أحمد بهاء الدين شعبان يكتب :25 يناير.. هكذا تحدّث سمير أمين!
-أحمد بهاء الدين شعبان
مع مقدم شهر يناير من كل عام تنفتح بوابات الجحيم على مصراعيها، لكي تنطلق حمم الكراهية والتشفّي في يوم 25 يناير وما تلاه، وما تضمنته هذه المرحلة من وقائع وأحداث، وما أسفرت عنه من نتائج وتطورات!
ففي هذه المناسبة من كل عام، تُنشد جوقة الحانقين على ما حدث، أناشيد الحقد والضغينة، لوقائع تلك الأيام المجيدة، التي أعادت الاعتبار لقوة الشارع المصري، وفرضت نفسها على جدول أعمال قادة العالم كله، حتى الكارهين منهم لمصر وشعبها، وأجبرت الجميع على الاعتراف بعظمة ما حدث، حيث “لا جديد في مصر: المصريون يقومون بكتابة التاريخ كالعادة” بحسب سيلفيو برليسكوني، رئيس الوزراء الإيطالي، فيما قال الرئيس النمساوي هاينز فيشر «المصريون أروع شعب على الأرض، ويستحقون جائزة نوبل” للسلام.
هذه الوقائع، وتلك الأحداث والنتائج والتطورات، وصفها الدكتور سمير أمين بأنها أكبر من انتفاضة، وأقل من ثورة، وهو وصف تشريحي دقيق، يلتزم بتطبيق معايير الثورة كما تدرسها الأكاديميا الماركسية، لكنه وصف حي، ينبني على إدراك موضوعي لحالة القوي المُنتفضة، وقدراتها في الواقع الملموس على تقديم البديل المُنظم والواعي، والبرنامج المُعبر عن حاجات الجماهير الفعلية، واللازمين لقيادة عملية التغيير.
وتمثل رؤية الدكتور” سمير أمين” لثورة 25 يناير 2011 جزءاً من تحليله الأوسع للرأسمالية العالمية وحركات التحرّر في الجنوب. ويمكن تلخيص نظريته للثورة، كما تظهر في كتاباته ومحاضراته (مثل كتاب “ثورة مصر / دار العين، ومقالاته العديدة). فهو ينظر إلى ما حدث كـ”انفجار شعبي هائل”” ضد نظام فاسد (نظام مبارك) تابع للإمبريالية والنيوليبرالية، لكنها لم تكن بعد “ثورة كاملة” تحقق تغييراً جذرياً في البنية الطبقية والاقتصادية، وهذا “الانفجار الشعبي الهائل” عبَّرَ عن أزمة النظام ورفض الشعب للفساد والبطالة والتهميش، لكنه لم يُنتج بعد قيادة سياسية واضحة أو مشروعاً بديلاً متكاملاً تستدعي وصفها بـالـ “ثورة الكاملة”.
ولاحظ الدكتور “أمين” أن حركة الاحتجاجات في الميادين كانت بقيادة شباب الطبقة الوسطى المثقف والمُهَمّش اقتصادياً، لكنه أشار إلى غياب الطبقة العاملة والفلاحين (البروليتاريا والبروليتاريا الريفية) من المشهد، وهم من يملكون القدرة على تحقيق التغيير الجذري إذا تحركوا بشكل مستقل، ولذا حذَّرَ من أن الثورة قد تُختطف إذا لم تتطور إلى “حركة طبقية واضحة تعيد توزيع الثروة والسلطة”.
وقد حَلَّلَ د. “سمير أمين” الثورة في إطار واقع الهيمنة الإمبريالية العالمية، مُعتبراً أن نظام “مبارك” كان أداة لـ “التكيُّف الهيكلي النيوليبرالي”، الذي فرضته المؤسسات المالية الدولية. ونظر إلى المؤسسات المهيمنة كمؤسسات مرتبطة بالرأسمالية البيروقراطية، لها مصالح اقتصادية ضخمة، ستدافع عنها بكل طاقتها.
وفي هذه الرؤية النقدية المهمة وصفَ د. “سمير أمين”، وبوضوح، جماعة “الإخوان” التي وصلت للحُكم بعد الثورة، باعتبارها قوة “رأسمالية مُحافظة”، لا تُمثل بديلاً جذرياً، بل هي جزء من النظام النيوليبرالي العالمي، “تُعيد إنتاج التبعية بغطاء ديني”.
كما حَذَّرَ من أن السعي خلف “الديمقراطية الانتخابية الشكلية”، دون تحول اقتصادي واجتماعي فعلي ليست كافية، وقد تؤدي إلى إضفاء الشرعية على قوى لا تُحقق مطالب الجماهير الفقيرة… وقد حدث!
لقد رأى “سمير أمين” ثورة يناير كـ “صحوة شعبية تاريخية” ضد نظام فاسد وتابع، لكنه شكَّك في قدرتها على التحول إلى “ثورة اجتماعية كاملة” في ظل موازين القوى الطبقية والإقليمية والدولية، وفي تحليله الذي يجمع بين النقد الماركسي للرأسمالية العالمية وقراءة واقع القوى الاجتماعية في مصر، أكد أن المستقبل سيعتمد على قدرة القوى الشعبية على تنظيم نفسها بمشروع جذري بديل.
لكن د. “سمير”، في المقابل، ثمَّنَ “ثورة يناير”، واعتبرها “بداية عملية ثورية طويلة الأمد”، وليست حدثاً منفرداً، ستستمر ما أفرزته من تناقضات وتتصاعد، مُشيراً إلى أن، مصر قد تشهد انتفاضات مُتجددة، ما لم يتم حل الأزمة الهيكلية للرأسمالية التابعة؛ داعيًا إلى بناء “جبهة شعبية عريضة”، تقاوم الهيمنة الإمبريالية وتناضل من أجل مشروع تنموي مستقل وخيار اشتراكي ديمقراطي
غير أن هذا “التقييم الإيجابي” لـ “ثورة يناير”، والتقدير البالغ لسلوك الجماهير المصرية الحضاري خلال فترة الثورة: (25 يناير ـ11 فبراير) من أطراف لا يُتصور انحيازهم “العاطفي”، المجّاني، لمصر وشعبها، الذي أشرنا إليه، لم يشفع لها عند شبكات “الطابور الخامس”، الذي لا زال يعتبرهاـ حتى بعد مرور عقد ونصف على أحداثهاـ سبب كل المآسي التي حدثت، وتحدث، وستحدث في مصر، مُحملاً إياها مسئولية كل ما حاق بالبلاد والعباد من محن ونكبات، بما فيها الكوارث الطبيعية كجائحة “كورونا”، وانهيار سعر الجنيه المصري إلى حضيض غير مسبوق، وتفاقم واقع الفقر والإملاق للأغلبية الشعبية في البلاد، والسقوط في مستنقع الاستدانة، وغيرها، والتهجُّم المستمر على سيرة الثورة كلما هلَّت سنة جديدة، هو أوضح تعبير عن ذعر الطبقات المُستَغِلة من مجرد ذكراها التي لا تموت، والتي ـ لسوء حظهم ـ تأتي في اليوم الخامس والعشرين من كل عام ، رغم أنف الحاقدين عليها والكارهين لأيامها!
ورغم كل هذا “الغثاء”، فقد مجَّدَ المصريون وقائع الأيام الـ 18 الخالدة، وأطلقوا عليها وصف “الثورة”، تماماً كما احتفوا بوقائع الهبّة المصرية بقيادة “أحمد عرابي”، رغم ما ترتب عليها من نتائج سلبية، وأسموها “الثورة العُرابية”، وأشادوا بالانتفاضة الشعبية الكبرى عام 1919، وأطلقوا عليها وصف “ثورة 1919″، فهكذا تُكَرِّمُ الجماهير أيام كبريائها، حتى لو عادت عليها بالآلام، أو دفعت ثمناً باهظاً لقاء ما حدث! .

التعليقات متوقفه