د.رفعت السعيد يكتب : مصر والمرأة ضد التأسلم (39)

104

ونأتي إلي مناضلة من طراز خاص، عندما جلست إليها لأبدأ الحوار قالت لا تسأل دعني أقول ما أريد دفعة واحدة ثم اسألني كما تشاء، وبالفعل تركتها تتحدث.. اسمي ثريا سعد أدهم. «ولدت في 6-3-1926 كنا ثمانية أبناء ولد وسبع بنات وأنا كنت رقم 7 في الترتيب، أبي هو حضرة الناظر محمد سعيد أدهم، ناظر مدرسة طبعا واسع الثقافة مكتبته مليئة بكتب تستحق القراءة، وكان رجلا متحررا في رأيه وفي موقفه من المرأة سمعته يقول لضيوفه وكانوا كثيرين ويترددون علي بيتنا كأنه منتدي «إذا كان دخلك لا يسمح بتعليم كل الأبناء فاعطي الأولوية للبنات فهن أولي من الصبيان» أما بيتنا فهو ذو تركيبة سكانية غريبة، ففي البيت شقة يسكنها موسيقار موهوب هو الشيخ حمودة والد المطرب إبراهيم حمودة، وكان فنانا مبدعا ومرحا وكثيرا ما كانت تتصاعد من شقته أصوات حفلات غناء وموسيقي ورقص، وفي شقة أخري أسرة القيادي الإخواني جبر التميمي، وهي الأسرة التي حاول شبابها إقامة محطة إخوانية في عام 1948، كنت أدخل إلي شقتهم لأجد شبكات من الأسلاك والأجهزة الغامضة، فالشباب جميعا من هواة اللاسلكي وكثيرا ما كنت أقف أمام ميكروفون لأتحدث مع ماما في شقتنا وهي تسمعني في الراديو الخاص بنا،

وفي شقة ثالثة كان يسكن الصاغ محمود لبيب القيادي في جماعة الإخوان ومؤسس مجموعات الإخوان من ضباط الجيش، وفي شقة رابعة أسرة عم كوهين وهي أسرة يهودية الأبناء كانوا ماركسيين أما البنت فكانت صهيونية متعصبة وعضوة في نادي الماكبي بالظاهر، وفي شقة أخري كان هناك شاب سوداني هو توفيق أحمد البكري وكان واحدا من الثورة الوطنية السودانية ضد الاحتلال البريطاني وكان لا يكف عن الحديث معنا ضد الاستعمار وضرورة وحدة وادي النيل، وبعد فترة تزوج واحدة من أخواتي، ثم سكتت ثريا لفترة طويلة وقبل أن أبادرها بالسؤال تكلمت..

كده احنا في بيت قاهري أصيل لأسرة متوسطة وكم تمنيت أن يتجه روائي مثل نجيب محفوظ للكتابة عن هذا البيت، والحقيقة أننا تربينا في هذا البيت علي التسامح والتفاهم والاحترام المتبادل.. كل أبواب الشقق مفتوحة والجميع مرحب بهم من الجميع، وأطباق الطعام المميزة يجري تداولها بين الشقق، وفي بيت كهذا كان من المستحيل أن ينشأ شخص حتي ولو كان إخوانيا ذا توجهات متعصبة أو متشددة. وقبل أن أنطق بسؤالي واصلت يبقي أن أحدثك عن المدرسة المجاورة، وهي مدرسة مصر الثانوية، مدرسة خاصة مملوكة للإخوان وفي كل أسبوع كان حوش المدرسة يمتلئ بحشود إخوانية ليخطب فيهم المرشد العام للجماعة الأستاذ حسن البنا، كان بابا يرفض الخروج إلي البلكونة ليسمعه لكنه لم يمنعنا.. وكنا نقف أنا وأخواتي لنستمع وللحقيقة كان الأستاذ البنا محدثا لبقا وخطيبا قادرا علي امتلاك أسماع الحضور لكننا لم نتأثر مطلقا به فقد تربينا في هذا البيت – ودون أن ندري- علي رفض التعصب. وهنا أذنت لي ثريا بأن أسأل، وطبعا كان السؤال الجاهز كيف بدأت رحلتك في المجال السياسي مع اليسار؟ وأجابت: البداية كانت مع أختي فايزة التي التحقت بكلية العلوم جامعة فؤاد وهناك معترك اليسار مع مناضلات يساريات لطيفة الزيات وسعدية عثمان وآسيا النمر وهن من كليات مختلفة ومن دردشات بوفيه الجامعة إلي ندوات دار الأبحاث العلمية، وذهبت مع فايزة إلي شارع نوبار لأحضر ندوة في هذه الدار، وأحسست بطاقة ضوء تملأ عقلي وقلبي..

إنه حلم اليسار الذي يداهمك ويبقي معك إلي الأبد، وأصبحت بعد فترة عضوة في منظمة ايسكرا، كانت الخلية تضم فايزة وأنا وسعدية عثمان وكانت مسئولتنا إنجي أفلاطون، وعندما دخلت كلية الآداب عام 1945 قسم إنجليزي كان هناك أستاذ لافت للنظر يقيم حلقات نقاش ممتعة ويرأس جماعة اسمها «جماعة الجرامافون» وهي جماعة تدعو للاستمتاع بالموسيقي والتعمق في فهمها، وبدأت الجامعة تغلي مع بدء العام الدراسي 45 – 1946 وفي مواجهة بلاده الشعارات السائدة مثل «عاشت وحدة وادي النيل» وطن واحد – شعب واحد – ملك واحد هو الفاروق، كانت لنا شعاراتنا الخاصة بنا «الكفاح المسلح طريق الخلاص» و»عاش الكفاح المشترك مع الشعب السوداني» وتتوالي المظاهرات الصاخبة، ولم أزل أذكر يوم 9 فبراير حملتني زميلاتي وبدأت أهتف «يسقط الاستعمار» ثم «يسقط حكم السراي» وتلفت الجميع لهذا الهتاف الشجاع وبعدها اعتدت أن أهتف في قيادة المظاهرات، وكنت علي رأس مجموعة من الطلاب تهتف في المظاهرة الشهيرة حيث كانت مذبحة كوبري عباس..

ضربونا ثم فتحوا الكوبري، كنت ممن أفلتوا وسقط العشرات غرقي، وجلست مع مجموعة من الفتيات بعضهن معنا في «ايسكرا»، جلسنا علي الشاطئ والشبان يغطسون في النهر لينتشلوا الجثث وكنا نحن الفتيات نصنع أعلاما كبيرة تلف فيها الجثث كأكفان ثم تنقل إلي كلية الطب حيث يجري تشييعها في مجموعات.. ظللنا جالسات ودموعنا ترفض أن تتوقف ونحن نحيط أكفانا لأجمل وأغلي شباب مصر.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy