لقطات ..د. جودة عبدالخالق يكتب:أنعى إليكم المرحومة

318

قد يتصور قارئ عنوان هذه اللقطة أننى أنعى واحدة من الأهل أو الأصدقاء أو الأحباب. لا. فلست أستحسن هذه العادة المنتشرة على مواقع التواصل في أيامنا هذه. كثيرا ما تجد أشخاصا يكتبون على صفحاتهم الافتراضية على منصات ميتا وأخواتها قائلين: “مات أبى/ أمى/ أخى/ أختى/ …إلخ. أدعوا له/لها”. وفورا، ينطلق سيل عارم من الدعوات المعلبة سابقة التجهيز. أعتقد أن هذا عَرَض لمرض اجتماعى عضال، جوهره الخلط بين الخاص والعام، والفهم الخاطئ للدين.  ما علينا. نعود إلى الأهم، وهو شخصية المرحومة التي يخصها عنوان المقال. ما أقصده هو السياسة. نعم يا سادة، فقد ماتت السياسة في المحروسة. ولم يبق إلا إقامة السرادقات في كل مكان. نتقبل العزاءات ونستمع إلى التراتيل والآيات وربما نفكر فيما هو آت. لعل وعسى.

بموت السياسة، ينتابنى شعور عميق باليُتْم. فعلا أنا حزين. أحس بفقد شيء عزيز جدا على قلبى وعقلى. أكبر كثيرا مما شعرت به لفقد والدى أو والدتى عليهما رحمة الله. لست حزينا فقط، بل أنا حزين وغاضب وخائف. حزين لوفاة السياسة، وغاضب لأنه كان يمكن في تقديرى الحفاظ عليها ورعايتها، وخائف مما يحمله المستقبل لمجتمعنا في غيابها. فمن دون السياسة نكون في عالم آخر. عالم تشيع فيه البلطجة، وينتشر الفساد، وتعم الفوضى في إدارة شؤون البلاد والعباد. يسود في المجتمع قانون الغاب: حيث يفترس القوى الضعيف ويدهس الغنى الفقير وتضيع المصلحة العامة. وأعتقد أننا نرى الآن بدايات هذه الظواهر بالفعل رأى العين. والأمثلة أكثر من أن تحصى.

مصر حاليا تعانى أزمة سياسية طاحنة تضاف إلى أزمتها الاقتصادية والاجتماعية. ولا يجدى فيها مجرد إعادة الانتخابات في عدد من الدوائر لبعض المقاعد الفردية هنا وهناك، لأن ما بُنِى على باطل فهو باطل. ومعلوم أن الباطل هو والعدم سواء بلغة القانون، وبلغة السياسة أيضا. الانتخابات الحالية يشوبها عوار فظيع. وربما يكون مصير مجلس النواب الذى يجرى انتخابه حاليا هو نفس مصير مجلس الشعب الذى جرى انتخابه في 2010 وتم إلغاؤه عام 2011 في خضم ثورة يناير. ولكنى أحذر من أنه لا يجوز اختزال القضية في صحة أو بطلان انتخابات مجلس النواب: فالأمر أكبر من ذلك وأخطر. ما هي المشكلة إذن؟ وكيف دخلنا فى هذا النفق المظلم؟ وما هو المطلوب للخروج الآمن؟

باختصار، جذور الأزمة الحالية تعود إلى النظام السياسى والنظام الانتخابى، مما أدى عمليا إلى غلق المجال العام وتركيز السلطة والثروة في أيدى القلة. هذه القضايا كانت محل دراسة ومناقشات مستفيضة في الحوار الوطنى على مدى ما يقرب من عامين. وانتهى الحوار الذى شارك فيه ممثلون عن كل الأحزاب والقوى السياسية والخبراء بتوصيات محددة للإصلاح وقام مجلس أمناء الحوار برفعها إلى السيد رئيس الجمهورية الذى قام مشكورا بإحالتها إلى الحكومة.  لكن هذه التوصيات دخلت فيما أسميه الثقب الأسود للحكومة. فلم نسمع عنها شيئا بعد ذلك. تفصيلات التوصيات موجودة لدى الأمانة الفنية للحوار الوطنى، ومنها نسخة لدى الحكومة منذ أكثر من عام. وسأكتفى هنا بالخلاصة: الأخذ بنظام القائمة النسبية بديلا عن القائمة المطلقة، إلى جانب النظام الفردى؛ زيادة عدد الدوائر الانتخابية وتصغير حجمها؛ تعديل قانون تنظيم عقد الاجتماعات العامة والِمسيرات (التظاهر)؛ تعديل إجراءات الحبس الاحتياطي؛ وإصدار قانون حرية الحصول على المعلومات.

حكمة اليوم (كلمات أحمد فؤاد نجم، نغمات الشيخ إمام)

السوس نخر سقف العشة وعضمة الغنمات هشة.. عايزين صابونة ومقشة، وهات يا كنس وهات يا غسيل.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy