د.رفعت السعيد يكتب : مصر والمرأة ضد التأسلم (40)
وننصت معا لنستمع لثريا أدهم وهى تكمل حكايتها عن مسيرتها..
فى 1948 عندما أتت ذكرى 21 فبراير قرر التنظيم تحدى الحملات الإرهابية المتتالية والتى طالت عديدا من الكوادر الحزبية، وتقرر اللجوء إلى الفتيات، وتجمعنا فى ميدان التحرير وسرنا فى مظاهرة باتجاه ميدان سليمان باشا وألقى البوليس القبض على عدد منا وكنت ضمن المقبوض عليهم، قضيت أول ليلة فى حياتى مسجونة فى قسم عابدين وفى اليوم التالى أفرج عنى وقال ضابط القلم السياسى هذه مجرد حفلة تدشين، وبالفعل ألقوا القبض على بعدها فى قضية أهلتها لتلقى حكم كبير بالسجن، وأسرعت أمى إلى صديق قديم لأبى هو النقراشى باشا، تمنع الباشا لكنه وافق فى النهاية على الإفراج عني، كنت فى ذلك الحين قد تخرجت وعينت مدرسة لغة إنجليزية فى مدرسة القبة الفداوية الثانوية، وفى أكتوبر 1949 ألقى القبض على وقدمت للمحاكمة أمام قاض اشتهر بالعداء للشيوعيين وإصدار أحكام شديدة ضدهم، هذه المرة تقف أمامه فتاة مدرسة إنجليزى وهذا جديد تماما فحاول إرهابي لعلى أخاف ويخلى سبيلي لكنه فوجئ بى وأنا أهاجمه بشدة وأتهمه بالعمالة للاستعمار وللقصر الملكى وهتفت ضد الجميع الاستعمار والملك والقاضى فحكم على بالحبس سنة وثلاثة أشهر بتهمة إهانة المحكمة ويفرج عنى أواخر 1950 ويقرر التنظيم أن أحترف وأصبحت أول محترفة ثورية فى تاريخ الحركة الشيوعية المصرية وبعد فترة كلفت بأن أغادر إلى الإسكندرية وأن أبحث بالإضافة على نشاطى الحزبى عن عمل أتقاضى منه راتبا لأعيش به أنا ورفيقة محترفة أخرى هى فاطمة زكي.
.. وفيما تلتقط ثريا كوبا من الماء.. سألتها أتمنى أن أستمع إلى حكاية محترفة ثورية هاربة تعيش علنا وتعمل علنا، فقالت.. نسيت اسم ثريا أدهم وأصبحت «ليلى فهمي» ووجدت عملا فى فندق سيسل، لأكتشف أننى أعمل فى عش للجواسيس الإنجليز.
فصاحب الفندق كان فيما يبدو أحد قادة جهاز المخابرات البريطانية فى مصر، وكان يعقد جلسات دورية يحضرها ممثلون لكل الجمعيات والشركات والمؤسسات البريطانية فى الإسكندرية، وبسبب إجادتى للإنجليزية دعانى للحضور إلى هذه الاجتماعات كنت أسجل محاضر تتضمن معلومات يقولها الحاضرون، تبدو أنها معلومات تافهة أو بريئة لكنها عندما تسجل فى محضر واحد تكون صورة واضحة تماما لكل ما يحدث فى الإسكندرية.
واكتشفت أن هناك اجتماعا آخر يعقد كل أسبوع يحضره وفقط صاحب الفندق، ومدير بنك باركليز وهو إنجليزى وقنصل بريطانى فى الإسكندرية وكنت كسكرتيرة خاصة لصاحب الفندق أجهز للاجتماع وأجهز غرفة خاصة ينعقد فيها ولكن ليس مسموحا لى أو لأى شخص آخر أن أحضر، وكانت تتجمع لدى محاضر بها معلومات مهمة جدا لكننى لم أكن أعرف كيف نستفيد منها فقد كنت أنشط فى إطار مجموعة من الأعضاء العاديين، فالمسئولون الكبار فى الإسكندرية قبض عليهم، ولكننى فوجئت بقرار من القيادة المركزية تأمرنى بترك كل شيء والعودة إلى القاهرة للإقامة مع الرفيقة أوديت وكانت السكرتير العام لتنظيم م. ش. م لكى أكون غطاء أمنيا لها وأتولى نقل الرسائل الحزبية منها وإليها بينما تبقى أوديت فى مخبئها، كنت قابلة ومستعدة لتنفيذ أى قرار مهما كانت خطورته أو صعوبته إلا أن أقيم فى شقة واحدة مع هذه السيدة الشرسة والتى تهوى تدمير كل من حولها، رفضت تنفيذ القرار فأصدرت أوديت قرارا بفصلي، ورغم قرار الفصل سلمت كل ما أمتلك من مال وميراث للتنظيم، وعدت إلى الإسكندرية لأعمل فى شركة فورد، وكان المدير وهو مصرى الجنسية يحتقر علنا جميع المصريين بينما يتملق أى موظف أجنبى وأخيرا صرخت فى وجهه وقلت له بصوت عال «لا يمكن أن تكون مصريا».. وبعدها بفترة قرأت فى الصحف أنه قبض عليه متهما بالتجسس وأعدم.
وبعد ذلك عملت فى شركة كفر الدوار للحرير الصناعى مسئولة عن الترجمة والمكتبة وكان مكتبى فى غرفة مدير الشئون القانونية، وكثيرا كان ضابط من المباحث يحضر إلى المكتب ليلتقى بالعمال الذين يتجسسون لحسابه، وبدأت أتعرف على القيادات العمالية الشريفة، وعن طريق أحدهم انضممت إلى منظمة الحزب الشيوعى المصرى فى عام 1956 وبدأت نشاطا ملحوظا فى المصنع وخاصة فى لجان المقاومة الشعبية وامتد نشاطى لتجنيد عدد من العاملات والعمال ومع تصاعد نشاطى اكتشف الأمن حقيقتى ومع الوحدة بين المنظمات الشيوعية وتأسيس الحزب الشيوعى المصرى التقيت بحلمى يس وتزوجنا.
والحقيقة أن هذه الفترة شهدت مجموعة الزيجات بين رفاق ورفيقات امتد بهم النضال من العمل السري، وامتدت بهم فترات السجن ووجدوا فى الفترة من 56 – 1958 والتى شهدت شبه هدنة مع النظام سبيلا للاستقرار الأسرى وإن مؤقتا وفى يناير 1959 يقبض على حلمى وتهرب ثريا ليقبض عليها فى مارس من ذات العام.
ويمضى بعض الوقت لينهض ومن جديد منبر اليسار وتأتى ثريا مع حلمى مع أوائل من أسهموا فى تأسيس المنبر ومن ثم فى تأسيس حزب التجمع، ومع تأسيس اتحاد النساء التقدمى تكون ثريا مع أول مجموعة أسهمت فى التأسيس وتمضى ثريا ومعها حلمى ليقدما للتجمع غاية الجهد وكامل العطاء حتى آخر أنفاس الحياة، هى رحلت أولا ثم حلمي.. وتبقى فى ذاكرة اليسار ثريا كأول سيدة محترفة وأكثر المناضلات اليساريات عطاء وإخلاصا.

التعليقات متوقفه