مع التوسع فى الاستخدام الحكومى لتقنية الرقمنة وأنظمة الذكاء الاصطناعى لتنفيذ السياسات القائمة، وتطوير العمل فى مؤسسات الخدمة العامة والتعليمية والاقتصادية والمالية، تزايدت التحديات أمام محاولات تجرى فى مصر ومعظم دول العالم، لمواجهة جوانب التأثير السلبى لوسائل التواصل الاجتماعى على صحة الأفراد النفسية والسلوكية والتعليمية من مختلف الفئات العمرية، وتأثير محتواها الزائف والملفق بالصوت والصورة، على أمن واستقرار المجتمعات.
وفى سياق الاستجابة لدعوة الرئيس السيسى لسن تشريع لحماية الأطفال من المحتويات المضللة والخطرة على وسائل التواصل الاجتماعى، والتكنولوجيا الحديثة، يستعد مجلس النواب، لمناقشة مشروع قانون فى لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات لتنظم استخدام الأطفال لأجهزة الهواتف الذكية، ولحوكمة وسائل التواصل الاجتماعى. وشرع مجلس الشيوخ، برئاسة المستشار عصام فريد، فى مناقشة موسعة لتلك القضية، بهدف التوصل إلى صياغة تشريعية تعزز تلك الحماية، وتحد من المخاطر الناشئة عن الاستخدام الواسع غير الواعى لتقنيات وسائل التواصل الاجتماعى، والاسترشاد بتجارب روسيا والصين، وعدد من دول الاتحاد الأوروبى.
أنشأت الصين نظاما خاصا بها لوسائل التواصل الاجتماعى، وحظرت عدد من الدول الأوروبية استخدامها على أطفال لا تزيد أعمارهم على 8 سنوات، وألزمت بعضها الآخر الشركات المنفذة لتلك الوسائل، الحصول على موافقة الآباء للسماح لمن هم فوق هذ االعمر باستخدامها، وقيدت طرق الوصول إليها، ومنعت استخدام الهواتف المحمولة فى المدارس الثانوية. ولجأت دول أخرى لتحديد مدى زمنى يتراوح بين ساعة وساعتين يوميا لخفض الاستخدام المُفرط لتلك الوسائل، وشددت من دور الرقابة الأسرية على المحتوى المتداول لمن هم أقل من 16 عاما، وأغلق بعضها نهائيا، حسابات تلك الفئة العمرية.
التحديات التى يواجهها إصدار تشريع فى هذا المجال، أكثر من أن تحصى. أولها أن الواقع العملى أثبت أن التشريع قد يخفض نسب الجرائم، لكنه لم يستطع وحده أن يمنعها, وهو هنا يتعامل مع تطور متسارع فى وسائل التكنولوجيا، يفوق فى بعض الحالات فاعلية القوانين القائمة، ويتخطى قدرتها على ملاحقتها. وبينها كذلك نوعية البيئة الثقافية والإعلامية التعليمية والاقتصادية التى يصدر في ظلها القانون، التى لا يخفى على أحد فى حالنا، قدر الخلل بها، وأوجه القصور الذى أصابها، وانعكس أثره على تراجع فى ثقة المواطنين فى البنية التشريعية القائمة، وفى قدرة السلطات التنفيذية على تطبيقها وإلزامهم بتطبيقها. فضلا عن غيبة مشهودة فى وسائل الترفيه البديلة المناسبة التى تجذب إليها هؤلاء الأطفال، لإقناعهم بالتخلى عن هذا الفضاء الفسيح الذى توفره لهم تلك السماوات المفتوحة خلال الاستخدام المفرط للهواتف المحمولة، لا سيما لدى الفئات الاجتماعية الفقيرة وغير القادرة.
وقبل أن تشمر السواعد لإصدار هذا التشريع الجديد، الذى قد يصطدم تنفيذه بانتشار القوانين المنظمة لاستخدام الوسائل التكنولوجية الحديثة فى المناهج التعليمية بالمدارس، وبقدرة جيل زد ومن هم أقل أو أكثر منه عمرا، على التحايل التكنولوجى، والافتقار إلى آليات تنفيذية ورقابية مؤهلة لتنفيذه، وتفاديا لتكدس المنظومة التشريعية، فما المانع أن نجرى مراجعة دقيقة للقانون 175 لسنة 2018 لمكافحة جرائم تقنية المعلومات، ولائحته التنفيذية رقم 1699 الصادرة عام 2020 عن الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات، لعلنا نقتنع بأن إصدرار تشريع جديد غير ضرورى.
واستحضار هذا القانون ومراجعته بدقة، قد ينتهى إلى إضافة مواد جديدة إليه أكثر تحديدا للفئات العمرية المستخدمة لتلك الوسائل، وإلزام الوزارات المعنية بالتعاون الجماعى فيما بينها، لتوفير الأنشطة البديلة التى تساهم فى نشر الوعى المجتمعى والأسرى، وتنمية مهارات الأطفال، وتوعيتهم بسبل ثقافية وعلمية بسيطة وجذابة لطرق الاستخدام الآمن لوسائل التواصل الاجتماعى، وتجنب محتوياتها الملغومة، التى قد تفضى إلى ارتكاب الجرائم، وتروج لأنواع من الجرائم والسلوكات المنحرفة والمحتويات غير اللائقة أخلاقيا، وتقلل من قدرة الطفل على التحصيل الدراسى وتضعف ملكاته الذهنية والإدراكية.
ويخاطب القانون 175 لسنة 2018 مقدمى الخدمة الإليكترونية، ومديرى المواقع، ومستخدميها والحسابات الخاصة والشخصيات الاعتبارية الممثلة لمنظمات وهيئات مؤسسات حكومية وخاصة. ويفرض القانون مجموعة من العقوبات والغرامات، تتراوح بين الحبس 6 أشهر وسنتين، وغرامات تتراوح بين 50 جنيها و300 ألف جنيه، على جرائم الابتزاز الإليكترونى واستخدام محتوى غير ملائم، وإنشاء حسابات وهمية وأخرى لارتكاب الجرائم واختراق المواقع والحسابات، والدخول إليها بدون تصريح والاعتداء على القيم لأسرية وانتهاك الخصوصية الشخصية وحرمة الحياة الخاصة. كما يلزم مقدمى الخدمة بضمان سرية بيانات المستخدمين، والإفصاح، عنها فقط بأمر قضائى. كما أعطى الحق لجهات التحقيق القضائى بضبط وسحب البيانات الإليتكرونية والتحفظ على أجهزتها، مع ذكر أسباب السحب والتحفظ.
هذا قانون موجود يناديكم. فعّلوه، وأضيفوا إليه، بدلا من كسل تنفيذى، واستسهال تشريعى يهدر الجهد والوقت والنفقات، لإصدار قانون جديد.
Sign in
Sign in
Recover your password.
A password will be e-mailed to you.
الموضوع السابق
الموضوع التالي

التعليقات متوقفه