د.رفعت السعيد يكتب : مصر والمرأة فى مواجهة التأسلم (37/2)
ويتواصل حديثنا عن المناضلة اليسارية ديدار عدس وتواصل حديثها فتقول:
– فشلت فى الدراسة فأعطونى عملا فى البنك الذى كان أبى مديرا له، وهنا بدأ كورييل فى مناقشتى فى السياسة، قلت له أنا مجنونة ومستهترة فقال بهدوء، المستهتر عندما يقتنع بفكرة يكون الأكثر انضباطا ويعرف كيف يخلص لها ويضحى من أجلها، وبالفعل حدث وكيف بدأت علاقتك بعثمان فوزي؟
– فى نادى الجزيرة كان ضابط الفرسان الأرستقراطى الأبيض البشرة وذو الشعر الأصفر (أمه كانت إنجليزية) والقوام الفاره والمهيب الذى ورثه من جده الشركسى والذى كان فارسا مشهورا.. كان هذا الرجل محط أنظار كل بنات النادي، أنا تعلقت به وهو اقترب مني، سألته عن مهنته فقال: ضابط بالجيش المصرى فقلت فى استهتار هو فيه جيش مصري؟ فغضب وتصالحنا، وكان عثمان وطنيا مخلصا ويحب الفقراء وأقام فصول محو أمية فى كتيبته.. وكان نموذجا للضابط الثورى اليساري.. واكتشفت بعد أن تزوجنا أنه عضو فى تنظيم الضباط الأحرار، وأصبح اسمى ديدار فوزي، وجلس كوربيل معى وأعطانى مهمة شديدة الخطورة وهى أن أكون مسئولة الاتصال بين حدتو وبين قسم الضباط فى التنظيم، ونجحت بامتياز، فمن كان يصدق أن السيدة الأرستقراطية التى تقضى معظم وقتها فى نادى الجزيرة تلعب التنس والاسكواش والتى تتحدث الفرنسية بأكثر مما تتحدث العربية هى مسئولة الاتصال بأخطر جهاز تابع لمنظمة شيوعية.
ثم ماذا؟ عثمان سافر إلى حرب فلسطين وأصيب وأصبح بعدها عنصرا مهما فى الضباط الأحرار، وبعد ثورة يوليو شاركته فى تهريب شريف حتاتة ومحمد الجندى من معتقلهما فى قصر العينى واختفينا فى بيتنا فلا أحد يصدق أنهما فى بيت ضابط مرموق فى الضباط الأحرار، وأسهمت مع عثمان فى تهريبهما إلى خارج البلاد، فقد اصطحبهما فى زيه العسكرى إلى داخل ميناء بورسعيد ومن هنا هربا، ثم كانت محاولة لتهريب محمد شطا لكنها اكتشفت، ولأن عثمان كان محبوبا من جميع قادة الثورة فقد اكتفوا بإرساله ملحقا عسكريا فى موسكو وطلب إلى السفر معه أو القبض علي، وسافرت وبعد فترة انفصلنا وسافرت إلى باريس أما هو فبعد فترة أصبح سفيرا فى اليابان، وفى باريس عملت مع هنرى كورييل فى أخطر المهام، فقد حصل كورييل عن طريق زميلنا القديم يعقوب بطمانيان الذى أصبح بعد سفره من مصر قياديا فى الحزب الاشتراكى الفرنسى على معلومات تفصيلية عن العدوان الثلاثى الذى كان فى طور الإعداد.. وكانت المعلومات خطيرة فعلا عدد القوات، نقاط تمركزها، خطة الإسقاط المظلي.. إلخ، سلمت المعلومات لثروت عكاشة الملحق العسكرى فى باريس، وكانت هناك وثائق وخرائط فطلب أن يستلمها فى جنيف، وخرجت أنا بها من الحدود إلى جنيف وسلمتها إلى خالد محيى الدين ومنه استلمها عكاشة وأوصلها بنفسه إلى عبدالناصر، وعملت مع كورييل فى خدمة الثورة الجزائرية وسلمونا كنزا من أموال الثورة «مليون فرنك ذهب» ضياعها كان يعنى قتلنا خبأناها عند المفكر مكسيم رودفسون بعد نجاح الثورة سلمناها لهم.. لكنهم تقاتلوا حولها وقتل بعضهم بعضا، وفي باريس وفى حملة ضد الجزائريين المساندين للثورة قبض على كورييل وعلي وأودعت فى سجن لابيتيت روكيت، ومن هناك نجحت فى تدبير عملية هروب شديدة التعقيد وشديدة الخطورة وهربت مع خمس سجينات من الثوار، وبعد نجاح الثورة استدعيت إلى الجزائر حيث تم تكريمي، وكان كورييل قد أسس مجموعة «تضامن» التى ساندت حركات التحرر الوطنى فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية وكلفت بمهام شديدة الخطورة فقد كنت أنقل مساعدات مالية كبيرة لحزب المؤتمر فى جنوب أفريقيا وفى أحيان أخرى أسهمت فى تهريب بعض الأسلحة لعدد من حركات التحرر الأفريقية.
وصمتت ديدار.. وكانت دموع تتألق فى عينيها وكأنها تستشعر ثقل الشيخوخة على قلب يعشق النضال ولا يمكنه أن يكف عنه، وبالفعل قدمت لنا كثيرا من الدعم فى معاركنا الصعبة.. وفى أيام عبدالناصر، أما فى أيام السادات فقد تولت نشر كل بيانات التجمع بالفرنسية والإسبانية والإيطالية.. وكان أغلبها ضد كامب ديفيد فقد كان من أكثر المتحمسين ضدها.

التعليقات متوقفه