يعد الفنان المخرج “أحمد إسماعيل “نموذجا حيا للتعريف الخلاق الذى ينطوى عليه مصطلح “المثقف العضوى” الذى صكه المفكر الإيطالى “أنطونيو جرامشى” ليفرق بينه وبين المثقف التقليدى، وفسره بأنه ذلك المثقف الذى ينحدر من طبقة اجتماعية معينة، ويرتبط بها ارتباطا عميقا، يهدف إلى تنظيم وظائفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والتعبير عن مصالحها، والعمل على صياغة وعيها الجمعى عبر التنظيم والتوجيه، وإنتاج الأفكار، من قلب الواقع الفعلى لتكوينها، وسعيا لإحداث التناغم الفكرى لتلك الطبقة التى ينتمى إليها ويمثلها.
وخلال نحو خمسين عاما من الدراسة المنهجية فى مصر وفى فرنسا، ومن التجارب المتصلة والمتقطعة، ومن العناد والدأب والمثابرة، وبالتعاون مع الثقافة الجماهيرية، ومع غيرها من أجهزة الحكم المحلى، استطاع المخرج “أحمد إسماعيل” إحياء تقاليد الارتجال والحكى فى تجارب المسرح الشعبى. حدث ذلك تناغما مع دعوة “يوسف إدريس” إلى البحث عن مسرح مصرى يتسم بهوية ذات خصوصية، ويبتعد عن التجارب الغربية التى وسمت التجارب المسرحية المصرية منذ نشأتها بالاعتماد الكلى على الترجمة والتمصير. بالإضافة إلى صيحة توفيق الحكيم المطالبة بمسرح شعبى يعتمد على فنون الحكى، ولا يحتاج إلى خشبة مسرح أو ديكور او تكاليف مرتفعة، حيث يقوم فيها الحاكى بكل الأدوار، ويسقط ما يسميه بالفرجة النائمة فى المسرح التقليدى، التى يكتفى فيها الجمهور بالفرجة، بدلا من مشاركته النقدية الواعية فى العرض. عندئذ جاءت تجربة شبرا بخوم المسرحية التى يشرح أحمد إسماعيل تفاصيلها فى الطبعة الثانية من كتابه الهام الصادر قبل أسابيع عن الهيئة العامة لقصور الثقافة تحت عنوان “المسرح القريب”.
تجربة رئدة وملهمة، أعادت الاعتبار لظاهرة التطوع فى مجال العمل العام، هى ثمرة تعاون مشترك لمجموعة من الموهوبين ممن يؤمنون مثله بفكرة العدالة الثقافية والتي أرسى دعائمها الوزير الفنان ثروت عكاشة بإنشاء جهاز الثقافة الجماهيرية، ونشر أبنية وقصورًا لممارسة عملها التثقيفى والتعليمى والإبداعى والتدريبى والتنويرى فى ريف مصر ونجوعها وطول البلاد وعرضها،. وهى مجموعة تدرك معها مدى ضرورة إحياء تقاليد المسرح الشعبى، فجاءت تجربة “شبرا بخوم المسرحية”، فى القرية التى ولد وتربى فيها أحمد إسماعيل، وهى إحدى كبرى قرى المنوفية.
بات التأليف الجماعى عن حياة القرية هو صلب تلك التجربة، وصارت بيوت القرية وواقعها الجغرافى وأدوات سكانها هى ديكور العرض، وأضحى سكان القرية جميعهم هم الرواة والحكائين والممثلين وهم الجمهور، فى العرض المسرحى، الذى يعمل معهم المخرج على ضبط إيقاعه وحساسيته. وفى خضم هذا الطقس الاحتفالى تكتشف المواهب الجديدة، وتتعلم وتتدرب، وتصحح أخطاءها، وتتشكل الذائقة الفنية والجمالية والبصرية الخاصة بسكان القرية، الذين يكتشفون بدورهم أنفسهم وقدراتهم التلقائية على الارتجال والإيحاء والتعبير الصادق عن روحهم وواقعهم وهواجسهم، كما يستمتعون بروعة عملهم الجماعى المشترك. وهكذا تكتمل رؤية أحمد إسماعيل كمثقف عضوى، عن خصوصية المسرح المصرى، التى لا تكتفى بعروض القاعات المغلقة، بل تنشأ فى الشوارع والميادين، حين يلتقى الناس بالناس، ويطلق سراح خيالهم، ليصنعوا معًا من حكاياتهم ومشاكلهم وأحلامهم صيغة هذا المسرح الارتجالى، فما أجملها من رؤية للتسلية والامتاع والتعلم، وبعث رسائل للنهوض والتقدم. وما أجدرها بالتعميم فى نحو خمسة آلاف قرية مصرية .
فى عام 2007 عمل المخرج أحمد إسماعيل ومجموعة المثقفين المتطوعين من مختلف المجالات، فى مشروع لتعميم تجربة شبرا بخوم فى كثير من قرى الوادى الجديد ومرسى مطروح لتوسيع آفاق التنمية الثقافية فى الريف، وبناء المسارح المفتوحة. واعتمد العمل على آليات تقوم على تنمية ملكات الإبداع وقيم العمل الجماعى والحوار، وتعزيز روابط الانتماء، وتجفيف منابع الفكر المتطرف، لطلاب المرحلة الإعدادية، وبناء المسارح المفتوحة باستخدام العمارة البيئية عديمة التكلفة. لكن المشروع توقف فى العام 2019 لأسباب غير معلنة. ولا أشك فى تقدير وزير الثقافة الدكتور أحمد هنو، للقيمة الفكرية والثقافية والوطنية لمثل هذا المشروع، واتطلع مع غيرى، أن يسارع بإزالة كل العراقيل أمام إحيائه واستئناف نشاطه.
Sign in
Sign in
Recover your password.
A password will be e-mailed to you.

التعليقات متوقفه