محمود الحضري يكتب :25 يناير .. ثورة حقيقية

483

بقلم: محمود الحضري
ونحن نحتفل بذكري ثورة 25 يناير 2011 ومرور 15 عامًا، وحلول الذكرى 15 لها، لا يمكن إنكار أنها صنعت تاريخًا جديدًا لمصر والمصريين، ليس هذا تعبيرًا مجازيًّا، بل هو واقع مصري، واعتراف عالمي، سجلته تغريدات العشرات من زعماء العالم، ووسائل إعلام عالمية شرقًا وغربًا، ومن نشطاء وأدباء وسياسيين ومفكرين، وقادة رأي في كل مكان.
صحيح أن هناك من قفز على الثورة مستغلًا حالة غياب وفراغ سياسي لأسباب عديدة وسعى لتوظيفها لأهداف ضيقة، إلا أن هذا لم يدم كثيرًا، وقد حدثت متغيرات في أعقاب أيام الثورة وشهورها الأولى، إلا أن ثورة 25 يناير 2011 وضعت مصر على طريق جديد، وأحدثت متغيرًا مهمًا، حيث سبق الشارع المصري الساسة والحكام، وأصبح النظام ومؤسساته خلف الناس لتلبية مطالبهم، لتصبح الثورة المصرية حجر الأساس لمصر الجديدة، ورسخت نتائج 25 يناير قدرة الشعب المصري على إعادة صناعة أمل ومستقبل وتاريخ.
ومن الظلم أن نتهم 25 يناير بأنها السبب في بعض الظواهر السلبية على مدى السنوات الماضية، وبعضها مضحك، مثلما جاء على لسان المهندس علاء فاروق، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي مؤخرًا، بأن التزايد الكبير في أعداد الكلاب الضالة بدأ بعد ثورة 25 يناير، 2011، مع انتشار العشوائيات وأماكن تجميع القمامة المفتوحة.
فثورة 25 يناير أكبر من ذلك، وما زالت طموحات الناس متعلقة بشعاراتها (عيش – حرية – عدالة)، وما جاء في ثورة الشعب المصري المكملة في 30 يونيو 2013، لتصحيح المسار الذي أخذته خلال فترة عام من حكم جماعة الإخوان، هو تأكيد على نقاء الثوار في 2011.
المبادئ واحدة والهدف واحد، هو حق الشعب في حياة كريمة وأمن واستقرار، وحرية تعبير، وبناء مستقبل أفضل يستحقه هذا الشعب، وتلك المبادئ لم تتغير في 25 يناير و30 يونيو، وهي أهداف كل أمة تثور من أجل حقوق أصيلة، لا يختلف حولها أحد.
وأي اتهام لثورة 25 يناير بأنها هي من فرضت حكم الإخوان وصعود تيار الإسلام السياسي، ليس صحيحًا، فثورة يناير 2011 بريئة من ذلك، وهناك أسباب أبعد من نقاء الثورة وناسها، وبعيدة عن أهداف من ثاروا في كل ميادين تحرير مصر.
والسبب في هذا الصعود الذي أخذ بثورة 25 يناير لمسار فئوي لأهداف أبعد من أهداف الشارع الثوري، هو الغياب السياسي القادر على الأخذ بدفة القيادة، وجاء الاستغلال من جانب تيار الإخوان لهذا الفراغ السياسي، بخلاف دخول أطراف خارجية لتصعيد تيار على حساب الحقوق الشعبية للناس.
واتهام ثورة 25 يناير وأهدافها بأنها السبب في خلق تحديات على البلاد، فيه تحميل وظلم كبيرين ومبالغ فيه، ولكن السبب في التحديات هو توجيه الثورة خلال عام واحد إلى مسارات رفضها الشارع نفسه ووقف ضدها، بهدف إعادة توجيه البوصلة نحو مسار يخدم الناس، بدلا من مسار يخدم أهداف فئة أو جماعة، أو أيديولوجيا بذاتها، واتساع رقعة الإرهاب، وبالتالي تم إفراز العديد من التحديات والأزمات الاقتصادية.
الدستور الصادر في 2014 وتعديلاته في 2019، وضع تعبير “ثورة” ليُجسد زحف المصريين في 25 يناير 2011، وكذلك الزحف الثاني في 30 يونيو 2013، في الأولى أسقط نظام الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، والثانية أسقط فيها حكم جماعة الإخوان المسلمين، وهو الزحف الذي سعى لتحقيق أحلام الشعب في العدالة الاجتماعية والديمقراطية.
وستبقى 25 يناير 2011، كأي تحركات شعبية مصرية، لها ما لها، وعليها ما عليها، وستبقى ثورة بكل معانيها، وقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة “هذه الثورة قادها شباب مخلصون متطلعون لمستقبل وواقع أفضل”، وقال “ثورة الشعب المصري في الخامس والعشرين من يناير، التي ضحى خلالها شباب من خيرة أبناء الوطن بأرواحهم من أجل دفع دماء جديدة في شرايين مصر، وتعيد إحياء قيم نبيلة افتقدناها لسنوات، وتؤسس لمصر الجديدة التي يحيا أبناؤها بكرامة إنسانية في ظل عدالة اجتماعية تسود ربـوع بـلادنـا”.
قد يرى البعض أن ما شهدته مصر من أزمات تلت سنوات الثورة في 2011، سببها الثورة، ولكن لا يمكن أن نغفل أن الأوضاع الاقتصادية قبل الثورة كانت صعبة، وكان هناك ما أخفته الأرقام من أزمات، ولولا تلك الأزمات ما ثار الشعب على حكم مبارك بعد 30 عامًا.
ولا شك أن الأحداث الإرهابية والفوضى التي شهدتها البلاد على أيدي الجماعات المسلحة والإرهابية وتوقف عجلة الاقتصاد وكثير من محركات البناء والإنتاج، وغلق آلاف المصانع وتوقف الاستثمارات خشية من عدم الاستقرار في السنوات التالية للثورتين كانت جزءًا رئيسيًا من حدوث تلك الأزمات.
وهنا نرجع لكلمات قالها “بان كي مون” الأمين العام للأمم المتحدة عن 25 يناير: “أتيت إلى مصر لتحية الشعب المصري، وتأكيد عون ومساندة الأمم المتحدة للشعب المصري وثورته السلمية والتي استطاعت أن تجني ثمارها من خلال التعديلات الدستورية”.
وفي كلمات قصيرة قالت صحيفة الجارديان البريطانية عقب أحداث 25 يناير: “30 ثانية وضعت نهاية حكم استمر 30 عامًا، ومهما يحدث بعد الآن، فإنها بالفعل لحظة تاريخية مهمة، فقد أعادت ترسيخ مكانة مصر كقائدة للعالم العربي والشعب المصري في الصميم الأخلاقي لهذا العالم”.
وبعد 15 عامًا من ثورة 25 يناير 2011، نستطيع القول إن 25 يناير هي الباب الواسع لانتقال الشعب المصري من الحالة الثورية إلى حالة الإنتاج والبناء والتنمية، والإصلاح السياسي، والمجتمعي، فالشعب هو الحلقة المشتركة في طرفي معادلة “الثورة تبدأ بزحف ثوري إلى زحف إنتاجي وتنموي”.. تلك حقيقة لا يمكن إنكارها.

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy