لقطات ..د. جودة عبدالخالق يكتب :بلاغ إلى السيد الرئيس

267

في زماننا هذا، ما أكثر الأيام التي تمضى ثقالا. وما أندر تلك التي تمضى خفافا. وكان يوم الأحد الماضي الموافق 25 يناير من تلك الأيام الثقال. فرغم أننى عادة أنتظر هذا اليوم بشوق بالغ لأسترجع أحلى ذكريات العمر، إلا هذا العام. كان يوما عصيبا.
أخذت أتابع التصريحات الرسمية والتغطيات الإخبارية في ذهول. صدر قرار رسمى من رئيس الوزراء باعتبار الخميس 29 يناير إجازة رسمية بمناسبة 25 يناير! تصورت أننى في زمن آخر، زمن غير الزمن. لم يرد أي ذكر في كل ذلك لهبة الشعب المصرى البطل عن بكرة أبيه ضد الفساد والطغيان والظلم في 25 يناير 2011. بل كان التركيز حصريا على صمود قوات الشرطة وتضحياتهم في مقاومة الجيش الانجليزى في مدينة الإسماعيلية في 25 يناير 1952.
واضح أن الحكومة قد قررت شطب مناسبة 25 يناير 2011 من كتاب التاريخ المصرى، رغم أن دستور 2014 الذى وافق عليه الشعب المصرى بما يشبه الإجماع ينص في ديباجته على أن “… ثورة 25 يناير- 30 يونيو فريدة بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية بكثافة المشاركة الشعبية التي قدرت بعشرات الملايين، وبدور بارز لشباب متطلع لمستقبل مشرق … وهى أيضا فريدة بسلميتها وبطموحها أن تحقق الحرية والعدالة الاجتماعية معا.”
حقا إنها بدعة ما بعدها بدعة: أن تتعامل الحكومة مع المناسبات الوطنية بانتقائية واضحة، فتفرغها من مضمونها، وتجعل منها مجرد يوم “إجازة مدفوعة الأجر”- يوم تعطل فيه الأعمال وتقعد فيه الهمم وتنضب فيه الذاكرة. إنها مخالفة صريحة للدستور، وجريمة ترتكبها الحكومة في حق الشعب والوطن. جريمة تزييف التاريخ. وما أقبحها من جريمة! وإزاء ذلك، لا أملك إلا القيام بما يمليه علىّ ضميرى وأداء واجبى كمواطن، وهو تقديم مقالى هذا كبلاغ إلى السيد رئيس الجمهورية ضد قرار الحكومة أمام الرأي العام وكل من يهمه الأمر.
السيدات والسادة،
أرجو الإحاطة بالآتى:
أولا، معلوم أنه في سياق الأحداث التي تلت 25 يناير 2011، أصدر رئيس مجلس الوزراء الدكتور عصام شرف القرار رقم 294 لسنة 2011 بتشكيل لجنة للتحقيق وتقصى الحقائق “بشأن الأحداث التي واكبت ثورة 25 يناير 2011”. وبعد استكمال مهمتها سلمت اللجنة تقريرها إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة والحكومة والنائب العام في حينه.
ثانيا، أن تقرير اللجنة جاء في 400 صفحة قد وثق أكثر من 800 من الوفيات وعشرات الآلاف من المصابين من الأشخاص العزل، معظمهم من الشباب، على أيدى عناصر الشرطة.
ثالثا، أن نصوص الدستور قاطعة بأن “ما حدث يوم 25 يناير 2011 كان ثورة”.
رابعا، أنه بموجب المادة 165 من الدستور يؤدى رئيس الوزراء والوزراء قبل مباشرة مهام مناصبهم اليمين الآتية “أقسم بالله العظيم أن أحافظ مخلصا على النظام الجمهورى، وأن أحترم الدستور والقانون، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أحافظ على استقلال الوطن ووحدة وسلامة أراضيه.”
ومنه يتضح أن الحكومة، بتصرفها هكذا في مناسبة 25 يناير هذا العام، تكون قد انتهكت الدستور وزيفت التاريخ.
اللهم إنى بلغت، اللهم فاشهد.

 

 

التعليقات متوقفه

This website uses cookies to improve your experience. We'll assume you're ok with this, but you can opt-out if you wish. Accept Read More

Privacy & Cookies Policy