أقول، تأسيا بالنبى محمد: «القلب يحزن، والعين تدمع، وإنا بفراقك يا صنع الله لمحزونون». فارقنا مؤخرًا الكاتب الكبير والصديق العزيز صنع الله إبراهيم. تألمت لأن حالتى الصحية منعتنى من المشاركة في تلقى العزاء فيه. فبالرغم من قلة اتصالاتنا وتباعد لقاءاتنا، فإن المودة بيننا كانت كبيرة. كنت دائمًا أشعر أننا متقاربون إنسانيًّا وفكريًّا. وربما شكل التوجه الاشتراكى والاستقلال الوطنى والسعى نحو الوحدة العربية أرضية فكرية مشتركة فضلًا عن الخصال الشخصية. وعندما يدور حديثنا عن الهم المشترك، أي الشأن العام، تدهشنى صراحته في القول وجديته في الطرح وإخلاصه في المقصد. كما قدرت أيضًا جرأته في تناول المسكوت عنه من قضايا المجتمع. شدنى كثيرًا زُهدُه الواضح في متاع الحياة الدنيا والترفع عن المظاهر والشكليات والمجاملات، حتى أن البعض قد يُصدم من مواقفه أو تصرفاته. ولعل أكبر مثال لذلك هو رفضه على الملأ استلام جائزة الرواية العربية في عام 2003 من المجلس الأعلى للثقافة، مبررًا ذلك باعتراضه على سياسات الحكومة المصرية آنذاك.
لا شك أن صنع الله إبراهيم كان عنصرًا مهمًا في قوة مصر الناعمة. ترك لنا تراثًا فكريًّا غنيًّا يشمل عدة قصص قصيرة وروايات. وقد بلغ من تكثيف الأفكار وتركيز اللغة أن معظم رواياته حملت عنوانًا من كلمة واحدة فقط: “67” و “اللجنة” و “أمريكانلى” و “شرف” و “ذات”. وأود أن أشير هنا على وجه الخصوص إلى رواية “67” ورواية “اللجنة”. أبدأ بـ “67”. ففي تتابع يبدو أقرب إلى التسجيل، قدمت هذه الرواية تشريحًا دقيقًا لأوضاع وأحوال المجتمع المصرى في مجالات السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة بحيث وضعت هزيمة يونيو 1967 في السياق الأوسع لتلك الأوضاع. بل يبدو وكأن ذلك السياق كان هو المقدمة المنطقية لتلك الهزيمة الصاعقة. ولذلك أجد رواية “67” أقرب أعمال صنع الله لإلى قلبى وعقلى، وللجيل الذى أنتمى إليه. وقد تفاعلتُ مع الرواية وأعدت قراءتها أكثر من مرة. فأنا أجد فيها مرآة ذاتى، وأشعر كلما أعدت قراءتها بغصة مريرة على الآمال العريضة التي تحولت الى سراب؛ والأحلام الكبيرة التي تحولت الى كوابيس.
أما رواية “اللجنة”، فهى من أقوى الأعمال الإبداعية في مجال تعرية ونقد الاستبداد. وتدور أحداثها حول كيان غامض ومُتحكم يتألف من مجموعة من الأشخاص النافذين يطلق عليه صنع الله اسم “اللجنة”. هي تذكرنى بـ “الأخ الأكبر” في رائعة جورج أورويل “1984”..و أتفق مع الأستاذ محمود أمين العالم في أن رواية “اللجنة”، الى جانب روايتى “نجمة أغسطس” و “تلك الرائحة”، تمثل مجتمعة ما أسماه “ثلاثية الرفض والهزيمة”. ويذهب الى أن اللجنة، أو الفاعل الغامض في رواية “اللجنة”، أقرب ما تكون الى السلطة الأجنبية صاحبة الوجود والنفوذ في المجتمع. وهى أقرب ما تكون إلى قوة شبه سرية مباحثية مخابراتية. من ناحية أخرى، فإن المضامين الاجتماعية والسياسية التي حفلت بها رواية “اللجنة” تلقى ضوءًا كاشفًا على أزمة الهوية وتطرح قضايا معقدة حول دور المثقف في المجتمع العربي، إضافة إلى تبيان مظاهر الاستغلال والتخاذل للمثقف في مجتمع استبدادى. وفى تقديرى أنه في زماننا هذا اللجنة تحوم حولنا بل تحاصرنا في كل مكان.
وأخيرًا، أذكر بموقف صنع الله وكل تيار اليسار والاشتراكية في مصر من عبد الناصر ونظام عبد الناصر. فرغم ما تعرض له أعضاء هذا التيار من بطش وتعذيب وتنكيل على أيدى الأجهزة القمعية للنظام، إلا أنهم تحلوا بقدر عال من السماحة تجاهه. رأيت هذا في موقف أساتذتى الراحلين إسماعيل صبرى وفؤاد مرسى وفوزى منصور وغيرهم. فجميعهم ظل مؤيدا من حيث المبدأ للإجراءات التى اتخذها النظام نحو ما سُمِّى “التحول الاشتراكى”. ولكنى أعتقد أن هذا الموقف قدم غطاءً سياسيًّا لعملية التحول الى رأسمالية الدولة بدلًا من السعي لبناء المجتمع الاشتراكى. وهذه مسألة جديرة بالتأمل والمراجعة.

التعليقات متوقفه