن هدف واشنطن فض التحالف الصينى ـ الروسى هو إضعاف موسكو فى أى مفاوضات قادمة. وإمعاناً فى طمأنة الصين أرسل الرئيس الروسى نائب رئيس مجلس الأمن القومى لطمأنة بكين والتأكيد على أن الشراكة بينهما استراتيجية.
الخطر الصينى
كما نعرف أن التنافس الرئيسى لواشنطن فى جنوب شرق آسيا سيكون لدرء الخطر الصينى المتصاعد فى تلك المنطقة، وبالتالى من مصلحة الولايات المتحدة إبعاد روسيا عن الصين بل محاولة فض هذا التحالف، لكن يبدو لى أن روسيا ترسل إشارات بضرورة إنهاء العقوبات ووفق الرئيس بوتين عقبة العقوبات تعيق تطبيع العلاقات مع واشنطن، ما يعنى أن مسألة العقوبات هامة بالنسبة لروسيا، لكن واشنطن تريد الإبقاء عليها لتستخدمها كورقة ضغط أثناء التفاوض، فكل ما حدث حتى الآن فى العلاقات بين البلدين هو إرسال الدبلوماسيين لعاصمتى البلدين، وينتظر الرئيس ترامب طاولة المفاوضات، فقد أعرب الرئيس بوتين أنه مستعد، والرئيس الأوكرانى فى رسالته أكد فيها للرئيس الأمريكى على ذلك.
رعب فى أوروبا
أما الضغط على أوكرانيا ومن خلفها أوروبا فالرئيس الأمريكى يدرك بما لا يدع مجالاً للشك أن أوروبا حالياً فى حالة رعب خوفاً من روسيا، وحلف الناتو وفى القلب منه الولايات المتحدة هو الضامن للأمن وتخلى واشنطن عن أوروبا أو حتى إلقاء عبء الدفاع عن أوكرانيا من خلال إمدادها بالسلاح والمعونات على أوروبا هو أمر لا تستطيع أوروبا القيام به فى الوقت الراهن بدون الولايات المتحدة، وأوكرانيا من باب أولى لا تقدر على الصمود أكثر من شهرين فى وجه الآلة العسكرية الروسية خاصة بعد أن منعت عنها واشنطن السلاح والمعلومات الاستخبارية والانترنت “ستارلينك”. الرئيس ترامب يريد تغيير قواعد اللعبة، وإذا أردنا الدقة ليس التخلى عن أوروبا بل إحكام سيطرته عليها، خاصة فى الفترة الحالية، وهى فى حالة رعب من الدب الروسى.
انقسام أوروبي
فى الوقت الحالى واضح من المشهد أن الأوروبيين منقسمين إلى معسكرين، الأول يدعو إلى دعم أوكرانيا عسكرياً لكى تتفاوض من موقع قوة وتفرض السلام على روسيا، أما المعسكر الثانى فهو يرى ضرورة وقف إطلاق النار حالياً مع إرسال قوات أوروبية لضمان الأمن فى أوكرانيا وهو ما ترفضه روسيا بشدة، وقال وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف إن بلاده لن تقبل قوات الناتو فى أوكرانيا تحت أى مسمى وتحت أى علم، واتهم من يدعو لذلك بأنه يريد إشعال مواجهة بين روسيا والناتو، وتعتبر بريطانيا من الصقور الذين يريدون الاستمرار فى الحرب بهدف استنزاف روسيا وعلى حد قول أحد الزعماء الأوروبيين إنه يريد استنزاف روسيا بحيث لا تفكر فى مهاجمة أى دولة أوروبية فى المستقبل.
فى تقدير الخبراء قسم الغرب أطرافه وكل يلعب دورا فى الوقت الراهن يخدم فى النهاية إستراتيجيتهم، الولايات المتحدة للتقارب ومحاولة منع موسكو من أجل هذه العلاقة من التهديد بالنووي، والجزء الثانى يتحدث عن تنازل عن الأراضى التى تسيطر عليها روسيا حالياً مؤقتاً مع عدم الاعتراف بها ومحاولة استردادها دبلوماسياً، مع نشر قوات حلف الناتو فى أوكرانيا تحت مسمى الضمانات الأمنية وبذلك تكون أوكرانيا محمية بمظلة الناتو، وعملياً دخلت الحلف، وروسيا التى قاتلت من أجل إبعاد الحلف هاهو على الأبواب وبإرادتها، الجزء الثالث يوصى بدعم مكثف لأوكرانيا للاستمرار فى الحرب وإضعاف روسيا، هذا مع العقوبات بالطبع، بحيث لا تفكر فى المستقبل فى التدخل فى أى دولة أوروبية.

التعليقات متوقفه