حظى “مصطفى النحاس” بشعبية جارفة لم ينل مثلها زعيم سياسى فى تاريخ مصر المعاصر قبل ثورة يوليو، سوى “سعد زغلول”. وربما بسبب ذلك تعرض لحملات تشهير لا مثيل لها من منافسين له على قيادة الوفد، وحاسدين له، تلك الشعبية الجارفة لم تخجل تلك الحملات من استخدام أقذر الأسلحة لتكيل له التهم بالاستبداد والديكتاتورية، وبالخيانة الوطنية والتشكيك فى ذمته المالية والطعن فى أعراض زوجته، وهى تؤكد أنها بهذا الانحطاط الأخلاقى، إنما تدافع عن مبادئ الوفد، وتاريخه!
كان النحاس قاضيا شرعيا قبل أن يتجه لمهنة المحاماة، ثم ينخرط فى العمل السياسى. وكان من بين المجموعة التى جمعت توكيلات شعبية لسعد زغلول لتمثيل الأمة لمطالبة سلطات الاحتلال بالاستقلال السياسى. وبسبب خبراته القانونية، وبلاغته، ضمه زغلول إلى وفد التفاوض مع بريطانيا للتوصل إلى ذلك. شارك النحاس فى معظم الترتيبات التى قادت إلى ثورة 1919، بعدما غدت الثورة الوعاء التنظيمى والقيادى لحركة الجماهير الشعبية الواسعة النطاق، والداعمة لمطلب قيادة الثورة للتحرر من الاحتلال.
حين اندلعت ثورة 1919 كان النحاس قد بلغ من العمر 40 عاما. كما تم نفيه مع سعد زغلول ورفاقه، بعدما خرجت بريطانيا منتصرة من الحرب العالمية الأولى.
انتخب مصطفى النحاس فى سبتمبر 1927 لرئاسة حزب الوفد الذى شارك فى تأسيسه، بعد نحو شهر فقط من رحيل سعد زغلول. وساهمت زعامته وكفاءته القانونية وخبرته القيادية والسياسية فى ارتفاع شعبية حزب الوفد، وساعدته فى الحصول على الأغلبية البرلمانية، التى مكنته من تشكيل الحكومة لسبع مرات فى الفترة من عام 1928 وحتى عام 1952، كان بينها الوزارة الثالثة التى أبرم خلالها النحاس معاهدة عام 1936، التى تنازل فيها الاحتلال البريطانى تحت ضغط شعبية الوفد وقيادته لمطالب الحركة الوطنية، عن القيود التى وضعها فى تصريح 28 فبراير 1922. وكان التصريح قد أنهى الحماية البريطانية على مصر، واعترف بها دولة مستقلة وألغى الأحكام العرفية المفروضة على البلاد منذ بداية الحرب العالمية الأولى، فى مقابل تأمين مواصلات بريطانيا، ودفاعها عن مصر من الاعتداءات الأجنبية، وحماية المصالح الأجنبية والأقليات ومنحها حق التصرف فى السودان، وهو ما كان يعنى الاعتراف المصرى بشرعية المصالح البريطانية فى البلاد فى مقابل الاعتراف بالاستقلال.
ولولا تحالف أحزاب الأقلية مع القصر فى التصدى لشعبية الوفد والنحاس معًا، والسعى الدائم لإضعاف الحزب، بتدخل القصر ورجاله لإحداث انشقاقات بين صفوفه والتشهير بقادته، لربما تمكن حزب الوفد من حسم التنافس الحزبى والصراع السياسى والنيابى لتشكيل حكومات مستقرة طويلة الأجل، ولتغير وجه مصر السياسى والبرلمانى فى الحقبة الملكية.
وكانت الحكومة التى شكلها مصطفى النحاس فى أعقاب حادث 4 فبراير 1942، بناء على طلب من الملك فاروق وليس بطلب من السفارة البريطانية كما أشاع خصومه، وفدية خالصة، بعدما رفض طلب الملك تشكيل حكومة إئتلافية. وصارت فيما تلى ذلك، محطة من المحطات الرئيسية والتى وظفها القصر وأحزاب الأقلية الموالية له، لإضعاف الوفد وسحب البساط من تحت أقدام النحاس. وكانت القوات البريطانية قد حاصرت القصر الملكى فى هذا اليوم، وقدم السفير البريطانى إنذارا للملك بالتنازل عن العرش لعجزه عن تشكيل حكومة قومية تحفظ أمن البلاد فى لحظة حرجة أثناء اشتداد معارك الحرب العالمية الثانية، بين دول الحلفاء ودول المحور، وبعد أن تأكد للسفارة أن المظاهرات التى تسير فى شوارع القاهرة وتهتف “تقدم يا روميل” هى بدعم من فاروق والأحزاب الموالية له.
ورغم أن النحاس رفض الإنذار مع غيره من الأحزاب، وتراجع السفير البريطانى عن مطلبه بتنازل فاروق عن عرشه، فى مقابل تعهده بتشكيل حكومة قومية تحظى بالاستقرار بما يمكن القوات البريطانية فى مصر من مواجهة القوات النازية الغازية، فقد كشفت الوثائق البريطانية والمصرية عن حادث 4 فبراير، التى اطلع عليها المؤرخ دكتور “عبد العظيم رمضان” ونشر بعض نصوصها فى كتابه “قضايا فى تاريخ مصر المعاصر” كذب كل الادعاءات التى أنطوت عليها حملات التشويه لمصطفى النحاس بسب قبوله تشكيل تلك الحكومة.
شجع الملك ورئيس ديوانه أحمد حسين كلا من مكرم عبيد سكرتير عام الوفد وأحمد ماهر، أحد أبرز قادته على الانشاق عن الوفد والتشهير بمصطفى النحاس. فزادت أحزاب الأقلية حزبين حين شكل الأول حزب الكتلة الوفدية، وشكل الثانى حزب السعديين، لتقود مع غيرها كل الانقلابات الدستورية على دستور 1923، وتشكل حكومات استبدادية لمصادرة حريات الرأى والتعبير والصحافة، وتفتح أبواب السجون لمعارضيها، ظنا منها أنها بذلك تقوى من سلطة القصر، وتحل أحزاب الأقلية المصنوعة، محل الوفد.
لكن تلك السياسات لم تفلح فى شىء من ذلك، وانتهت بإضعاف جميع الأطراف: القصر والوفد والحياة الساسية برمتها، ليصبح الطريق ممهدًا، لنجاح حركة الضباط الأحرار فى القيام بثورة 23 يوليو، وإسقاط النظام الملكى وقيام الجمهورية. ولا يزال اسم مصطفى النحاس زاهيًا فى صفحات تاريخ مصر المعاصر، فيما انزوى فى هوامشه من بذلوا الغالى والرخيص للنيل من دوره ومحو شعبيته.
هل من عبرة من تلك السردية؟ نعم. لكن فقط لمن يريد أن يعتبر!
Sign in
Sign in
Recover your password.
A password will be e-mailed to you.
الموضوع السابق
الموضوع التالي

التعليقات متوقفه